فخ الاختراق من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز إبستين؟
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
تعود بعض الأفلام إلى الذاكرة كما لو كانت وعدا يتم الوفاء به، وبعد مشاهدتها ثانية، يكتشف المحزون أنه وجد من شاركه حزنه، ويشعر المبتهج بشريك مبتسم. أما ذلك الذي يحاول فهم أسباب وملامح الأزمات، فقد يكون صاحب الحظ الأوفر بينهم، إذ تضيء تلك الأفلام مساحات مظلمة في العلاقات الإنسانية وفي النفس البشرية.
ويعد فيلم "اختراق" (Breach) الصادر عام 2007 للمخرج بيلي راي، وبطولة كريس كوبر ورايان فيليب، واحدا من تلك الأعمال التي يمكن النظر إليها اليوم وقد عادت إلى الواجهة تدريجيا، بالتزامن مع ما تكشفه الأخبار من وجوه جديدة للسلطة والخفاء.
ففي زمن تتصاعد فيه الأسئلة حول قضية جيفري إبستين وما أحاط بها من شبكات حماية ونفوذ، ومع تداول الإعلام لروابط وثيقة بينه وبين أجهزة استخبارات، يبدو الفيلم قادرا على تقديم لغة سينمائية لفهم مناخ "التجنيد" كآلية نفسية، أكثر من مجرد كونه حكما أخلاقيا.
لا يشرح الفيلم الجريمة كفعل فيزيائي، وإنما يرسم عبر الأداء البارد، والصوت المكتوم، والحوار المتوتر، والصورة التي تضيق داخل المكاتب، كيف يسقط الأفراد داخل فخ الاختراق من الداخل. فالثقة – كما ذكر الجاسوس "هانسن"، هي "الثغرة"، والطموح هو "البوابة". "اختراق"، الذي يطل بعد قرابة عقدين من عرضه الأول، يعمل كنافذة توفر إطلالة على واقع شديد الفوضوية والقسوة.
قصة حقيقية في قلب "السيستم"يستند الفيلم إلى واحدة من أخطر قضايا التجسس في تاريخ الولايات المتحدة. تدور القصة حول العميل الشاب إريك أونيل، الذي يُستدعى لمهمة تبدو في ظاهرها إدارية داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، لكنه يكتشف سريعا أنها مهمة مراقبة سرية لواحد من كبار رجال مكافحة التجسس، روبرت هانسن.
الخط الدرامي الأساسي يتشكل من العلاقة المتوترة بين الرجلين: أونيل الذي يحاول جمع الأدلة دون أن ينكشف، وهانسن الذي يتمتع بذكاء بارد وشخصية مهيمنة.
يتحول المكتب المغلق إلى مسرح نفسي للخيانة، حيث تصبح الثقة سلاحا، والصمت شبكة. ورغم أناقة المكان، فإن عتمة المكاتب تبدو خانقة، والوجوه تظهر كأقنعة متعبة بلا ملامح، يسودها صمت غير مطمئن لا يقطعه إلا جملة لاذعة أو نظرة مرتابة.
إعلانعملية التجنيد في «اختراق» (Breach) هي مسار نفسي بطيء يتسلل إلى الإنسان من داخله. ما يميز الفيلم هو تقديمه للجاسوس كشخص "عادي" جدا، لا يملك بطولات "جيمس بوند". لكن هذا الشخص العادي يعرف قواعد المؤسسة جيدا، ومسكون بطموح هو المدخل الخفي للانحراف.
ثمة تشابهات جوهرية بين "هانسن" و"إبستين" تؤهلهما للعمل في مناطق الظل؛ فكلاهما يملك طموحا بلا سقف، وذكاء باردا، وكلاهما يعمل "خارج المؤسسات التقليدية" حتى لو كان في قلبها.
لا يعني رجلا من هذا النوع أن يتولى منصبا رسميا، بل أن يملك "مفاتيح الوصول" وجمع أسرار النخب للسيطرة عليها. هانسن يتجسس لصالح الاتحاد السوفيتي من قلب الجهاز الأمني، وإبستين شكل شبكة للسيطرة على البشر بتلبية أحط احتياجاتهم. كلاهما بلا انتماء حقيقي، وهي السمة الأساسية للمجندين في العمليات القذرة.
في قضية إبستين، لم تكن السيطرة تقوم بالمال فقط، بل بـ"الحصار التدريجي" وتحويل الضحية إلى أداة داخل الشبكة (تجنيدها لجلب أخريات)، وهو ما يفعله هانسن في الفيلم حين يحاول صياغة وعي مساعده الشاب وتوريطه نفسيا في عالمه الخاص.
سينما المكاتب المعتمةاختار المخرج بيلي راي الابتعاد عن المطاردات السريعة، مقدماً عملاً هادئاً يعتمد على التوتر النفسي. أبرز ما يمنح الفيلم قوته هو أداء كريس كوبر، الذي يظهر كرجل يعيش داخل المؤسسة ويخفي خيانته خلف الانضباط والتدين الظاهري.
وفي المقابل، يبرع رايان فيليب في تصوير الضغط الذي يعيشه العميل الشاب الذي يراقب رجلاً يجلس أمامه يوميا، يبتسم له ويشاركه القهوة، بينما يخطط للإيقاع به.
إن ما يخبرنا به فيلم «اختراق»، وما تؤكده قضية إبستين اليوم، هو أن الأنظمة الأكثر تحصيناً ليست مهددة بالاختراق الخارجي بقدر تهديدها من "الصدع الداخلي". في الفيلم، ينجح هانسن في تسريب معلومات هائلة لا لضعف في أنظمة التشفير، بل لضعف في "أنظمة البشر" التي تميل لتصديق ما هو مألوف.
هنا تلتقي السينما بالواقع؛ فإبستين لم ينجح في بناء شبكته لأنه كان يمتلك تقنية (Technology) خارقة، بل لأنه فهم "هندسة العلاقات" وكيفية تحويل الوجهاء والمثقفين والفنانين إلى "مجندين" صامتين في شبكته، إما بالترهيب أو بالإغواء أو بمجرد الإيهام بالانتماء لنادٍ مغلق.
يختتم الفيلم بمشهد قوي يظهر أن القبض على هانسن لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية لإدراك حجم الخراب الذي خلفه. وبالمثل، فإن رحيل إبستين لم ينهِ "الاختراق" الذي أحدثه في جسد النخبة العالمية. لقد ترك كلا الرجلين خلفهما عالماً فقد ثقته في "الوجه الرسمي"، عالماً يدرك الآن أن خلف كل مكتب أنيق وقاعة اجتماعات نظيفة، قد يختبئ مفترس يعرف تماما كيف يستخدم طموحك ضدك.
إن «اختراق» ليس مجرد فيلم تجسس، إنه دراسة في "سيكولوجية التبعية"، وهو اليوم ضرورة سينمائية لمن يريد أن يفهم كيف تُدار الغرف المغلقة، وكيف يُمكن لشخص واحد أن يحول مؤسسة، أو حتى مجتمعاً كاملاً، إلى ساحة لتصفية الحسابات النفسية والمخابراتية تحت غطاء من "الثقة" العمياء.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.