جلين. ألتشولر - ديفيد ويبمان - ترجمة: أحمد شافعي

في الشهر الماضي، ومع استمراره في التهديد بالاستيلاء على غرينلاند، دعا الرئيس ترامب قادة مختارين إلى الانضمام لـ«مجلس السلام»، وهو منظمة دولية أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نوفمبر ضمن خطة الولايات المتحدة الشاملة لإنهاء صراع غزة. غير أن ميثاق المجلس يؤكد طموحا أكبر كثيرا، وهو ضمان «إنهاء السلام في المناطق المتأثرة بالصراع أو المهددة به».

يشمل الأعضاء المؤسسون قرابة دزينتين من القادة، أغلبهم من دول استبدادية. وليست أوروبا وكندا ممثلتين، ولم تنضم قوة كبرى إليه عدا الولايات المتحدة؛ ومع ذلك، أعلن ترامب أنه «أعظم وأرقى مجلس تشكل على الإطلاق في أي زمان وفي أي مكان».

بل لقد ذهب ترامب إلى أن مجلس السلام قد يحل محل الأمم المتحدة. لكن المقارنة بين المنظمتين من حيث الشرعية والبنية والعضوية والتمويل والقدرات تبين أن الأمم المتحدة بكل عيوبها تلعب دورًا لا غنى عنه في تعزيز السلام والأمن الدوليين.

ينص ميثاق مجلس السلام على أن يكون ترامب تحديدا هو رئيسه، دونما تحديد فترات الولاية، ويضع تقريبا كل السلطة في يده. فهو وحده الذي يستطيع أن يعين الأعضاء ويجدد عضوياتهم، وينشئ أو يعدل أو يحل الهيئات التابعة، ويضع جدول الأعمال، وينقض قرارات المجلس، ويتبني الحلول، ويقر الختم الرسمي، ويعين خلفه.

ويختار ترامب جميع أعضاء المجلس التنفيذي وقد يعيد تعيينهم أو يفصلهم. وله الكلمة الأخيرة في تفسير وتطبيق الميثاق.

وما من إلزام على أعضاء المجلس بالاشتراك في مهام حفظ السلام. ولا يفرض الميثاق أي رسوم سنوية إلزامية، برغم أن البلاد الراغبة في الحصول على عضوية دائمة لا بد أن تدفع مليار دولار غير محددة الاستخدام.

وإيضاحًا لما هو واضح وبديهي فإن تركيز السلطة في يد زعيم واحد لا يمكن التنبؤ بتصرفاته يضمن أن لا يكون مجلس السلام أبدا شاملا وواسع النطاق أو أن يكتسب شرعية ومصداقية مما تستوجبه أي منظمة فعالة متعددة الأطراف؛ فضلا عن أنه يبدو مصممًا بهدف تقويض الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القواعد الذي تمثله.

لقد نشأت الأمم المتحدة من وسط رماد الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى وفاة خمسين مليون شخصا ودمار أغلب قارة أوروبا وأجزاء من قارة آسيا. ولما كان مصممو نظام ما بعد الحرب ـ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ـ عازمين على «إنقاذ الأجيال التالية من ويلات الحرب» فقد منحوا لمجلس الأمن «المسئولية الأساسية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين». ووافق جميع أعضاء الأمم المتحدة على «قبول وتنفيذ» قرارات المجلس، ووعدوا بإتاحة القوات العسكرية له عند الطلب.

ومن المؤكد أن النظام لم يعمل قط وفقا للمخطط له؛ فحق النقض المكفول لكل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن كان غالبا ما يؤدي إلى الجمود والتقاعس. ولم توفر الدول قط القوات العسكرية النظامية التي تصورها الميثاق.

وأثبتت مهام حفظ السلام أنها مكلفة ومعقدة؛ فبسبب عوائق البيروقراطية والانقسامات السياسية والصراعات المستمرة لتأمين القوات والدعم السياسي وتوفير الموارد، أخفقت مهام في رواندا والصومال ويوغوسلافيا السابقة وغيرها.

لكن الأمم المتحدة عرفت كيف تتكيف وتضفي على نفسها الطابع الاحترافي. فساعدت الأمم المتحدة على مدار عقود في إنهاء الصراعات في عشرات البلاد، من كمبوديا إلى طاجيكستان حتى حصلت قواتها لحفظ السلام على جائزة نوبل للسلام سنة 1998. وبحلول عام 2010، كان لدى الأمم المتحدة قوات حفظ سلام قوامها مئة وأربعة وعشرون ألف فرد منتشرة في ستة عشر بلدا بتكلفة سنوية تقدر بثمانية مليارات دولار، أي قرابة .4% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. واليوم، لا تزال الأمم المتحدة تدير إحدى عشرة مهمة لحفظ السلام، بالتوازي مع عدد من «البعثات السياسية الخاصة».

ويوفر حق العضوية شبه المطلق في الأمم المتحدة للمنظمة ما يلزم من الشرعية لاكتساب ثقة الأطراف المتحاربة، وخبرتها في إدارة الصراع تفوق كثيرا ما لأي منظمة دولية أخرى.

