تشو شيوان **

 

عيد الربيع لم يعد مجرد مناسبة تقليدية تخص الصين وحدها؛ بل أصبح حدثًا عالميًا تنتقل أصداؤه من شرق آسيا إلى مدن أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، حيث باتت المجتمعات المختلفة تشارك الصينيين طقوس الفرح والاحتفال، في مشهد يعكس كيف تحولت الثقافة الصينية إلى لغة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود، ففي السنوات الأخيرة لم تعد الاحتفالات مقتصرة على الأحياء الصينية حول العالم؛ بل أصبحت المدن الكبرى تنظم عروضًا فنية ومهرجانات وألعابًا نارية وأسواقًا ثقافية تستقطب ملايين الزوار وهو ما يؤكد أن عيد الربيع بات أحد أكثر المواسم الثقافية حضورًا عالميًا.

داخل الصين نفسها، يكشف حجم الحركة المرتبطة بالمناسبة عن دلالتها الإنسانية والاقتصادية الهائلة؛ إذ تشير التقديرات إلى تسجيل نحو 9.5 مليار رحلة خلال موسم السفر المرتبط بعيد الربيع هذا العام، وهو أكبر تنقل بشري موسمي في العالم، ما يعكس قوة الروابط العائلية والاجتماعية التي تمثل جوهر هذا العيد. كما شهد اليوم الأول من العطلة وحده أكثر من 285 مليون رحلة داخل البلاد، وهو رقم يوضح حجم المشاركة الشعبية في هذا الحدث السنوي. وبرأيي، فإن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات نقل وسياحة؛ بل دليل على أن عيد الربيع ما زال يحتفظ بروحه العائلية رغم التحولات التكنولوجية المتسارعة.

ككاتب صيني، لا يسعني إلا أن أشعر بفيض من التأثر وأنا أرى "عيد الربيع"، الذي كان يومًا احتفالًا عائليًا حميمًا داخل أسوار بيوتنا القديمة، قد تحول اليوم إلى تظاهرة ثقافية كونية تتجاوز الحدود والأعراق، فمن نيويورك إلى دبي، ومن باريس إلى بوينس آيرس، لم يعد هذا العيد مجرد مناسبة للصينيين المغتربين؛ بل صار موعدًا سنويًا ينتظره الجميع لتقاسم قيم التجدد والأمل. أجد في هذا التحول العميق برهانًا على أن الثقافة التي تحمل في جوهرها قيم "الشمل" و"السلام" هي ثقافة قادرة على اختراق القلوب دون استئذان، حيث رأينا خلال الأيام القليلة الماضية كيف أضاءت المعالم السياحية الكبرى في القارات الخمس باللون الأحمر، وكيف شارك قادة العالم وشعوبهم في طقوس توزيع "الأظرف الحمراء" ومتابعة رقصات التنين والأسد في الميادين العامة، مما يعكس رغبة إنسانية صادقة في البحث عن الفرح المشترك في عالم يحتاج بشدة إلى لحظات الوحدة.

إن السر وراء هذه الأصداء العالمية المدوية لعيد الربيع يكمن في بساطة الرسالة التي يحملها، وهي أن "العودة إلى الجذور" و"تقدير العائلة" هي لغات فطرية لا تحتاج إلى ترجمة. لقد تابعتُ خلال الأيام الماضية كيف تحولت العواصم الكبرى إلى خلايا نحل تحتفي بالثقافة الصينية، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الجانب الاستهلاكي أو المهرجانات السياحية؛ بل أرى اهتمامًا عميقًا من سكان العالم بفهم الرموز الثقافية، مثل معاني برج الخيل لهذا العام وما يمثله من سرعة وطاقة وإقدام، وكأن البشرية تبحث في تقاليدنا العريقة عن بوصلة تفاؤل للمستقبل. ومن منظوري ككاتب صيني، أجد أن اعتراف الأمم المتحدة بعيد الربيع كعطلة رسمية قد أضفى صبغة مؤسسية على هذا العيد، لكن الاحتفاء الحقيقي هو ذلك الذي أراه في عيون الأطفال غير الصينيين وهم يحاولون ببراعة استخدام "عيدان الطعام" في مآدب العيد، أو في انخراط الشباب من ثقافات مختلفة في تعلم فنون الخط الصيني لكتابة عبارة "فو" (البركة)، مما يجعلني أشعر بأننا نبني جسرًا من الحرير الثقافي يربط وجداننا بوجدان العالم أجمع.

