دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- ما أن تتجاوز طوابير التفتيش الأمني حتى تتلاشى آثار القرن الـ21، وتحلّ مكانها أعمدة كريمية اللون وأرصفة من الرخام تمتد إلى الأفق، وخلفها تلال خضراء، كأنّك عدت بالزمن 2000 عام.

في بلد يزخر بالكنوز الأثرية، تعد مدينة أفسس القديمة، الواقعة في محافظة إزمير غرب تركيا، جوهرة التاج.

وقد زار أطلال هذه المدينة الإغريقية-الرومانية نحو 2.5 مليون شخص في العام 2025. 

تعد مدينة أفسس القديمة موقعًا للتراث العالمي لليونسكو في محافظة إزمير غرب تركيا.Credit: Orhan Fatih Dogan/Anadolu Agency/Getty Images

وقد تأسس هذا الموقع المدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي في القرن العاشر قبل الميلاد، وتبلغ مساحته نحو 4047 متر²، أي ما يعادل 10 أضعاف مساحة "ديزني لاند" تقريبًا، ويكتظ بالعديد من العجائب التاريخية.

وتقول المرشدة السياحية فاطمة غونالتاي، وهي تسير مع الزوّار على الطريق المقدس الذي كان يربط المدينة بمعبد أرتميس من القرن السادس قبل الميلاد، أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم: "في موسم الصيف، كانت 70 ألف سفينة ترسو في أفسس. كانت هذه المدينة غنية جدًا".

بُنيت أفسس عند مصب ما كان يُعرف بنهر كايستروس، بالقرب من ساحل بحر إيجه، وازدهرت كمركز تجاري يربط الشرق بالغرب. وقد ترك قادة مثل الإسكندر الأكبر وأنطونيوس وكليوباترا بصمتهم هنا. 

أما أطلالها التي لا تزال تُستكشف حتى اليوم فتعود في معظمها إلى فترة ازدهار المدينة كحاضرة رومانية كبرى، ولا تزال بين أفضل الأمثلة المحفوظة من تلك الحقبة.

أناقة عتيقة يصطف على جانبي هذا الطريق تماثيل لشخصيات بارزة من مدينة أفسس.Credit: legacy1995/iStock Editorial/Getty Images

ولا يزال Curetes، أحد الشوارع الرئيسية الثلاثة في المدينة، مرصوفًا بالرخام الذي قد يصبح زلِقًا عند هطول الأمطار. وتصطف على جانبيه تماثيل لمواطنين بارزين، كثير منها بلا رؤوس أو أطراف، بينما تظهر المباني الدينية والمدنية، التي كانت مطلية يومًا بألوان زاهية، بلون أصفر.

وتشرح غونالتاي أن متاجر الحرير والبخور كانت تصطف على جانبي الشارع، وأن الأشجار المزهرة كانت تظلّل المارة من شمس الصيف الحارقة. وكانت ثقوب بيضاوية في الجدران تحمل مصابيح لإنارة الطريق ليلًا. وقد أُدخلت حديثًا جولات ليلية صيفية لمساعدة الزوار على تخيّل أجواء المدينة بعد غروب الشمس.

يُعد معبد هادريان، وهو مبنى متواضع الحجم على الطراز الكورنثي، اتميز بكونه الأكثر زخرفة بين الأنماط الكلاسيكية للعمارة اليونانية القديمة والرومانية، من أكثر مباني أفسس أناقة. 

وقد اكتمل بناؤه عام 138 ميلادية بسقف خشبي، ولا تزال أقواسه المزخرفة التي يبلغ ارتفاعها 8 أمتار قائمة بعد قرابة ألفي عام. ويضم القوس الداخلي نقشًا لميدوسا، الشخصية الأسطورية ذات رأس الأفاعي في الميثولوجيا الإغريقية-الرومانية، وقد استُخدمت هنا لطرد الأرواح الشريرة.

