“الإبادة المعرفية” في غزة.. كيف تُبيد إسرائيل الذاكرة بكسر سلسلة إنتاج الوعي؟
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
الثورة /متابعات
لا تقتصر حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة على القتل الجماعي والتدمير العسكري للبنية العمرانية والمدنية، بل تتجاوز ذلك إلى نمط أشد خطورة وأطول أثرًا، يتمثل في الاستهداف المنهجي للتعليم والثقافة والذاكرة الجمعية والهوية الفلسطينية.
هذا ما يخلص إليه الباحث الأميركي هنري جيرو في دراسته المعنونة (الإبادة الأكاديمية: الحرب على التعليم من غزة إلى العالم الغربي Scholasticide: Waging War on Education from Gaza to the West)، حيث يطرح مفهوم “الإبادة المعرفية”(Scholasticide) بوصفه إطارًا لفهم الحرب بوصفها مشروعًا بنيويًا يهدف إلى محو المجتمع الفلسطيني ماديًا وثقافيًا وفكريًا.
ويقدّم جيرو، أحد أبرز منظّري التربية النقدية، مفهومًا تحليليًا لافتًا في دراسته المنشورة في Journal of Holy Land and Palestine Studies))، بوصفها هذا النوع من الإبادة أحد الأبعاد الجوهرية للحرب الجارية.
إرهاب الدولة وتطبيع العنف
يرى الباحث الأمريكي أن ما يجري في غزة لا يمكن فهمه باعتباره عمليات عسكرية منفصلة، بل باعتباره مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني عبر تدمير شروط بقائه المادي والفكري، بحيث لا تُستهدف الأجساد وحدها، بل تُستهدف كذلك المؤسسات التي تحفظ التاريخ، وتنقل المعرفة، وتشكّل وعي الأجيال القادمة.
وتذهب الدراسة في تفكيكها للنموذج الإسرائيلي إلى أن إرهاب الدولة لا يَظهر دائمًا في صورته الفجّة، ولا يُمارَس بالضرورة خارج القانون. ففي كثير من الحالات، يُعاد إنتاجه داخل الأطر المؤسسية نفسها، ويُغلَّف بخطاب أمني وأخلاقي يجعل العنف مقبولًا وضروريًا”.
ويبين جيرو أن العنف الإسرائيلي يقدم كجزء أصيل من بنية الدولة ومنطق إدارتها للصراع وليس بوصفه استثناءً أو انحرافًا، مشيراً إلى أن أخطر أشكال إرهاب الدولة ليس في استخدام القوة العسكرية المفرطة، وإنما في تطبيع القوة العسكرية داخل المجتمع، وتحويلها إلى ممارسة يومية مألوفة، لا تثير التساؤل الأخلاقي ولا تُقابل بالمساءلة. فحين تُشرعن الدولة العنف، وتعيد تعريفه بوصفه “دفاعًا عن النفس” أو “حفاظًا على الأمن”، فإنها لا تكتفي بقمع الضحية، بل تُدرّب المجتمع بأسره على قبول هذا القمع، بل والمشاركة الرمزية فيه.
وهنا يميز جيرو بين العنف العسكري المباشر، وبين ما يسميه “إرهاب الدولة”، أي العنف الذي يُمارس باسم القانون والأمن، ويُمنح شرعية سياسية وأخلاقية عبر خطاب رسمي وإعلامي منظم. ووفق هذا الفهم، فإن القصف الواسع للمدنيين، واستهداف المدارس والمستشفيات، والاعتقالات، وهدم البيوت، يعد جزءًا من قاعدة سياسة ممنهجة وأدوات متكاملة تمثل جوهر النظام السياسي للدولة التي تعمل على تطبيع العنف مجتمعيًا وأخلاقيًا وثقافيًا، حتى لا يتحول إلى عبء داخلي أو مصدر تشكيك في شرعيتها.
ويشير الباحث إلى أن إسرائيل لا تخوض حربًا على غزة فحسب، بل تخوض في الوقت ذاته حربًا على كل أشكال النقد والمعارضة، سواء داخل فلسطين أو خارجها، حيث تُواجَه أي محاولة لتوصيف ما يحدث بوصفه جريمة حرب أو إبادة جماعية بحملات تشويه واتهامات جاهزة، أبرزها معاداة السامية.
من العنف الاستثنائي إلى العنف البنيوي
وتعتمد الدراسة على تقارير حقوقية دولية، تشير إلى أن إسرائيل ألقت خلال أشهر قليلة أكثر من 25 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، وهو رقم يعادل – من حيث القدرة التدميرية – قوتين نوويتين. ويؤكد جيرو أن هذه الكثافة النارية غير المسبوقة، خاصة في منطقة مكتظة بالسكان، تجعل من الحديث عن أخطاء أو أضرار جانبية أمرًا غير قابل للتصديق.
ووفق القانون الدولي الإنساني، فإن استخدام هذا الحجم من القوة التدميرية في مناطق مدنية يشكل جريمة حرب واضحة، خصوصًا عندما يُستخدم بشكل متكرر ضد بنى غير عسكرية.
أحد أبرز محاور الدراسة يتمثل في الاستهداف المتعمد للمؤسسات التعليمية. فبحسب معطيات الأمم المتحدة:
دُمّر أو تضرر نحو 90% من مدارس غزة.
تعرضت جميع الجامعات الـ12 في القطاع للقصف أو التخريب.
توقفت الدراسة لنحو 90 ألف طالب جامعي.
استُشهد آلاف الطلاب ومئات المعلمين وأساتذة الجامعات.
ولا ينظر جيرو إلى هذه الوقائع بوصفها نتائج عرضية للحرب، بل يضعها في إطار سياسة تهدف إلى قطع السلسلة المعرفية التي تربط الماضي بالحاضر، وتجعل من إعادة بناء المجتمع أمرًا بالغ الصعوبة.
