البلاد (المدينة المنورة) انطلقت أمس الاثنين، أولى جلسات أعمال الدورة السادسة والأربعين من “ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي”، التي تُعقد تحت عنوان: “قطاع البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد”، وذلك في جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة، بمشاركة نخبة من أصحاب المعالي، وقادة الفكر المالي، والعلماء، وصنّاع القرار، وممثلي المؤسسات المالية والتنموية من 18 دولة، في تجمع فكري واقتصادي.

وأكّد الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي يوسف حسن خلاوي في كلمته، الأهمية النوعية لموضوع الندوة، مشيرًا إلى أن التركيز على البعد الاقتصادي لا يعني إغفال الأبعاد الشرعية والقانونية والاجتماعية والخيرية المرتبطة بقطاع البرّ والإحسان. وشدد على الدور التأسيسي للمصارف الإسلامية في تطوير مسارات الاقتصاد الإسلامي الحديث، مؤكدًا أن استكشاف طبيعة هذا الدور وحدوده يمثل أحد المحاور الرئيسة التي تسعى الندوة إلى بحثها عبر حوارات علمية جادة. وترأس الجلسة المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور سعد الشثري، موضحًا أن البرّ والإحسان يُعدان أصلًا جوهريًا في الاقتصاد الإسلامي وليس موضوعًا ثانويًا، لما لهما من دور في توسيع دائرة الاقتصاد ومعالجة الفقر، عبر تحويل المحتاجين من متلقين للمساعدة إلى منتجين وأصحاب أعمال، بما يفتح آفاقًا أوسع للنمو الاقتصادي المجتمعي. من جانبه، أكد رئيس المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ورئيس جامعة دار العلوم بكراتشي محمد تقي العثماني، أهمية التوجه نحو قطاع البرّ والإحسان بوصفه من أكمل جوانب الاقتصاد الإسلامي، مشيرًا إلى أن ندوات البركة أدت دورًا كبيرًا في تطوير الصناعة المالية الإسلامية، وتبلور قضايا الاقتصاد الإسلامي. وشهدت الجلسة العلمية الأولى، التي جاءت بعنوان: “المفاهيم الأصيلة لقطاع البرّ والإحسان: نحو نموذج فريد وفعّال في الاقتصاد الإسلامي”، مشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين في الاقتصاد والشريعة الإسلامية، حيث ناقشت الأسس الفكرية والشرعية لدور البرّ والإحسان في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. كما أكّد أهمية العناية البحثية المتخصصة بهذا القطاع، وضرورة الجمع بين التأصيل الشرعي وقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
وخلال الجلسة، تناول أستاذ الفقه وعلومه ورئيس قسم الفقه وأصوله بجامعة الزيتونة في تونس، الدكتور معز بن بشير المجولي، موضوع “البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: من أدوات تعبدية إلى وظيفة اقتصادية منشئة للتكافل ومحققة للعمران”، مؤكدًا أن البرّ والإحسان مؤسسان نصًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومرتبطان بمقاصد الاستخلاف والعمران، لا بمجرد الإحسان العارض. وأشار إلى الحاجة إلى إعادة تموضع قطاع البرّ والإحسان ضمن نموذج اقتصادي إسلامي متكامل، من خلال إعادة بناء الوعي الوظيفي، واعتماد التحليل المقاصدي، وتحويل الموارد إلى أدوات تمكين إنتاجي، وترسيخ الحوكمة والكفاءة المؤسسية.  كما استعرض الأستاذ المشارك بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور بلقاسم الزبيدي، مفهوم الإحسان في الشريعة بوصفه منظومة تشريعية متكاملة ومحركًا للعطاء، موضحًا أنماطه المتعددة، ومنها الزكاة باعتبارها إحسانًا واجبًا لتحقيق الكفاية، والصدقات كإحسان طوعي لسد فجوات الحاجة، والقرض الحسن كإحسان تمكيني لمعالجة نقص السيولة، إلى جانب أنماط الإحسان النفعية غير المالية. وأكد معالي وزير المالية المصري الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، الدكتور فياض عبدالمنعم، أن فرضيات التحليل الاقتصادي الإسلامي تتميز بواقعيتها في فهم النفس الإنسانية، مشيرًا إلى أن سلوك البرّ والإحسان يُعدُّ من العوامل الداعمة للنمو الاقتصادي، وأن