تعد هذه المكتبة المذهلة المعلم السياحي الأبرز في أفسسCredit: Mahmut Serdar Alakus/Anadolu Agency/Getty Images

في أسفل التل يقف أبرز معالم المدينة وأكثرها شهرة، أي مكتبة سيلسوس. هذا الصرح الروماني الذي يبلغ ارتفاعه 17 مترًا نجا منه واجهته فقط. وتكشف النوافذ الفارغة على مربعات زرقة السماء، بينما تخلق الأعمدة الرخامية المدببة خداعًا بصريًا يجعل المبنى المؤلف من طبقتين يبدو أكثر فخامة.

كانت أكثر من 12 ألف لفافة مخطوطة محفوظة داخل هذا المركز العلمي من القرن الثاني، قبل أن يدمرها حريق عام 262 ميلادية. وكان المبنى أيضًا قبرًا تذكاريًا ضخمًا، شيّده القنصل غايوس يوليوس أكويلا تكريمًا لوالده غايوس يوليوس سيلسوس بوليمايانوس المدفون هنا.

إعلان لبيت دعارة صمم هذا النقش على حجر الرصف لجذب الزوار إلى بيت الدعارة في المدينة.Credit: Servet Turan/iStockphoto/Getty Images

يظهر الجانب الأقل وقارًا من الحياة على الجانب الآخر من الشارع. فبقايا بيت دعارة تقع مقابل المكتبة، ويُعتقد أن نقشًا قريبًا على حجر الرصف في شارع Curetes يعد من أقدم الإعلانات في العالم. إذ يُظهر شكل قدم، وكيس نقود، وامرأة، في إشارة إلى أن الزوار ذوي الأقدام بحجم البالغين والمال الكافي يمكنهم شراء الخدمات المعروضة هناك.

وقد شُيد بيت الدعارة قرابة القرن الأول الميلادي، وتضم في الطبقة الأرضية منطقة استقبال وحوض استحمام، مع طبقة علوية لاستقبال الزبائن. وقد عُثر خلال أعمال التنقيب على تمثال للإله بريابوس، إله الخصوبة في الميثولوجيا الإغريقية-الرومانية، ويعرض الآن في متحف أفسس بمدينة سلجوق القريبة.

وقد اشتهر الرومان بمهاراتهم الهندسية، حتى في التعامل مع الصرف الصحي. ففي المراحيض العامة بالمدينة، تصطف 36 فتحة كان الناس يقضون حاجتهم فوقها، فوق نظام تصريف. ويُعتقد أن المستخدمين كانوا ينظفون أنفسهم بعدها باستخدام إسفنجة مثبتة على عصا تُغمس في الخل.

كانت هذه المراحيض العامة القديمة جزءًا من حمامات سكولاستيكا.Credit: Erman Gunes/iStockphoto/Getty Images

كانت هذه المراحيض جزءًا من حمامات سكولاستيكا، وهي أكبر مجمع استحمام في المدينة، القادر على استيعاب ما يصل إلى ألف شخص، وكان مركزًا اجتماعيًا مهمًا.

وتقول غونالتاي إن الرجال كانوا يستخدمون الحمامات الرومانية مثل المقهى، حيث كانوا يلتقون فيها للحديث وأحيانًا لمناقشة مباريات المصارعين والانتخابات في الإمبراطورية الرومانية، أي أبرز القضايا التي كانت تشغلهم. 

تمثال أرتميس في متحف أفسسCredit: Giulio Andreini/UCG/Universal Images Group/Getty Images

يمكن للزوار استكشاف بيوت التراس القريبة، وهي عبارة عن 7 منازل رومانية أرستقراطية محفوظة جيدًا، مقابل رسوم إضافية قدرها 15 يورو، فوق رسم الدخول البالغ 40 يورو للموقع الأثري. 

وفي الداخل توجد حمامات خاصة مزودة بمياه ساخنة وباردة عبر أنابيب فخارية، إلى جانب جداريات مرسومة، وفسيفساء ملونة، وكتابات جدارية بخط اليد. 

