الجزيرة:
2026-06-03@02:17:43 GMT

علماء يجيبون الجزيرة نت: أين يسكن الذكاء في دماغك؟

تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT

علماء يجيبون الجزيرة نت: أين يسكن الذكاء في دماغك؟

هيمنت على أوساط علم الأعصاب وعلم النفس لعقود فكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى، وهي أن الذكاء البشري لا بد وأنه يسكن موقعا محددا داخل الدماغ. ربما يختبئ في ثنايا الفص الجبهي المسؤول عن التخطيط واتخاذ القرار، أو ربما يعتمد على كفاءة شبكة صغيرة من المناطق المتخصصة في حل المشكلات المعقدة.

كانت هذه النظرة مثل محاولة العثور على غرفة القيادة المركزية في مبنى ضخم، أو البحث عن زر سحري بمجرد ضغطه يتوهج العقل بالذكاء.

ولكن، يبدو أن العلم يمضي قدما لتجاوز هذه الفكرة. فقد نشرت دراسة حديثة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) العلمية، قادها باحثون من جامعة نوتردام، مقدمة أدلة على أن الذكاء ليس سمة تحتكرها منطقة بعينها، بل هو نتاج معمارية شاملة وديناميكية تشمل الدماغ بأسره.

يقول الباحث في مختبر علم أعصاب القرار بجامعة نوتردام في الولايات المتحدة والباحث الرئيسي في الدراسة رامزي ويلكوكس، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "يشجعنا هذا المنظور على اعتبار الدماغ نظاما واحدا مترابطا وديناميكيا للغاية، بدلا من كونه مجموعة من الأجزاء المنعزلة التي يؤدي كل منها وظائف منفصلة. فبدلا من تجزئة الدماغ إلى أجزاء أصغر فأصغر، يحول هذا المنظور تركيزنا نحو فهم كيفية تنظيم النظام وعمله ككل".

الدماغ الأذكى هو الذي يمتلك طرقا سريعة وعريضة ووصلات قوية لنقل المعلومات بين كل أجزائه (شترستوك)إبداع رسام

تخيل رساما قادرا على ابتكار عدد لا حصر له من اللوحات باستخدام ريشته ومجموعة محدودة من الألوان. كي نفهم السبب وراء هذه القدرة على الإبداع لدى هذا الرسام، لا يكفي تحليل اللوحات إلى ألوانها الأساسية، بل يجب فهم التقنيات التي استخدمها الرسام لدمج هذه الألوان وتنظيمها على اللوحة.

يقول ويلكوكس: "يعمل الدماغ بطريقة مماثلة، إذ ينتج نطاقا واسعا من السلوكيات من مجموعة محدودة من الوظائف الإدراكية الأساسية"

إعلان

لذا اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 831 مشاركا ضمن مشروع خريطة الوصلات العصبية البشرية، وهو مشروع علمي ضخم يهدف لرسم خارطة تفصيلية للوصلات الدماغية وكيفية ترابطها.

ولأول مرة، لم يكتف الباحثون بالنظر إلى هيكل الدماغ، بل استخدموا تقنيات حاسوبية متطورة دمجت بين البنية التشريحية للدماغ، أي الوصلات البيولوجية التي تربط الخلايا ببعضها البعض، وبين الوظيفة الحيوية لتلك الوصلات، أي كيفية سريان الإشارات الكهربائية ونشاطها أثناء العمل.

جاءت النتائج لترسخ وتدعم ما يعرف بنظرية علم أعصاب الشبكات، التي تقترح أن الذكاء العام ينبثق من التناغم والتنسيق بين مختلف أنحاء الدماغ، وليس مجرد كفاءة منطقة منعزلة.

يقول ويلكوكس: "تشير نتائجنا إلى أن الذكاء لا يُفهم بالطريقة الأفضل باعتباره شيئا محصورا في منطقة أو شبكة دماغية واحدة. بل ينشأ من بنية الشبكة الدماغية الشاملة وكفاءة تنظيمها".

يأمل العلماء في اكتساب رؤى تُسهم في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة مستوحاة من مبادئ علم الأعصاب الشبكي (غيتي إيميجز)الأضعف والأهم

غالبا ما نواجه في الحياة مشكلات لم نصادفها من قبل، ونحتاج إلى إيجاد حلول لها. بينما يمكننا الاستفادة من خبراتنا السابقة، لكن يتطلب حل المشكلات الجديدة تعميم تلك المعرفة بطرق جديدة أو دمج المعلومات الجديدة مع ما عرفناه مسبقا، حيث تتكون وصلات قوية وأخرى ضعيفة في المخ البشري.

ولعل الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة في هذه الدراسة هو إعادة الاعتبار لما يسميه العلماء الروابط الضعيفة. في ثقافتنا العامة والبداهة، وحتى في بعض الفرضيات العلمية القديمة، نميل دائما لتعظيم القوة والكثافة، مفترضين أن الدماغ الأذكى هو الذي يمتلك طرقا سريعة وعريضة ووصلات قوية لنقل المعلومات بين كل أجزائه. لكن كشفت الدراسة مفارقة عجيبة، وهي أن الذكاء يعتمد بشكل حاسم على الوصلات الضعيفة من حيث الكثافة الهيكلية وطول المدى.

