إبراهيم شقلاوي يكتب: بين الفوضى وإعادة التأسيس
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
الأحداث التي تزاحمت في المشهد السوداني مع نهاية الأسبوع الماضي بدت كأنها عرضٌ مسرحيّ لم تكتمل فصوله بعد : استقالة، وعطاءات مثيرة للجدل، وتصريحات متباينة، وترشيحات داخل مجلس السيادة، وأسئلة معلّقة حول المال العام. وحين تُقرأ هذه الوقائع وتُفسَّر في سياقٍ توحيدي، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام إدارةٍ للفوضى؟ أم أمام مخاض إعادة تأسيس لدولة تبحث عن شكلها الجديد بعد الحرب؟
لم يكن أسبوعًا عاديًا، لكثافة أحداثه ، بما صرف الرأي العام — عمدًا أو مصادفة — عن التحولات في محيط السودان الإقليمي والدولي، المرتبطة بمستقبل الحرب والسلام.
بدأ الجدل بعطاء صيانة وتأهيل جسر الحلفايا. لم يكن السؤال عن الجسر ذاته، بل عن المنهج الذي تُدار به الصفقات العامة في زمن الحرب. كيف أرسي العطاء؟ ما المعايير الفنية والمالية؟ ولماذا لا تُنشر كراسات المنافسة ونتائج التقييم؟ في دولة تعاني شح الموارد وتخوض حربًا وجودية، تصبح الشفافية ، شرطًا أخلاقيًا لبقاء الثقة.
ثم جاءت استقالة عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار على خلفية ملف أراضي ولاية الخرطوم الذي أدى لإيقاف موظف حكومي ، لتعيد إلى الواجهة مبدأ ظل غائبًا طويلًا: تحمّل المسؤولية. فالاستقالة في معناها العميق، ليست حدثًا شخصيًا، بل اختبار لفكرة أن المنصب العام ليس حصانة دائمة. غير أن الاستقالة لم تُنهِ الأسئلة، بل وسّعتها: كيف تُدار الملفات الكبرى؟ وكيف تُحصّن الإجراءات؟ ومن يمارس الرقابة؟
تتراكم الوقائع لتكشف معضلة واحدة : الخدمة المدنية تعمل، لكن بلا حماية مؤسسية كافية، الإنفاق يتم، لكن دون وضوح كامل، التعاقدات تُبرم، لكن من غير منافسة معلنة، والرأي العام يُطلب منه الثقة، دون أن يُمنح المعرفة. قد تبرر الحرب إجراءات استثنائية، لكن الخطر أن تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وأن يُعاد تعريف “الضرورة” لتصبح مدخلًا لطمس النزاهة والشفافية .
تصريحات الفريق مهندس إبراهيم جابر، التي نفى فيها حل لجنة تهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم مؤكدًا أن ما جرى تعليق مؤقت، سعت جاهدة إلى رسم خط فاصل بين دور اللجنة ووزارة المالية. غير أن المواطن لا يرى مؤسسات منفصلة، بل يرى دولة واحدة مسؤولة. وأي خلل في الشفافية داخل جزء من المنظومة ينعكس على الثقة في كل بناء الدولة وإدارتها .
الحديث عن استئجار مقار بالنقد الأجنبي، وعقود وقود الطائرات، ومشتريات المركبات، يكشف أن المسألة ليست مشروعًا بعينه، بل بنية كاملة لإدارة المال العام. غياب المعلومات لا يفتح باب الشبهات فحسب، بل يُضعف الرصيد الأخلاقي الذي تحتاجه السلطة في زمن الحرب.
خلف هذه الوقائع يبرز صراع مكتوم حول الصلاحيات داخل الجهاز التنفيذي، على خلفية القرار رقم (13) الذي منع الوزراء من المشاركة في اجتماعات أو لجان معينة. قرار يبدو تنظيميًا في ظاهره، لكنه يعكس في جوهره أزمة ثقة ومحاولة لإعادة رسم موازين النفوذ. السؤال هنا ليس عن لجان، بل عن من يملك القرار، ومن يُقصى من دوائره الضيقة.
ثم انتقل الجدل من الملفات إلى الأشخاص، مع تداول أسماء بديلة محتملة لعضوية مجلس السيادة، من بينها الهندي عزالدين، ومريم الشريف الهندي، وأبو عاقلة كيكل. ليس من اعتراض على الأسماء، بل على المنهج الذي يحكم الترشيحات. فالمنصب السيادي ليس مكافأة ولا امتدادًا لشهرة أو علاقات، بل موقع قرار يتطلب تأهيل أكاديمي و معرفة مؤسسية، وإلمامًا بالدستور، وقدرة على قراءة التعقيدات السياسية والاقتصادية.
إذا ما وُضعت هذه القضايا في سياق واحد، فإنها ترسم ملامح مشهد متوتر : دولة تخوض حربًا، وتعيش صراعًا صامتًا في مفاصلها، بينما ينشغل الرأي العام بوقائع تُدار بطريقة تصرفه عن جوهر المعركة. ليست المشكلة في الجدل ذاته، بل في غياب الأطر التي تجعله منتجًا، وفي افتقار المؤسسات للشفافية التي تحول النقد إلى فرصة إصلاح لا إلى حالة تشظٍ.
في موازاة هذا الجدل الداخلي، كان السودان يتحرك خارجيًا. مشاركة رئيس الوزراء كامل إدريس في مؤتمر ميونيخ للأمن، وطرح “مبادرة السودان للسلام”، وعودة البلاد إلى منظمة الإيقاد، ومساعي رفع التجميد عن عضويته في الاتحاد الإفريقي، كلها مؤشرات على سعي لإعادة التموضع إقليميًا ودوليًا. ويتزامن ذلك مع حديث عن اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار خلال رمضان، ومع تقدم عسكري حاسم في كردفان، وعودة تدريجية لمطار الخرطوم وللمؤسسات التعليمية والصحية والسفارات.
