أسوأ عدو للإنسان.. ذكرياته!
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
الذاكرة البشرية هي الوعاء الذي يختزل فيه الإنسان ذكرياته الماضية، سواء رحلته مع الزمن أو تجاربه القديمة، وقد تكون هذه الذكريات عبارة عن وطن يشتاق إليه الفرد منا، كغيره ممن تقطعت بهم سبل العيش خارج نطاق أوطانهم، وأصبح الماضي شيئًا يألف الاقتراب منه، ويحن إليه «بشوق» خاصة عندما تحاصره الظروف، أو يشعر بقسوة الغربة التي تجعله أحيانًا شخصًا تائهًا ما بين «حدة الحاضر وسراب الماضي».
الناس في الذكريات صنفان، أحدهما سئم من الحديث عن ماضيه الذي لن تعود إلى أصله وتفاصيله، لذا آثر الصمت والاشتغال بالحاضر، تاركًا البكاء على الأطلال بعيدًا عن مجال تفكيره، على اعتبار أنه جزء من فلسفة عتيقة، ومجد شخصي اندثر مع الزمن، ولن يُكتب له الحياة مرة أخرى.
أما الصنف الآخر، فلا يكف عن الحديث عن ماضيه حتى وإن كان سجلًا غير حافل بـ«المنجزات»، لكن نظرته إلى الوراء نابعة من قناعته بأن له حقًا أصيلًا في الاحتفاظ بما ذهب منه وما فقد.
وما بين الاثنين، هناك شخص متذمر، وآخر حالم بعودة الأيام القديمة، لهذا بقيت الذكريات واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، خاصة عندما لا يجد شيئًا يعينه على تحمل عثرات الحاضر سوى الذكريات، لذا يرى أن ماضيه وإن كان صعبًا «هو من أوصله إلى هذه المرحلة التي يقف عندها»، من هنا وجب عليه تذكر الماضي حتى وإن كان يشعره أحيانًا بالفقد والألم.
يقول الشاعر الراحل محمود درويش: «لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنه الجميع فارغًا، لكنه يغص بالغائبين».
الذكريات وإن اختلفنا على أهميتها، واتفقنا على أنها جزء لا ينفصل من مرحلة حياة عاشها الإنسان طولًا وعرضًا، وشكلت محورًا مهمًا في تكوينه الشخصي، رغم الوجع النفسي والعاطفي الذي عاشه الإنسان، ويمكن لهذه الذكريات القديمة أن تكون شيئًا خالدًا في الذات بكل ما فيها من صعوبات وتحديات، لتظل القناعة قائمة على أنها صفحاتها مليئة بالتذكر والتدبر والتأمل.
هل يمكن أن نقول إن الذكريات هي أحد الأعداء الذين يجب أن نهابهم أو نقلق من تذكرهم؟
في الواقع، يجمع الكثيرون على قول «نعم»، فالذكريات المؤلمة أكثر حضورًا في أذهان البشر، وربما هي من تطاردهم في أوقات كثيرة، رغم أنهم يحاولون تجنب الاقتراب منها، إلا أن الفشل يكون حليفهم في كل مرة.
لهذا يشعر الإنسان بأن ما قد مضى من عمره هو عبارة عن صفحات لا تُنسى ولا تبلى بسهولة، وإن طويت منذ زمن.
من هنا نتفق تمامًا مع قول الروائي والمترجم الياباني الشهير هاروكي موراكامي: «الذكريات تدفئ الإنسان من الداخل، لكنها في الوقت نفسه؛ تقطعه بعنف إلى أجزاء».
أجمع الناس باختلاف اتجاهاتهم على أن الذكريات قد تكون «محفورة بداخلنا حتى وإن كنا لا نحس بثقلها في رؤوسنا»، لذلك يتمنى البعض أن يلغي من رأسه كل التفاصيل التي تشعره بالحزن وتجلب له الألم.
بالمقابل، هناك حقيقة أخرى، وهي أن لولا الذكريات لما وُجد شخص يشعر بالفقد أو العزلة أو الغياب، فلو نسي الإنسان كل حوادثه القديمة لأصبح شخصًا جديدًا دون ماضٍ، وربما لن يتعلم شيئًا من دروس الحياة، ولن يتجاوز الأخطاء الماضية، لذلك الذاكرة وما يصيبها من نسيان في بعض الأحيان تظل تعلق على أغصانها أوجاع الماضي ولحظات الضعف والألم، وأيضًا الفرح والنجاح، ليبقى الإنسان مرتبطًا بما يتذكره حتى النهاية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
حرية النباح!