كما أن شبكة الأمم المتحدة الواسعة من الوكالات والشركاء، ومنها صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الصحة العالمية، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ـ تساعد المنظمة على حماية المدنيين، وتقديم الغوث الإنساني، وتوفير المعلومات الحيوية بشأن الأزمات الصحية، وتأسيس سيادة القانون، ودعم الانتخابات، وتعزيز حقوق الإنسان.

وبوجود خمسة أعضاء لهم حق النقض، غالبا ما تكون الأمم المتحدة بطيئة الفعل. ففي بعض الأحيان تكون الدول المنفردة، والمنظمات الإقليمية، والتحالفات المؤقتة أسرع إلى التدخل، بتفويض أو بدون تفويض. لكنها دائما ما تكتشف أن الإدارة المدنية وأعمال الشرطة والانتخابات وإقامة السلام الدائم تستوجب مشاركة الأمم المتحدة وخبرتها.

فحلف شمال الأطلنطي على سبيل المثال لجأ إلى الأمم المتحدة لإقامة سلطة مدنية محايدة في كوسوفو.

وطلبت قوة متعددة الجنسيات بقيادة أستراليا من الأمم المتحدة إقامة حكومة انتقالية في تيمور الشرقية، واعتمدت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على الأمم المتحدة في إقامة سلام دائم في ليبيريا وسيراليون، وطلبت فرنسا والاتحاد الإفريقي من الأمم المتحدة حماية المدنيين ودعم العملية الانتقالية في جمهورية أفريقيا الوسطى.

وحينما تسوء الأوضاع ـ وهي كثيرا ما تسوء ـ فإن الأمم المتحدة لديها من الآليات التي أقامتها، مهما تكن عيوبها، ما يحقق المحاسبة. ولكن في الوقت الذي تواجه فيه المنظمة ـ مثلما نبَّه أمينها العام أخيرا ـ «انهيارا ماليا وشيكا»، إذ تدين الولايات المتحدة بـ95% من مستحقات سنوية غير مدفوعة تبلغ 2.2 مليار دولار، فإنه ما لم يتم سداد هذه المستحقات سيبدأ نفاد أموال الأمم المتحدة اعتبارا من شهر يوليو.

أما مجلس السلام الذي أطلق عليه الممثل الكوميدي جيمي كيمل اسم «فيلق الهلاك» والذي يقوده زعيم يبدو ضجرًا من السلام، فلو بقي قائما، فإننا قد نعلم حقيقة الأغنية القديمة التي تقول: «سوف تفتقدون وجودي بعد أن أغيب».

جلين سي. ألتشولر أستاذ فخري في الدراسات الأمريكية بجامعة كورنيل

ديفيد ويبمان رئيس فخري لكلية هاميلتون.

الترجمة عن ذي هيل

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الولایات المتحدة الأمم المتحدة مجلس السلام

إقرأ أيضاً:

وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران

أفاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران بهدف الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وسط الصراع في الشرق الأوسط.

انتخاب وزير خارجية بنجلاديش رئيسا للجمعية العامة للأمم المتحدة وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي

وأدلى روبيو بهذا التصريح خلال نقاش مع السيناتور تيد كروز، الجمهوري عن ولاية تكساس، خلال جلسات استماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

وأوضح روبيو أنه غير مطلع على "أي برنامج لتسليح المدنيين في إيران بهدف الإطاحة بحكومتهم".

وقال روبيو: "قد تقوم دول أخرى أو جهات أخرى بذلك، لكن من المؤكد أن حكومة الولايات المتحدة ليست من بينها".

وقدم روبيو تفاصيل حول المفاوضات مع إيران، قائلا إن "إيران سيتعين عليها تقديم تنازلات فيما يتعلق ببرنامجها النووي لكي تتوقع أي تخفيف للعقوبات من الولايات المتحدة".

وأشار إلى أن "أمن الملاحة في مضيق هرمز، يعتبر أولوية أمريكية هامة في المفاوضات مع إيران"، موضحا أنه "يجب فتح المضيق والولايات المتحدة لن ترفع الحصار إلا بتحقيق هذا الشرط".

هذا ونفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية، مؤكدا أن التواصل بين الطرفين لم ينقطع.

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • رئيس مجلس الأمة يترأس اجتماعا لهيئة التنسيق موسعا للمراقب البرلماني
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • ندوة في شعوب بالعاصمة احتفاءً بذكرى ولاية الإمام علي
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • العراق يرفع صادرات النفط إلى 770 ألف برميل يوميا عبر الأنابيب ويوقع اتفاقا مع سوريا
  • هيئة السوق المالية: قبول طلب تقييد دعوى جماعية مقامة من أحد المستثمرين ضد بعض أعضاء مجلس الإدارة وأعضاء لجنة المراجعة في إحدى الشركات الغذائية
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • رانيا المشاط تتولى مهامها الجديدة بالأمم المتحدة ولجنة الإسكوا | صور
  • مندوب الصين بالأمم المتحدة يدعو لوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من لبنان