حين يعلو الصوت.. ويغيب المعنى
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
مع كل موسم رمضانى، يتجدد مشهد ارتفاع مكبرات الصوت فى بعض المساجد، ويزداد استخدام مؤثرات الصدى حتى تتداخل الخطب والتلاوات بين مسجد وآخر. والمقصد قد يكون تعظيم الشعيرة وإحياء الأجواء الإيمانية. لكن النتيجة أحياناً تكون عكس ذلك؛ كلمات متداخلة غير مفهومة، وتشويش سمعى يفقد الرسالة أثرها.
المفارقة أن الوضوح فى الخطاب الدينى ليس ترفاً تقنياً، بل جوهر الرسالة نفسها.
فى مساحة أخرى من المشهد العام، تتصاعد نبرة الجدل حول ما يسمى “أزمة التعليق الرياضي”. أصوات مرتفعة، حماسة متواصلة بلا مساحات صمت، وجمل إنشائية تتكدس فوق تفاصيل اللعب حتى تختنق اللقطة بين الصرخة والعبارة. المعلق، الذى يفترض أن يكون جسراً بين المشاهد والملعب، يتحول أحياناً إلى بطل موازٍ يطغى حضوره على الحدث نفسه.
ولم يعد الأمر مقتصراً على ارتفاع الصوت، بل امتد إلى زخرفة العبارة؛ سجع يرص رصاً، وتشبيهات تحشى حشواً، حتى صارت المباراة عند بعضهم ساحة استعراض لفظى لا ساحة منافسة رياضية. تتوالى “القطايف واللطايف”، وتتقافز المفردات طلباً للإعجاب لا للإيضاح، فيضيع الهدف بين القافية والهتاف، ويبهت الأداء تحت وطأة الأداء الكلامى.
إن التعليق فن موازنة؛ فيه من الطرب ما يكفى، ومن الطرح ما يغنى، لكنه لا يحتمل الإفراط. فحين تتحول البلاغة إلى غاية، تفقد وظيفتها. وحين يصبح السجع أهم من التمريرة، والصياغة أعلى من الصافرة، يتراجع الحدث خطوة إلى الخلف، ويتقدم الصوت خطوة إلى الأمام.
المشاهد لا يبحث عن مهرجان لغوى، بل عن قراءة واعية، ونبرة متزنة، وعبارة تصف ولا تصرف، فالإثارة الحقيقية تولد من اللحظة.. لا من المبالغة فى وصفها.
الحالتان تبدوان مختلفتين فى السياق، لكنهما تلتقيان فى جوهر واحد: الخلط بين التأثير وارتفاع الصوت. فى المسجد، يظن أن تضخيم الميكروفون يعمق الروحانية. وفى الملعب، يتصور أن الصراخ يضاعف الإثارة. بينما الحقيقة المهنية تقول إن التأثير يصنعه الاتزان، وضبط الإيقاع، ومعرفة متى يقال الكلام.. ومتى يترك للمشهد أن يتكلم.
المشكلة ليست فى الميكروفون، بل فى ثقافة استخدامه. ليست فى التقنية، بل فى تقدير المساحة السمعية للمتلقى. فالمجتمع يحتاج خطاباً واضحاً، وتعليقاً واعياً، وصوتاً يعرف حدوده.
أخيراً.. حين يرتفع الصوت أكثر مما ينبغى، يتراجع المعنى خطوة إلى الخلف. وبين الرغبة فى التأثير والخوف من الصمت، تضيع أحياناً أبسط قاعدة مهنية: ليس كل ما يمكن قوله.. يجب أن يقال بصوت أعلى.
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: د محمد دياب
إقرأ أيضاً:
تدشين كنيسة دخول السيد إلى الهيكل في طنطا بحضور البطريرك ثيودوروس الثاني
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ببركة وحضور البابا ثيودوروس الثاني، بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا، تستعد مدينة طنطا لاستقبال حدث كنسي تاريخي يتمثل في تدشين كنيسة دخول السيد إلى الهيكل (Υπαπαντή Χριστού)، وذلك يوم الجمعة الموافق 3 يوليو 2026.
ويأتي هذا التدشين في إطار اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية بتعزيز الحياة الليتورجية وتوسيع الخدمات الروحية في مختلف الإيبارشيات، بما يخدم أبناء الكنيسة ويعزز حضورها الرعوي.
برنامج صلوات التدشينومن المقرر أن تبدأ فعاليات اليوم بصلاة السحر في تمام الساعة 8:30 صباحًا، يليها مباشرة قيام صاحب الغبطة بتدشين الكنيسة وفق الطقس الكنسي التقليدي الخاص بتقديس المذابح ودور العبادة.
عقب ذلك، يُقام القداس الإلهي البطريركي الاحتفالي بمشاركة عدد من الأساقفة والكهنة، وسط حضور شعبي واسع من أبناء الكنيسة والضيوف المشاركين في هذا الحدث الروحي المميز.
ضيافة احتفالية وختام اليوموفي ختام القداس الإلهي، تُقدم ضيافة عامة للحاضرين في باحة الكنيسة، في أجواء تسودها المحبة والشركة الروحية، احتفالًا بهذا الحدث الكنسي الهام الذي يُعد إضافة جديدة للحياة الكنسية في منطقة الدلتا.
دور رعوي وإشراف بطريركيويشارك في تنظيم هذا الحدث المتروبوليت نقولا، مطران إرموبوليس (طنطا وتوابعها) والمفوض البطريركي للروم الأرثوذكس المصريين والعرب، الذي أعرب عن سعادته بهذه المناسبة، مؤكدًا أنها تمثل محطة روحية مهمة في حياة الإيبارشية وتعكس استمرار نمو الخدمة الكنسية في المنطقة.
ومن المتوقع أن يشهد التدشين حضورًا كنسيًا وشعبيًا كبيرًا، في حدث يجمع بين الطقس الليتورجي العريق والفرح الروحي العام، بما يعكس عمق التقليد الأرثوذكسي في مصر.