أرى أن ما يحدث اليوم يعكس تحولًا أعمق من مجرد انتشار مهرجان ثقافي؛ إذ أصبح عيد الربيع منصة للتبادل الحضاري، حيث يتعرف ملايين الأشخاص حول العالم على الفلسفة الاجتماعية الصينية القائمة على العائلة، والتجدد، وبداية الدورات الزمنية الجديدة، وهي قيم يجد كثيرون في ثقافات مختلفة صدىً قريبًا منها. ومع انتشار وسائل التواصل العالمية، أصبحت مشاهد الاحتفالات تنتقل فورًا إلى كل القارات، فيشعر الناس وكأنهم يشاركون الاحتفال حتى وإن كانوا على بعد آلاف الكيلومترات.

ومن زاويتي ككاتب صيني أجد أن أهم ما يميز هذه الظاهرة هو أن الفرح الصيني لم يعد محليًا؛ بل أصبح فرحًا عالميًا تشارك فيه شعوب متعددة بثقافاتها المختلفة، وهو ما يعكس مرحلة جديدة من العولمة الثقافية التي لا تقوم فقط على التجارة والاقتصاد؛ بل على مشاركة المشاعر والرموز والطقوس الإنسانية المشتركة. وربما لهذا السبب تحديدًا أصبح عيد الربيع اليوم أكثر من مناسبة تقليدية؛ إنه لحظة سنوية يلتقي فيها العالم حول فكرة بسيطة لكنها عميقة: بداية جديدة يتمنى فيها البشر جميعًا السلام والازدهار والطمأنينة.

وفي تقديري، إذا استمرت هذه الدينامية الثقافية المتصاعدة، فإن عيد الربيع لن يبقى مجرد احتفال صيني عالمي الانتشار؛ بل قد يتحول تدريجيًا إلى واحد من أهم المواسم الثقافية الدولية التي تذكّر العالم بأن التنوع الثقافي ليس عامل انقسام؛ بل مصدر فرح مشترك يجمع الإنسانية.

** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

محافظ الزرقاء يرعى احتفال مديرية قضاء الظليل بعيد الاستقلال الـ 80

صراحة نيوز – احتفالاً بمناسبة عيد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية الثمانين، وفي أجواء وطنية مميزة ومشاركة رسمية وشعبية واسعة، وبرعاية محافظ الزرقاء الدكتور فراس أبو قاعود، أقام قضاء الظليل احتفالاً وطنياً بهذه المناسبة الغالية.

وأكد محافظ الزرقاء الدكتور فراس أبو قاعود أن هذه المناسبة العطرة تجسد أسمى معاني الانتماء والولاء التي يحملها الأردنيون تجاه وطنهم وقيادتهم الهاشمية الفذة.

وأضاف أبو قاعود أن الاحتفالات الوطنية ما تزال تعم مختلف مناطق محافظة الزرقاء التي تعيش أجواء وطنية مفعمة بالفخر والاعتزاز بهذه المناسبة الوطنية الغالية.

وأشار مدير قضاء الظليل موسى الحوامدة إلى الإنجازات الكبيرة التي تحققت في عهد الهاشميين منذ فجر التحرر والاستقلال، والتي طالت جميع جوانب الحياة على مدى ثمانين عاماً وحتى يومنا هذا، مؤكداً أن الأردن أصبح في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجاً للعمل الجاد من خلال الإصلاحات السياسية والاقتصادية على المستويات المحلية والعربية والدولية، إلى جانب إرساء قواعد الحياة الديمقراطية وتعزيز الأمن والاستقرار الذي ينعم به الشعب الأردني الوفي لقيادته الهاشمية ووطنه.

وعبّر عدد من المواطنين عن فرحتهم وسعادتهم بهذه المناسبة ومشاركتهم في احتفالات عيد الاستقلال الثمانين، مؤكدين أن هذه المناسبة تجسد فخرهم بوطنهم وانتماءهم العميق للأردن.

واشتمل الحفل على معزوفات موسيقية وطنية وأغانٍ تراثية ووطنية أحيتها فرقة اللوزيين، تغنت بالأردن والهاشميين، وسط أجواء احتفالية عكست مشاعر الفخر والاعتزاز بهذه المناسبة.

مقالات مشابهة

  • خبير أثري: تطوير القاهرة التاريخية والخديوية يعيد رسم خريطة السياحة الثقافية في مصر
  • فواتير الابتسامة الزائفة: أزمة “أقساط فرحة العيد” تنهش الأسر في تعز اليمنية
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • وزيرة الثقافة في احتفال دخول العائلة المقدسة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • فرنسا تشهد الربيع الأكثر حراً على الإطلاق
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • محافظ الزرقاء يرعى احتفال مديرية قضاء الظليل بعيد الاستقلال الـ 80
  • العلمين الجديدة تتحول إلى «جوهرة البحر المتوسط» ووجهة سياحية عالمية متكاملة
  • بالأرقام.. إنجاز تاريخي في المونديال يرسخ مكانة الدوري السعودي عالميًا