مفهوم البركة يمثل نماءً حقيقيًا لا يقتصر على الزيادة الظاهرية. وفي سياق متصل، تناول الرئيس والمدير التنفيذي للجامعة الدولية للتعليم في المالية الإسلامية بماليزيا، الدكتور محمد عزمي عمر، تطور العمل الخيري في النماذج الغربية، ودور أدوات التمويل الاجتماعي الإسلامية، لافتًا إلى فرص التقارب بين النماذج المعاصرة ونماذج التمويل الإسلامي عبر تعزيز الاحترافية، وقياس الأثر، وتفعيل الزكاة والوقف بصورة إنتاجية. واختتم الجلسة الأولى وزير الأوقاف الأردني الأسبق، الدكتور عبدالناصر أبو البصل، بالتأكيد على استقلالية وتميّز قطاع البرّ والإحسان بوصفه عنصرًا أصيلًا في الاقتصاد الإسلامي، نشأ مع البعثة النبوية وأسهم في بناء الحضارة الإسلامية، مشددًا على ضرورة الحفاظ على استقلالية هذا القطاع تنظيمًا وإدارة في العصر الحديث. وشهدت الجلسة العلمية الثانية، التي حملت عنوان: “دور المصارف الإسلامية في بناء وتطوير قطاع البرّ والإحسان”، مشاركة عدد من المختصين والخبراء من عدة دول. وخلال الجلسة، عبّر وزير الدولة وعميد جامع الجزائر، محمد المأمون القاسمي الحسني، عن تقديره للعلماء الذين أسهموا في إثراء ندوات البركة بدراسات علمية قيمة، وبفتاوى أصبحت مرجعًا مهمًا للمؤسسات المالية الإسلامية بوجه عام، كما خص بالذكر مؤسس الندوة الشيخ صالح عبدالله كامل-رحمه الله- الذي كان له فضل التأسيس والسبق مع نخبة من الرواد الذين أسسوا للمالية الإسلامية وواكبوا تطورها ومسيرتها. واستعرض النائب الأول للرئيس ورئيس مجموعة الشريعة والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية في بنك الجزيرة فهد العليان، مفهوم المسؤولية الاجتماعية وأهدافها، مؤكدًا أنها تمثل التزامًا أخلاقيًا تجاه المجتمع، مستعرضًا تجربة بنك الجزيرة في مجال البرّ والإحسان من خلال تخصيص 100 مليون ريال، ورصد 1% من صافي أرباح البنك لدعم برامج الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية. كما تناول مدير الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي العربي، الدكتور طارق إسماعيل يوسف، الدور الاستثماري الإستراتيجي للمصارف الإسلامية في قطاع الإحسان، مشيرًا إلى ضعف الكفاءة الاستثمارية لموارد البرّ، وداعيًا إلى تحول المصارف الإسلامية من مجرد قناة تبرع إلى شريك إستراتيجي، مع استعراض عدد من الآليات المالية المبتكرة، من بينها صناديق الاستثمار الوقفية وصكوك الأثر الاجتماعي. وناقشت الجلسة محور “دور الهيكلة والحوكمة في المصارف الإسلامية”، حيث أكّد رئيس مجلس إدارة بنك كيرجاساما راكيات في ماليزيا، محمد إروان مبارك، أهمية دمج مقاصد الشريعة في الحوكمة وصنع القرار وهيكلة المنتجات، والتركيز على الأثر التنموي القابل للقياس، مشددًا على دور الشفافية والحوكمة الرشيدة في تعزيز ثقة المجتمع. واختتمت أعمال اليوم الأول للجلسات بالجلسة العلمية الثالثة بعنوان: “قطاع البرّ والإحسان وقنوات الاستثمار: الاستثمار الخيري في إطار الانضباط الشرعي”. وأكّد خلالها أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية الدكتور عبدالله الكيلاني، أن الوقف يمثل نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، مشددًا على أهمية الانتقال من الإدارة التقليدية للأوقاف إلى نماذج حديثة تجمع بين الانضباط الشرعي والحوكمة المؤسسية، مع توظيف الأدوات المالية والتقنية المعاصرة. وفي ختام الجلسة، استعرض رئيس قسم الشريعة بالجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا الدكتور محمد الشوبكي، الاجتهاد الفقهي المعاصر في استثمار أموال الزكاة، مؤكدًا أن الزكاة تؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية تتجاوز كونها عبادة آنية، وتسهم في تحقيق العدالة والكفاية الاجتماعية، موضحًا أن الرأي الراجح يجيز استثمار أموال الزكاة بصفة استثنائية لتحقيق مصلحة راجحة، وفق ضوابط شرعية محددة.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