إبقاء الشعلة متقدة

تقول غونالتاي مشيرة إلى الأعمدة المقوسة المتبقية: "البريتانيون يعد ثاني أهم مبنى في أفسس بعد معبد أرتميس". وكانت الكاهنات يُبقين شعلة مقدسة متّقدة هناك ليلًا ونهارًا، ويُعتقد أنها تمثل قوة حياة المدينة. 

وتضيف: "إذا كانت النار المقدسة حية، فالمدينة حية". أما انطفاء الشعلة فكان يعني، بحسب اعتقادهم، "أن نهاية الإمبراطورية الرومانية آتية".

وكان معبد أرتميس، الذي تعود أصوله إلى القرن السابع قبل الميلاد، واحدًا من أكبر المعابد الإغريقية التي شُيدت على الإطلاق. وقد أُعدمت أرسينوي الرابعة، الشقيقة الصغرى لكليوباترا، على درجاته عام 41 ميلادية بأمر من مارك أنطونيوس وكليوباترا. 

وكان المعبد قد أُحرق عام 356 قبل الميلاد على يد مُشعل حرائق يدعى هيروسطراطس. وقد أُعدم بسبب فعلته، وتعد القضية من أقدم الأعمال الإرهابية الموثّقة في التاريخ. واليوم، لم يبقَ في موقع المعبد الأصلي، الواقع خارج المنتزه الأثري الرئيسي، سوى عمود واحد أُعيد بناؤه.

مركز مسيحي مبكر بني هذا المسرح الضخم الذي يتسع لـ 25،000 مقعد في عهد الملك الهلنستي ليسيماخوس، ثم أعاد الرومان بناءه بين عامي 41 و117 ميلادي.Credit: bloodua/iStockphoto/Getty Images

وقد أصبحت أفسس لاحقًا مركزًا دينيًا مهمًا في بدايات المسيحية. فمن العام 52 إلى 55 ميلادية، أمضى الرسول بولس ثلاث سنوات هنا يبشر بالإنجيل، ويُقال إنه جلب مريم، والدة المسيح، إلى هنا لتقضي أيامها الأخيرة. ويعد بيت السيدة العذراء موقع حج مسيحي شهي على منحدرات جبل كوريسوس.

كانت تُقام معارك المصارعة في المسرح الكبير.Credit: Augustcindy/iStock Editorial/Getty Images

ومن أبرز معالم المدينة مسرحها العظيم الذي يتسع لـ25 ألف مقعد، وكان يُستخدم للعروض المسرحية، والتجمعات العامة، والطقوس الدينية، وفي العصر الروماني لمعارك المصارعين.

تشرح غونالتاي: "كانت المقاعد مقسّمة بحسب المهنة"، في إشارة إلى التسلسل الاجتماعي الصارم، حيث كان الناس يُصنفون بحسب الطبقة والمكانة والجنس.

كان شارع الميناء طريقًا معتمدًا صاخبًا يؤدي إلى ميناء المدينة الذي جف الآن، حيث كان التجار يبيعون سلعًا فاخرة مستوردة. وعلى مدى قرون، دفع الطمي الساحل بعيدًا تدريجيًا، ما أسهم في هجر أفسس بحلول العصر العثماني في القرن الخامس عشر.

وأمام المشهد القاحل اليوم، مع ابتعاد البحر نحو 6 كيلومترات، يصعب تخيل الميناء كما كان، لكن ذلك قد يتغير، إذ تقول غونالتاي إن هناك خططًا حكومية لإعادة ملء القناة وربط الميناء بالبحر مجددًا، "تمامًا كما في العصور القديمة".

وقد أُعلن المشروع لأول مرة عام 2017، ويُقال إنه سيشمل إنشاء قناة جديدة ومرسى لقوارب الرحلات. ولم يُعلن بعد جدول زمني للتنفيذ. وإذا تحقق المشروع، فقد يتمكن الزوار من الوصول إلى أفسس عبر البحر مجددًا بعد مرور أكثر من ألفي عام على ذلك.