المفارقة بحسب #وجه_الحقيقة : تكمن في دولة تُسوّق خارجيًا للاستقرار والانفتاح، لكنها داخليًا عاجزة عن تقديم نموذج شفاف لإدارة شؤونها. الثقة تُبنى بالمؤسسات المسؤولة والمال العام المدار بوضوح، لا بالخطابات والوعود. إذا لم تُستغل هذه المرحلة لإعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس الشفافية والحوكمة، ستستمر الفوضى التي قادتنا إلى الحرب، وكما يقول فلاسفة السياسية : الدول لا تنهار حين تفشل في البناء، بل حين يفقد الناس القدرة على الإيمان بها.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
السبت 14 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/02/14 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وعلى الطلاق. ننتصر… في الحرب الأخرى)2026/02/14 الحلف الجنجويدي أصيب بالجنون2026/02/13 الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة ٢٢ بابنوسة2026/02/13 حلف الجنجوة الرثة مع البرجزة الرثة2026/02/13 أهل البطانة وجدوا كيكل مرتين عندما لم يجدوا الآخرين2026/02/13 العميل الشرير، يهدد الاِرهابي الصغير !!2026/02/12شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات د. حسن محمد صالح يكتب: خالد سلك وزمرته 2026/02/12الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: دولة ت
إقرأ أيضاً:
مؤسسة وجود وأصحاب المصلحة المعنيين والمتعددين تختتم ورشة العمل حول اقتصاد السلام وأولويات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية
خاص / مؤسسة وجود
تقرير وتصوير : سماح إمداد.
اختتمت مؤسسة وجود للأمن الإنساني، بالشراكة مع منظمة مبادرة مسار السلام وبالتعاون مع منظمة ويلف، وبدعم من السفارة الهولندية، ورشة عمل حول اقتصاد السلام وأولويات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والتنمية خلال الفترة 6–7 مايو 2026م في محافظة عدن.
ويأتي ذلك ضمن مشروع اقتصاد السلام في البيئة الاقتصادية والمؤسسية للتعافي وإعادة الإعمار والتنمية بمشاركة عدد من الجهات الحكومية المعنية و الخبراء والباحثين الاقتصاديين والأكاديميين، إلى جانب ممثلي منظمات المجتمع المدني.
في الورشة رحبت الأستاذة مها عوض، رئيسة مؤسسة وجود للأمن الإنساني بالحاضرات والحاضرين .. مؤكدةً أهمية تسليط الضوء على دور اقتصاد السلام في دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار والتنمية.
وأشارت عوض إلى أن الورشة تهدف إلى كسب التأييد لأهمية اقتصاد السلام باعتباره مدخلاً لتحقيق السلام، والتأكيد على دور الاقتصاد كأداة فاعلة في بناء الاستقرار، مع إبراز أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع واتخاذ القرار الاقتصادي.
وخلال الورشة، قدمت الأستاذة مودة خالد قدار نبذة تعريفية مختصرة عن المشروع، أوضحت فيها أنه يتضمن خمسة أنشطة رئيسية، مستعرضةً محاور ومكونات ورقة السياسات، إلى جانب الفئات المستهدفة وأهداف المشروع في دعم مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وتضمنت أعمال الورشة جلسات حوارية تفاعلية ة وعرض عدد من أوراق العمل حيث قدم الدكتور عبد الكريم أحمد السيافي ورقة بعنوان “رؤية التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية تناول فيها تشخيص الوضع الراهن والتحديات، وأهداف الرؤية وأولوياتها، إضافة إلى التدخلات المقترحة للمانحين.
فيما استعرض الأستاذ صالح الجفري ورقة بعنوان “أولويات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية”.
كما تطرق الباحث الدكتور عيسى حسن أبو حليفة، الباحث والخبير الاقتصادي، إلى دور اقتصاد السلام في تحقيق التعافي الاقتصادي وإعادة الأعمار في اليمن، سلط الضوء على أهمية مرتكزات اقتصاد السلام في المرحلة الانتقالية.
وقدمت الأستاذة سهى باشرين عرضًا حول “التعافي المبكر وإعادة الإعمار في اليمن من منظور النوع الاجتماعي.
وتخللت الورشة، التي أدارها الدكتور سامي محمد قاسم نعمان، نقاشات ومداخلات أثرت الحوار وأسهمت في تقديم رؤى متعددة حول أولويات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والتنمية، كما تم فتح باب النقاشات التشاركية والتركيز على تقديم توصيات موضوعية وهامة أكدت على ضرورة إدماج مفاهيم اقتصاد السلام في خطط التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية، وتعزيز الشراكات بين مختلف الجهات الفاعلة، ولا سيما المحلية والدولية والاقليمية دعم أولويات التعافي واعادة الاعمار والتنمية، إلى جانب تهيئة بيئة مؤسسية داعمة لتحقيق التعافي الاقتصادي المستدام.
كما ركزت التوصيات على تعزيز جوانب السلام والأمن والتماسك والسلم الاجتماعي، ودعم مسارات التعافي وسبل العيش، والدفع بجهود إعادة الإعمار، بما يسهم في تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في الانتقال من مرحلة المساعدات الطارئة إلى مرحلة الاستدامة الشاملة.
والجدير بالذكر أن الورشة تسعى إلى المساهمة في تطوير وصياغة سياسات اقتصاد السلام ضمن البيئة الاقتصادية والمؤسسية للتعافي وإعادة الإعمار، مع مراعاة قضايا النوع الاجتماعي.