كلمات دلالية: المدينة المنورة فی الاقتصاد الإسلامی المالیة الإسلامیة الإسلامیة فی الإحسان فی مشیر ا إلى قطاع البر مؤکد ا أن

إقرأ أيضاً:

بحضور وزير المالية.. وفد حكومي رفيع المستوى يروج للفرص الاستثمارية بمصر في لندن

تنطلق غدًا الأربعاء في العاصمة البريطانية لندن فعاليات مؤتمر اقتصادي واستثماري رفيع المستوى يستهدف الترويج للفرص الاستثمارية الواعدة في مصر، بمشاركة وفد حكومي رفيع المستوى يضم وزراء المالية والاستثمار والإسكان، إلى جانب مسؤولين اقتصاديين ومستثمرين ورجال أعمال من مصر والمملكة المتحدة، وذلك في إطار دعم الشراكة الاقتصادية وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى السوق المصرية.

ويُعقد المؤتمر خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026، باعتباره منصة للحوار المباشر بين الحكومة المصرية ومجتمع الأعمال البريطاني والدولي، لعرض مستجدات الاقتصاد المصري ومسار الإصلاح الاقتصادي، واستكشاف فرص التعاون والشراكات الاستثمارية في عدد من القطاعات الحيوية.

وزير المالية: لا ضريبة على الغاز بالمنازل.. ومشروع القانون يخاطب الشركة المختصة بالشراءبحضور وزير المالية.. خطة النواب تفتح ملف المنازعات الضريبية وأرباح الشركات المملوكة للدولة

ويضم الوفد الحكومي المشارك أحمد كجوك وزير المالية، والدكتور محمد فريد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والمهندسة راندا المنشاوي وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، إلى جانب رامي أبو النجا نائب محافظ البنك المركزي المصري، وسط حضور واسع من المستثمرين وصناع القرار وممثلي المؤسسات المالية والاستثمارية.

ويمثل المؤتمر فرصة مهمة لعرض التطورات التي يشهدها الاقتصاد المصري أمام المستثمرين البريطانيين والدوليين، وتسليط الضوء على الفرص الاستثمارية المتنامية، بما يعزز جهود الدولة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وترسيخ مكانة مصر كمركز اقتصادي واستثماري إقليمي قادر على استقطاب رؤوس الأموال الباحثة عن النمو والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويأتي انعقاد الفعالية في توقيت يشهد الاقتصاد العالمي تحديات متزايدة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو في عدد من الأسواق، في وقت تسعى فيه مصر إلى إبراز ما حققته من إصلاحات اقتصادية وهيكلية عززت بيئة الأعمال ورفعت قدرتها التنافسية، بما يوفر فرصًا واعدة للمستثمرين الباحثين عن عوائد طويلة الأجل في سوق تتمتع بموقع استراتيجي واتفاقيات تجارية واسعة النطاق.

وتبدأ أعمال المؤتمر بجلسة افتتاحية تناقش آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر والمملكة المتحدة، يعقبها حوار رفيع المستوى حول مسيرة الإصلاح الاقتصادي في مصر، بمشاركة وزير المالية ووزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حيث تستعرض الجلسة جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي، والإصلاحات الضريبية والحوافز الاستثمارية، إلى جانب استراتيجية الدين العام والاستدامة المالية وخطط الاستثمار للفترة المقبلة.

كما يشهد اليوم الأول جلسة موسعة تناقش اتجاهات الاستثمار في مصر وفرص العوائد في قطاعات العقارات والبنية التحتية المستدامة والنمو العمراني، مع التركيز على الحماية القانونية للمستثمرين، وسياسات النقد الأجنبي، والحوافز المقدمة للمشروعات الكبرى، وفرص الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودور المؤسسات المالية في دعم الاستثمارات طويلة الأجل.

ويتضمن البرنامج لقاءات مباشرة تجمع ممثلي الحكومة المصرية بكبار المستثمرين ورجال الأعمال البريطانيين، بهدف بحث فرص التعاون والتوسع داخل السوق المصرية واستكشاف شراكات استثمارية جديدة، بما يعزز التواصل المباشر بين صناع القرار ومجتمع الأعمال.

أما اليوم الثاني من المؤتمر، فيتضمن استعراضًا للآفاق المستقبلية للاقتصاد المصري، إلى جانب جلسات متخصصة حول الاقتصاد الرقمي، وفرص الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، فضلًا عن مناقشة خطط التنمية العمرانية وبناء المدن الجديدة وفرص الاستثمار المرتبطة بها.

ويعكس انعقاد المؤتمر في لندن عمق العلاقات الاقتصادية بين مصر والمملكة المتحدة، كما يعزز جهود الترويج لمصر باعتبارها وجهة استثمارية مستقرة وقادرة على جذب رؤوس الأموال، مستفيدة من سوق كبيرة وبنية تحتية متطورة وإصلاحات تشريعية وتنظيمية تدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.

ومن المتوقع أن تسهم مخرجات المؤتمر في دعم تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى السوق المصرية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار والصناعة والخدمات، في إطار رؤية تنموية تستهدف تحقيق نمو اقتصادي مستدام ورفع تنافسية الاقتصاد على المستويين الإقليمي والدولي.

طباعة شارك أحمد كجوك اخبار مصر الترويج للفرص المصرية مال واعمال البنك المركزي المصري رامي أبو النجا وزير الاستثمار والتجارة الخارجية

مقالات مشابهة

  • “الوطني الاتحادي” يشارك في الجلسة الـ 14 للبرلمان الدولي للتسامح والسلام في مقدونيا الشمالية
  • رابطة العالم الإسلامي تدين الاقتحامات الإسرائيلية لـ “الأقصى”
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى إقليمي للتعليم التقني بمشاركة 13 دولة متوسطية
  • بحضور وزير المالية.. وفد حكومي رفيع المستوى يروج للفرص الاستثمارية بمصر في لندن
  • انطلاق منتدى “أسواق رأس المال الإسلامية التركية-الماليزية” في إسطنبول
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • “الجهاد الإسلامي” تدين اعتداء مستوطنين على أهالي قرية في رام الله
  • ندوة عن “الحروب المستقبلية” في كلية الدفاع الوطني
  • انطلاق قمة «فود جارد» بالقاهرة بمشاركة حكومية ودولية واسعة
  • ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج يزورون "المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية" بالمدينة المنورة