تركياآثاررحلاتنشر الخميس، 12 فبراير / شباط 2026تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2026 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.

المصدر

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: آثار رحلات قبل المیلاد Getty Images

إقرأ أيضاً:

كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟

شهدت عشرينيات القرن الماضي تحولاً مفصلياً في المشروع الصهيوني، مع انتقاله من السعي لإقامة "وطن قومي لليهود" إلى تبني سياسات الاستيطان والاستحواذ على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها، مستفيداً من التشريعات التي أقرها الانتداب البريطاني. 

وأسهمت عمليات شراء الأراضي وطرد المزارعين الفلسطينيين في تعميق التوترات واندلاع المواجهات، وصولاً إلى بروز المقاومة الفلسطينية المسلحة التي قادها عز الدين القسام ومهدت لمرحلة جديدة من الصراع في فلسطين.

وفيما يلي النص الكامل لمقال أستاذ التاريخ في جامعة إكستر، المقتبس من كتابه "تاريخ موجز جداً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني":

في منتصف عشرينيات القرن الماضي، تحوّل هدف الحركة الصهيونية من مجرد السعي لإقامة وطن آمن لليهود – اعتمادا على دعم القوى الاستعمارية الكبرى – إلى احتلال فلسطين وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم. أكثر من ذلك، بدأت الحركة ترى في ذلك ضرورة لتأسيس الوطن المنشود.

بحلول عام 1926، كانت الحركة الصهيونية قد قلبت رأسا على عقب الأعراف السائدة منذ عقود فيما يتعلق بملكية الأراضي، والتي كانت سارية المفعول منذ الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.

تلك الإصلاحات التي ألغت تأجير الأراضي لحساب الدولة، مكّنت الأثرياء من امتلاكها لحسابهم الخاص. هكذا أصبحت مساحات شاسعة من الأراضي في أيدي طبقة صغيرة من الملاك، كان الكثير منهم يقيمون خارج فلسطين (عُرفوا بالملاك الغائبين)، وكانت قلة منهم من وجهاء فلسطين.


عند شراء الأرض، كانت ملكيتها تنتقل بما فيها من قرى وسكان. كان العرف يفرض على القرويين الوفاء بالتزامات معينة تجاه مالك الأرض، لكن لم يكن هناك أي احتمال لترحيلهم، على الأقل حتى غيّرت الإدارة البريطانية القوانين.

في عام 1920، ألغى البريطانيون العديد من القيود المفروضة على شراء الأراضي، مع فرض بعض القيود على عمليات الشراء الصهيونية تحسباً لأي مقاومة فلسطينية، لكن ذلك كان يعني من الناحية العملية قدرة الحركة الصهيونية على شراء كل ما تستطيع دفع ثمنه.

كما أعاد البريطانيون تصنيف القرويين الفلسطينيين الذين كان الكثير منهم يزرعون تلك الأراضي منذ أجيال، باعتبارهم مزارعين مستأجرين، وبالتالي أصبح وجودهم مقترنا برغبة مالك الأرض.

بين عامي 1921 و1925، اشترت منظمة “الكومنولث الصهيوني الأمريكي” نحو 80,000 فدان من الأراضي في مرج ابن عامر، المعروف اليوم باسم سهل يزرعيل، من عائلة سرسق المقيمة في بيروت. وفي عام 1929، اشترى “الصندوق القومي اليهودي” قرابة 7,500 فدان في منطقة وادي الحوارث، بين حيفا وتل أبيب، بعد أن عجز ورثة المالك اللبناني الأصلي عن سداد ديونه.

وفي الحالتين، طرد المستوطنون الصهاينة القرويين والمزارعين الفلسطينيين الذين كانوا يزرعون تلك الأراضي، وتم ذلك أحيانا باستخدام القوة.