وتتوقف الدراسة عند قصف المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، ومن بينها مدرسة التابعين، التي قُصفت أثناء وجود مئات المدنيين فيها. وتشير التحقيقات الحقوقية إلى عدم وجود أي نشاط عسكري داخل هذه المدارس، ما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد.
ويرى جيرو أن تكرار هذه الحوادث يعكس تحول المدارس من فضاءات حماية إلى أهداف عسكرية، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية التي تُلزم أطراف النزاع بحماية المنشآت التعليمية.
الإبادة المعرفية: المفهوم والدلالة
يعرّف جيرو “الإبادة المعرفية” بأنها التدمير المنهجي للتعليم، والثقافة، والبنية الفكرية لمجتمع ما، بهدف محو ذاكرته الجمعية وقدرته على إنتاج المعرفة ونقلها. وهي، وفق هذا التعريف، شكل متقدم من الإبادة، لا يستهدف الحاضر فقط، بل يستهدف المستقبل. وتشمل هذه الإبادة:
تدمير المدارس والجامعات.
قتل أو تهجير المعلمين والمثقفين.
محو الأرشيفات والمكتبات.
تدمير المتاحف والمواقع الثقافية.
سرقة أو طمس الآثار التاريخية.
توسّع الدراسة دائرة التحليل لتشمل استهداف المكتبات العامة، ودور النشر، والمراكز الثقافية، وحتى المقابر والمعالم التاريخية. ويشير جيرو إلى أن هذا النمط من التدمير يعكس رغبة في إعادة كتابة التاريخ بالقوة، عبر محو الشواهد المادية التي تثبت الوجود الفلسطيني المتواصل.
ويحذر من أن تدمير الذاكرة ليس أقل خطورة من تدمير الأجساد، لأنه يسعى إلى إلغاء الرواية الفلسطينية من الأساس.
ولا تتوقف “الإبادة المعرفية” عند حدود فلسطين، بحسب جيرو، بل تمتد إلى الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تشهد حرية التعبير الأكاديمي تراجعًا ملحوظًا. ويوثق الباحث حالات فصل وتعليق عمل أساتذة، ومعاقبة طلاب، وقمع احتجاجات سلمية، بسبب التعبير عن التضامن مع غزة أو انتقاد السياسات الإسرائيلية.
ويرى أن هذا المسار يعكس تحالفًا بين السلطة السياسية والاقتصادية والإعلامية لإسكات أي خطاب نقدي، تحت ذريعة الأمن أو محاربة الكراهية.
لماذا تُستهدف المعرفة؟
ينتقل جيرو من توصيف الدور الإسرائيلي الداخلي إلى تحليل أوسع لمنطق استهداف التعليم الفلسطيني، مؤكدًا أن ما يحدث في غزة من تدمير المدارس والجامعات، وقتل المعلمين، وتشريد الطلبة، يمثل جزء من استراتيجية واعية تستهدف جوهر المجتمع، ولا اعتباره على الإطار أضرارًا جانبية لحرب عسكرية.
ووفق الدراسة، فإن أكثر مظاهر إرهاب الدولة فداحة، هو استهداف الأطفال والتعليم دون أن يثير ذلك صدمة عالمية مستدامة. فحين يُقتل الأطفال أو يُحرمون من مدارسهم، فإننا نكون أمام مستوى متقدم من التطبيع، حيث تُفرَّغ الجرائم من معناها الإنساني.
وينبه جيرو إلى أن هذا السلوك لا يُنظر إليها في الخطاب الرسمي الإسرائيلي كجريمة، وإنما كجزء من “تفكيك البنية التحتية للعدو”، مشددا على أن هذا التوصيف بحد ذاته يعكس منطق إرهاب الدولة، حيث تُختزل الحياة الإنسانية في معادلات أمنية، ويُلغى أي اعتبار أخلاقي مستقل.
وتحذّر الدراسة من أن هذا التطبيع لا يقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل يمتد إلى النظام الدولي، الذي يتعامل مع هذه الجرائم ببرود قانوني، أو يختزلها في بيانات قلق عابرة، ما يعمّق شعور الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار العنف.
يرى جيرو أن التعليم، في السياقات الاستعمارية، يُنظر إليه دائمًا بوصفه خطرًا. فالمعرفة تنتج مهارات تقنية، ووعيًا، وقدرة على التنظيم، وخيالًا سياسيًا يتجاوز الواقع المفروض. ولذلك، فإن المجتمعات التي تُحرم من التعليم تُحرم في الوقت ذاته من أدوات المقاومة طويلة الأمد.
في الحالة الفلسطينية، يتخذ هذا الاستهداف طابعًا أكثر وضوحًا. فغزة، التي تُحاصر منذ سنوات، لم تكن مجرد مساحة سكانية محاصرة، بل مجتمعًا حيًا حافظ – رغم كل القيود – على بنية تعليمية فاعلة، وجامعات نشطة، ونسب التحاق مرتفعة بالتعليم العالي، وهو واقع يشكّل تهديدًا بنيويًا، لأن المعرفة في غزة ليست محايدة وإنما مرتبطة بسؤال الهوية، والذاكرة، والحق، والاستمرار.
من هذا المنظور، يقول جيرو إن تدمير الجامعات والمختبرات وقتل الأكاديميين في غزة أصبح رسالة سياسية بامتياز، يراد منها كسر سلسلة إنتاج الوعي باستهداف الحاضر وضرب المستقبل في الصميم.
المصدر
المصدر: الثورة نت
كلمات دلالية: إرهاب الدولة التی ت أن هذا فی غزة إلى أن
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.