رمضان مدرسة الروح ومحطة التغيير الكبرى
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
تتسارع دقات القلوب مع اقتراب تلك اللحظات الغالية، وتتجه الأنظار نحو السماء ترقباً لولادة هلال ليس ككل الأهلة.
إنه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، الضيف العزيز الذي يحل ليغسل عن أرواحنا غبار عام كامل من الركض خلف ضجيج الحياة. رمضان ليس مجرد زمن عابر، بل هو “ميناء” ترسو فيه سفننا المتعبة لتتزود بوقود التقوى والإيمان.
إن عظمة هذا الشهر استمدها من كونه الوعاء الزمني لأعظم معجزة عرفتها البشرية؛ فهو الشهر الذي نزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان. وفي طياته تخبأ جوهرة لا تقدر بثمن ليلة القدر، تلك الليلة التي يوازي العمل فيها عمر إنسان كامل، حيث تتنزل الملائكة والروح فيها لتملأ الأرض سلاماً وطمأنينة حتى مطلع الفجر، فيجب استثمار الوقت والسباق نحو الجنان.
إن رمضان أيامٌ معدودات، تمضي كأنها البرق، لذا كان لزاماً على العاقل أن يستغل كل ساعة فيه. فكل تسبيحة فيه لها وزن، وكل سجدة في جوف الليل هي خطوة نحو الفردوس.
كما أن استشعار فضل هذا الشهر العظيم يفرض علينا ألا نجعله شهراً عاديا، بل شهراً للعبادة، حيث تتحول العادات اليومية من طعام وشراب ونوم إلى نيات صالحة نبتغي بها وجه الله، ونهذب بها النفوس لأنها معركة الانتصار على الذات
يأتي الصيام ليذكرنا بأننا لسنا مجرد أجساد تشتهى، بل نحن أرواح تسمو. إن الهدف الأسمى من الصيام هو تهذيب النفوس؛ فمن استطاع ترك المباح (الطعام والشراب) امتثالاً لأمر الله، فهو على ترك الحرام أقدر، هو مدرسة لتربية الإرادة، وتعليم الصبر، وكبح جماح الغضب، ليرتقي المسلم بأخلاقه حتى يرى الناس فيه أثر الصيام في قوله وفعله.
ويتجلى الجمال الإنساني في أبهى صوره من خلال التراحم والتعاون. إنه الشهر الذي تذوب فيه الأنانية، فتمد اليد بالبذل والعطاء قبل أن تُطلب. عندما نجتمع على مائدة الإفطار، نتذكر من لا مائدة له، وعندما نستشعر جوع الصيام، نرق لحال المحتاجين.
وهذا التكافل هو ما يصنع مجتمعاً قوياً، يشد بعضه بعضاً، ويجعل من “الإحسان” صفة ملازمة لكل عمل نقوم به.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.