سعى الصهاينة، مدفوعين بفكرة عمل اليهود في الأرض بأنفسهم، للحصول على أوامر طرد وإخلاء من السلطات البريطانية، وقد حصلوا عليها. هكذا بدأ التطهير العرقي في فلسطين، وهو مستمر حتى يومنا هذا.

ما بدأ كحركة لإنقاذ اليهود وتحديث اليهودية بتحويلها إلى هوية وطنية من بين هويات أخرى، بات الآن مشروعا استعماريا استيطانيا خالصا، يعتمد على إخضاع شعب آخر.

في الاحتلال الاستيطاني، يهدف المحتل إلى استبدال الشعب الأصلي بشعب آخر. وبالنسبة للمستوطنين الذين يسعون جاهدين لفرض ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، يمثل السكان المحليون – الذين يختلفون عنهم اختلافاً تامًّا- عقبة يجب إزالتها، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون اللجوء إلى أسابيب وحشية.

في أستراليا على سبيل المثال، وقعت ما لا يقل عن 270 مجزرة بحق السكان الأصليين على مدار 140 عاماً من الاستيطان البريطاني.

غير أن هذه العملية لا تعتمد على القوة الغاشمة فحسب. يعمل المستوطنون على محو الماضي حتى يبدأ التاريخ مع وصولهم إلى تلك الأرض. تتلاشى العادات السابقة، ويتم الاستيلاء على الموارد الغذائية كأنها ملك للمستوطنين. بعبارة أخرى، لم يجد المستوطنون أرضا خالية، فاضطروا إلى إخلائها.

يصف باتريك وولف، الباحث الأسترالي المتخصص في الاحتلال الاستيطاني، عقلية المستوطن بأنها تقوم على “منطق الإقصاء”. وقد جادل بأن المشروع الاستيطاني يسعى جاهداً لإتمام عملية الإقصاء إن لم تكن كاملة. بعبارة أخرى، طالما أن إسرائيل متمسكة بفكرة الاحتلال الاستيطاني، فلن تتعايش أبدا مع الفلسطينيين بشكل سلمي.

هذه الممارسات لا تأتي من فراغ. قبل عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية وأثناءها، يبني المستوطنون مبررا أيديولوجيا، ويخلقون إجماعا. يفصحون عن نواياهم، تارة بشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر. يتجلى ذلك بوضوح عبر وسائل تبدو بريئة للوهلة الأولى، مثل الرسم، حيث صوّر الرسامون الصهاينة الأوائل وطنهم المستقبلي خاليا تماما من أي قرى فلسطينية.

كيف برر المحتلون الصهاينة ممارساتهم بحق السكان الأصليين؟ جرّدوهم من إنسانيتهم، تماماً كما حدث في المشاريع الاستعمارية الأخرى، وصوّروهم على أنهم “همّج” أو “بدائيون”.

من بين الصور النمطية الأكثر رواجا تصوير الفلسطينيين على أنهم “بدو رحل”، أي لا يرتبطون بالأرض، رغم أن العديد من القرى الفلسطينية موجودة منذ آلاف السنين. وفي الآن ذاته، يزعم المستوطنون أن دوافعهم نبيلة، مثل جلب التحديث والتحضر إلى منطقة متخلفة.

لكن الاحتلال الاستيطاني يختلف عن الاستعمار التقليدي في جانب جوهري. بينما يرى المستعمر أنه يجلب الحداثة إلى دول همجية متخلفة، يعتقد المستوطن أن مهمته تحديث الأرض، وليس السكان. البشر بالنسبة للمستوطنين مجرد عقبة يجب التخلص منها. حتى يومنا هذا، يردد الكثير من الإسرائيليين كذبة أن فلسطين كانت عبارة عن صحراء شاسعة، ولم تزدهر إلا عندما وصل إليها الصهاينة.

كررت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، هذه المقولة المبتذلة في رسالة التهنئة بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس إسرائيل.

