البحرين بين التحديات والآمال.. قراءة واقعية ومسؤولة في اقتصاد المستقبل (2)
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
عبدالنبي الشعلة **
تلقيتُ عددًا غير قليل من الملاحظات والتفاعلات الإيجابية على مقالي المنشور الأسبوع الماضي تحت العنوان نفسه "البحرين بين التحديات والآمال.. قراءة واقعية ومسؤولة في اقتصاد المستقبل"، وهو تفاعل أقدّره وأعتز به، لأنه يعكس حجم القلق المشروع الذي يساور شريحة واسعة من المواطنين إزاء الوضع الاقتصادي الراهن، كما يعكس في الوقت ذاته تعطّشًا لنقاش جاد ومتزن، بعيدًا عن التهوين أو التهويل.
في ذلك المقال حاولتُ التأكيد على أهمية التمسك بروح التفاؤل والإيجابية في مواجهة التحديات الاقتصادية التي نمر بها، دون التقليل من خطورتها أو إنكار أبعادها، ودعوتُ إلى الاستفادة من تجارب دول واجهت أزمات اقتصادية عميقة، لكنها تمكنت من تجاوزها بإرادة سياسية، ورؤية واضحة، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
ورغم أنني لم أبرئ أحدًا من المسؤولية، فقد رأى بعض القراء والمتابعين أنني بالغت في التفاؤل على حساب الواقعية، وأنني لم أحدد المسؤوليات، أو أطرح حلولًا عملية، أو أتطرق بوضوح إلى قضايا جوهرية؛ مثل العجز المالي، وارتفاع كلفة خدمة الدين العام، وتراجع التصنيف الائتماني، وضرورة المحاسبة، بل وذهب بعضهم إلى الدعوة إلى ما أصفه بـ«الحلول السحرية»، كالتخلص الفوري من فوائد القروض، أو تصفية الدين العام بالكامل، مع الاستمرار في الوقت ذاته في رفع الأجور، وتوسيع الدعوم، وتوفير فرص العمل، دون الإخلال بمتطلبات التنمية.
وأقولها بوضوح: التفاؤل تهمة لا أتبرأ منها، ولن أعتبرها يومًا نقيصة؛ فالتفاؤل، حين يستند إلى قراءة للتاريخ، وإلى تجارب واقعية، يصبح عنصر قوة لا ضعف. وهو ليس نقيضًا للمحاسبة أو الإصلاح، بل شرط نفسي وأخلاقيًا لإنجاح أي مشروع إصلاحي.
نحن في البحرين مررنا بتجارب لا تقل قسوة عن التي نمر بها اليوم؛ ففي مطلع ثلاثينيات القرن الماضي انهار اقتصاد اللؤلؤ، الذي كان العمود الفقري للاقتصاد البحريني، نتيجة ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني وتزامن ذلك مع الكساد العالمي. ضُربت مصادر الرزق، وتبدلت الأحوال، لكن الآباء والأجداد لم يستسلموا لليأس، بل صمدوا وتسلحوا بالإيمان والثقة، فجاء اكتشاف النفط عام 1932 وكأنه تجسيد لمعنى الحديث الشريف: "تفاءلوا بالخير تجدوه".
كما لا يمكن أن ننسى ما شهدته منطقتنا في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات: الثورة الإيرانية، حادثة جهيمان في الحرم المكي، الغزو السوفييتي لأفغانستان، الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من "حرب الناقلات"، ثم الغزو العراقي للكويت وتداعياته الخطيرة. كانت تلك مرحلة مضطربة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ومع ذلك استطاعت البحرين ودول الخليج امتصاص الصدمات، وإن كان ذلك بثمن اقتصادي كبير.
صحيحٌ أن أسعار النفط ارتفعت خلال ما سُمي بـ«الطفرة النفطية الثانية» (1979–1982)، إلا أن معظم العوائد استُنزفت في تعزيز القدرات الأمنية والدفاعية، وفي مواجهة ارتفاع كلفة الاستيراد والتأمين البحري، ما حال دون تحقيق قفزات تنموية كبرى. ثم عاد النفط ليتراجع في منتصف الثمانينيات، وبدأنا نسمع مفردات "شد الحزام" و"ترشيد الإنفاق" ودخل الاقتصاد مرحلة ركود أثرت على القطاعين العام والخاص.
وهنا أتحدث من موقع الشاهد؛ فقد كنتُ حينها عضوًا في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين، وشاركتُ في لجنة شكلتها الغرفة في أكتوبر 1985 لدراسة تباطؤ النمو الاقتصادي. عملت اللجنة، التي ضمت نخبة من رجالات الأعمال والاقتصاد، على إعداد دراسة شاملة رُفعت إلى رئيس الوزراء وقتها المغفور له صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، ووصفتها الحكومة يومها بأنها "مرجعية" وسعت إلى تطبيق توصياتها، في نموذج يُحتذى به في الشراكة وتحمل المسؤولية.
وتكرر المشهد في منتصف التسعينيات، عندما شرفتُ بتولي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وكان سعر النفط قد هبط إلى ما دون 10 دولارات. وقادت الحكومة آنذاك سياسة ترشيد صارمة، بدأت من الأعلى، وتحملتْ أعباءها، وتمكنَّا- مرة أخرى- من عبور المرحلة.
الخلاصة التي أود التأكيد عليها اليوم هي أن الأزمات الاقتصادية، مهما بلغت حدتها، ليست قدرًا أبديًا، بل محطات اختبار للإرادة والرؤية. نعم، نحن بحاجة إلى إصلاحات جادة، وإدارة مالية حازمة، ومصارحة مسؤولة، ومحاسبة عادلة، لكننا في الوقت ذاته بحاجة ماسة إلى الحفاظ على الثقة، وعدم الاستسلام لخطاب الإحباط والتشاؤم. فالبحرين، بتاريخها، وإنسانها، وانتمائها الخليجي، تملك من المقومات ما يؤهلها لتجاوز هذه المرحلة، شريطة أن نتكاتف، ونفكر بعقل راجح، وقلب مؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل مما نخشاه اليوم.
** كاتب بحريني
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
لماذا الغدير؟ قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي
تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.
إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ
تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.
الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.
البعد القرآني لمفهوم الولاية
تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.
الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي
من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء
في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.
البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن
لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.
بين الذاكرة والواقع
تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.
ختاما ..
يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.