عندما يوجد انقسام مجتمعي، حول ظاهرة ما، أو قضية بعينها، ثم تتحول إلى ساحة جدلية للمزايدة الأخلاقية، فإن جوهر الحكمة يتجسد في مقولة «أرسطو»: «الفضيلة هي الوسط بين طرفين، من الإفراط والتفريط».
خلال الفترة الأخيرة، جسَّدت قضية تزايد انتشار كلاب الشوارع، نموذجًا صارخًا لهذا الانقسام، كإحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل، بين مَن يدعو للتعامل معها بعاطفة مطلقة، ويتجاهل مخاطرها على الإنسان، ومَن يطالب بحلول قاسية لا تُراعي الجوانب الأخلاقية، فيما يغيب صوت العقل الباحث عن التوازن.
لذلك، عندما يشتكي أحد من خطورة الكلاب، مطالبًا بالحد من انتشارها، يجد نفسه متهمًا بالقسوة وانعدام الرحمة وكراهية الحيوانات، أما إذا تحدث آخر عن طفل فَقَدَ حياته، أو سيدة تعرضت لإصابة، أو كبار سنٍ يخشون السير ليلًا بالشوارع، فيتم اعتبار تلك الوقائع هامشية، أمام خطابات عاطفية غير مبرَّرَة!
اللافت أن بعض «النشطاء» يتعاملون مع حقوق الكلاب بحماسة، قد لا نجد مثلها في الدفاع عن حقوق البشر أنفسهم، بينما تتسع صدورهم لنقاشات تتعلق بالحيوانات، ويضيقون بأي رأي مخالف، لتتحول الممارسات إلى محاكم تفتيش، تُصدر أحكامها سريعًا على كل مَن يطالب بحلول، وكأن الرحمة أصبحت حقًا حصريًا للكلاب، أما الإنسان فعليه أن يبرر خوفه أولًا، ثم يثبت استحقاقه للأمان بعد ذلك!
بكل أسف، إن وضع الإنسان في مقارنة مع الحيوان، يمثل معادلة زائفة ومغلوطة، فالمجتمعات «المتحضرة» لم تحل المشكلة عبر القتل العشوائي، ولم تترك الشوارع أيضًا تحت رحمة التكاثر غير المنضبط!
لذلك، نتصور أن المعالجة الحقيقية لا تحتاج مزيدًا من النباح، ولا افتعال معارك افتراضية تُدار بالتخوين أو تبادل الاتهامات، بل قدرًا من العقلانية والمسؤولية، والإقرار بأن الرحمة لا تتجزأ، وحياة الإنسان ليست أقل قيمة من حياة الحيوان.
إذن، يجب إيجاد حلول واقعية، تحمي الإنسان من الخطر، وتحفظ للحيوان حقه، دون أن يتحول أحدهما إلى ضحية للآخر، من خلال برامج واسعة للتعقيم والتطعيم، ومراكز إيواء مؤهَلة، وتشريعات صارمة تمنع التخلي عن الحيوانات المنزلية بالشوارع، والتخلص أولًا بأول من القمامة المنتشرة، ثم التدخل السريع في المناطق التي تشهد خطورة فعلية على السكان.
أخيرًا.. تبقى القضية اختبارًا لقدرتنا على تحقيق التوازن بين العاطفة والعقل، حتى لا تتحول الشوارع إلى مأوى مفتوح للكلاب على حساب أمن الناس، كما لا يكون الحل في القسوة والتخلص غير الإنساني منها، ليبقى المعيار الأهم هو الحكمة في التعامل، فالمجتمعات لا تُقاس بكيفية تعاملها مع الحيوانات فقط، بل بكيفية حمايتها للبشر أيضًا.
فصل الخطاب:
يُحكى أنه في إحدى الدول «البعيدة»، قامت مجموعة من «البشر» بقتل «حيوان»، بطريقة همجية، ليلتفَّ الجميع على قلب رجل واحد، رافضين بشاعة المشهد الذي أدمى القلوب.. وفي الدولة نفسها، قامت مجموعة من «الحيوانات» بقتل «إنسان»، بالطريقة ذاتها، في مشهد يندى له جبين «الإنسانية»، ولم يكن التأثر باديًا على البعض، لأن «المغدور» به لم يكن من فصيلة «الحيوانات»!
[email protected]