لكن فلسطين لم تكن أبدا صحراء قاحلة، ولم يكن سكانها أبدا بدوًا متخلفين. تم ترويج هذه الأوهام لجعل المشروع الصهيوني أكثر قبولاً وجاذبية لليهود في أوروبا وخارجها، لكن المفكرين الصهاينة كانوا يدركون تماما حقيقة وجود سكان أصليين يجب التعامل معهم.


قبل عشرينيات القرن الماضي بفترة طويلة، يمكن أن نجد قادة صهاينة يتحدثون كيفية تهجير الفلسطينيين. كان بعض المفكرين الصهاينة يأملون أن يهاجر الفلسطينيون طوعا إلى الدول العربية المجاورة إذا حصلوا على تعويضات مالية مناسبة، لكن خيار التهجير القسري ظل مطروحا على الطاولة.
طوّر الصهاينة هذه الأفكار منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 1948، عندما حان الوقت لتنفيذها. تحوّلت تلك الأفكار المجردة إلى مخطط شامل أدى إلى تهجير نصف السكان العرب من فلسطين.

ساهمت عمليات شراء الأراضي في عشرينيات القرن الماضي، وما رافقها من عمليات تطهير عرقي، في إنهاء سنوات الهدوء. مع اقتراب العقد من نهايته، توترت العلاقة بوضوح بين المستوطنين اليهود والفلسطينيين، لتصبح المواجهات العنيفة متكررة في ثلاثينيات القرن العشرين. كما اصطدم الطرفان بالسلطات البريطانية، حيث رأى كل منهما أنها عجزت عن حمايته.

كانت بوادر الكارثة تلوح في الأفق، حيث أُجبر الفلسطينيون الذين فقدوا أراضيهم بعد طردهم من المزارع التي كانوا يعملون بها على الانتقال إلى المدن. كان الفلسطينيون ضحايا منظمات صهيونية تُعرف باسم “العمل العبري” وتصف نفسها بأنها “اشتراكية”، وكانت تؤمن بأن التحديث اليهودي لا يتم إلا من خلال العمل الإنتاجي.

بناءً على ذلك، أرادت هذه المنظمات أن يصبح العمل الزراعي حكراً على اليهود. لكن الملاك اليهود أنفسهم قاوموا هذه السياسة، إذ كانت تعني التخلي عن العمال الفلسطينيين أصحاب الخبرة، وتوظيف عمال يهود ربما لم يسبق لهم العمل في مجال الزراعة.

غير أن ملاك الأراضي الذين اتخذوا هذا الموقف تعرضوا للتشهير واستسلموا في النهاية. هكذا اضطر الفلسطينيون الذين طُردوا من أراضيهم للبحث عن وظائف في المدن.
في عام 1929، تصاعد التوتر بشكل غير مسبوق، وأدى إلى ما يُعرف لدى الفلسطينيين بـ”ثورة البراق”. في 15 أغسطس/ آب، نظمت “الهاغاناه” والصهاينة التصحيحيون المتأثرون بأفكار زئيف جابوتنسكي، تظاهرات عند حائط البراق، ما دفع المسلمين لتنظيم احتجاجات مناهضة في اليوم التالي.

وقعت حوادث عنف بين المسلمين واليهود طوال الأسبوع، بلغت ذروتها بمقتل 17 يهوديا بعد صلاة الجمعة في 23 أغسطس/ آب. أطلق هذا الحدث ردود فعل متسلسلة، وخلال أسبوع واحد، لقي 133 يهوديا و116 فلسطينياً حتفهم.

لم يقتصر العنف على القدس، بل امتد لمدن أخرى، وكان أبرزها أحداث الخليل في 24 أغسطس/ آب 1929. كان يهود الخليل جزءا من أقلية موجودة في فلسطين منذ قرون قبل وصول الصهيونية، وقد عاشوا بسلام مع المسلمين، حيث تؤمن الديانتان بقدسية مدينة الخليل التي تضم قبر النبي إبراهيم.

لم يستسغ الفلسطينيون دخول طلاب المدارس التلمودية بملابسهم الأوروبية إلى الحرم القدسي. ومع انتشار أنباء الاشتباكات في القدس، توافد المسلمون من القرى المحيطة بالخليل إلى داخل المدينة، وقُتل 67 يهودياً، رغم أن بعضهم وجد ملاذاً آمناً في منازل عائلات مسلمة.

اليوم، تُستخدم أحداث الخليل المروعة في الرواية الإسرائيلية الرسمية كدليل على “استحالة” التعايش مع الفلسطينيين، والمفارقة أنها تُستخدم لتبرير المجازر بحق الفلسطينيين.

رغم أن الشرارة المباشرة لأحداث عام 1929 كانت دينية، إلا أن الاضطرابات انتشرت بسرعة وبشكل مدمر بسبب انهيار النظام الاجتماعي الفلسطيني. كان ذلك تعبيرا عن الإحباط بعد عقد من التوسع الصهيوني السريع. خلال ذلك العقد، أدرك الفلسطينيون في القرى والأرياف ما ينتظرهم جميعاً: التطهير العرقي والإفقار المتعمد.

ومع إجبار المزيد من الفلسطينيين على ترك العمل الزراعي، نشأت الأحياء الفقيرة. في حيفا شمالي فلسطين، تبلور شكل جديد من المقاومة الفلسطينية ضد الصهيونية وحلفائها البريطانيين، وهو ما سُمي بـ”حرب العصابات”. هنا برزت شخصية ذات كاريزما طاغية، الإمام عز الدين القسام (1882-1935)، الذي سُمي الجناح العسكري لحركة حماس باسمه، وكذلك صواريخها الأولى.


تُخلّد العديد من فصائل المقاومة الفلسطينية العلمانية إرث عز الدين القسام لإدخاله حرب العصابات في النضال الفلسطيني ضد البريطانيين. استطاع القسام الذي قاوم الاستعمار في بلده سوريا، أن يُلهم الشباب المسلم في الأحياء الفقيرة بحيفا لتأسيس جماعات شبه عسكرية، استعدادًا لنضال طويل الأمد ضد الاستعمار البريطاني.

لكن في مواجهة تدفق كبير للمهاجرين اليهود وتشديد المراقبة من السلطات البريطانية، اضطر القسام إلى كشف نواياه قبل الأوان. في التلال القريبة من جنين، صمد القسام مع 11 عنصرا أمام قوة بريطانية كبيرة لعدة ساعات في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، إلى أن قُتل مع أربعة من رفاقه.

في اليوم التالي، أعلنت حيفا إضرابا عاما. ألهم مقتل القسام أعدادا متزايدة من الشباب الفلسطيني لحمل السلاح والاستعداد لخوض حرب ضد بريطانيا لإجبارها على التخلي عن دعم الصهيونية. ورغم أن ثورة القسام كان محكوما عليها بالفشل، إلا أنها مهدت الطريق لمقاومة أكثر تنظيما في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين.

مقالات مشابهة

  • أحمد موسى: العلمين أصبحت الآن تضاهي أفضل المدن حول العالم
  • نجم الهلي في قائمة تركيا النهائية للمونديال.. واستبعاد أكتشيشيك
  • نجم ريال مدريد غولر يتصدر قائمة منتخب تركيا لكأس العالم 2026
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • توكل كرمان تدعو الطلاب اليمنيين في تركيا إلى بناء المستقبل بالعلم والمعرفة، وتؤكد أن الحضارات تولد من قلب الأزمات لا من الاستقرار
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • الكرة الذهبية تشتعل مبكرا.. من يقترب من عرش أفضل لاعب في العالم؟
  • ورقة حقائق بعنوان "نظرة عامة على المناطق الصفراء والخط البرتقالي في القطاع"
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • رحلة استثنائية لمنتخب مصر في كأس العالم 2026.. تحديات تتجاوز حدود المستطيل الأخضر