على سبيل المثال، تعكس الروابط القوية في الدماغ ما تعلمناه وخبراتنا السابقة. وتسمح قوة تلك الوصلات لنا باستخدام المعرفة المألوفة بسرعة وموثوقية. لكن المشكلة تكمن في أن قوة هذه الروابط تضفي جمودا يمنع سلوكنا من الانحراف بعيدا عما نجح فيه في الماضي، كأنه طريق يزداد عمقا ووضوحا من كثرة سالكيه. بينما تسمح لنا ضعف بعض الوصلات بتعديل السلوك الأكثر جمودا لنسلك طرقا جديدة مبتكرة.

يقول ويلكوكس: "رغم أن الإشارة قد تكون خافتة، فإن الروابط الضعيفة بعيدة المدى تدعم التواصل بين الشبكات. ويمكن أن يؤدي تفعيلها إلى تغيير النشاط المعتاد داخل الشبكات، مما يسمح لنا بأن نكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف في سلوكنا".

الروابط الضعيفة بعيدة المدى تدعم التواصل بين الشبكات (شترستوك)بنية العالم الصغير

هناك مفهوم هندسي بديع يحكم أدمغة الأذكياء يصعب إغفاله في تلك الدراسة، يطلق عليه العلماء اسم طوبولوغيا العالم الصغير. قد يبدو المصطلح غريبا، لكن فكرته بسيطة.

تخيل دولة مكونة من قرى صغيرة ومدن ومحافظات، تمثل مناطق الدماغ المتخصصة كالفص الجبهي أو الصدغي. في داخل كل قرية، يعرف السكان بعضهم البعض جيدا ويعملون بكفاءة عالية جدا في مهام محددة مثل الزراعة أو التجارة، نفس الشيء على مستوى الدماغ، فتلك المنطقة متخصصة في معالجة الصور أو الأصوات، وهذا ما يسمى بالتخصص المحلي.

إعلان

لكن لكي تكون هذه الدولة ناجحة ومتطورة، لا يكفي أن تكون القرى منعزلة ومنكفئة على ذاتها. يجب أن تكون هناك طرق ممهدة تربط هذه القرى المتباعدة ببعضها البعض لنقل الناس والبضائع بسرعة لتتحقق نهضة اقتصادية وتجارية حقيقية، وهذا ما يسمى بالتكامل العالمي.

كشفت الدراسة أن أدمغة الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عام عال يمتلكون هذا التوازن الدقيق والهندسي، حيث تجمعات محلية قوية التخصص تؤدي مهامها بدقة، وشبكة مواصلات عالمية تربط المناطق المختلفة بفعالية عبر أقصر الطرق الممكنة. هذا التصميم يسمح للدماغ بمعالجة المهام الروتينية بسرعة داخل المناطق المتخصصة، وفي نفس الوقت استدعاء الموارد من كافة أنحاء الدماغ عندما تتطلب المشكلة تفكيرا عميقا وربطا بين مجالات مختلفة.

يشرح ويلكوكس: "يسمح التواصل بين مناطق الدماغ عبر القشرة الدماغية بأكملها للعمليات المتخصصة المختلفة بالتأثير على بعضها البعض، ما يُمكّن الدماغ من العمل بطرق قد لا يتصرف بها عادةً. وتُعدّ بنية العالم الصغير بنيةً تُوازن بين الحاجة إلى التخصص والتواصل الشامل. وبذلك، نستطيع حل المشكلات المألوفة بكفاءة، والتكيف مع المشكلات الجديدة بطرق قد لا نتوقعها للوصول إلى حل".

ذكاء اصطناعي أقوى

من المهم التأكيد على أن هذا المنظور الشبكي الجديد لا يلغي الاكتشافات السابقة، بل يفتح أعيننا. فبدلا من التركيز على نجوم الصف الأول من الفريق فقط مثل مناطق الدماغ الرئيسية، وجب الانتباه لكيفية تعاون الفريق بأكمله.

يختتم ويلكوكس: "من خلال دراسة الخصائص التنظيمية لبنية العالم الصغير في الدماغ، نأمل في اكتساب رؤى تُسهم في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة مستوحاة من مبادئ علم الأعصاب الشبكي" إذ تعتمد الأنظمة الحالية للذكاء الاصطناعي غالبا على قوة المعالجة والبيانات الضخمة أي الوصلات القوية.

لكن محاكاة العقل البشري الحقيقي قد تتطلب بناء شبكات تتبنى مبادئ العالم الصغير والمرونة التي توفرها الروابط الضعيفة، لتتمكن من الابتكار في مواجهة المجهول بدلا من مجرد الحساب السريع لمعطيات معروفة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات العالم الصغیر أن الذکاء

إقرأ أيضاً:

دراسة برلمانية تدعو إلى تعبئة الموارد لترجمة وثائق مجلس النواب تفعيلا للطابع الرسمي للأمازيغية

كشفت دراسة أُنجزت لفائدة مجلس النواب، في إطار مواكبة تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، عن الحاجة إلى توفير إمكانيات بشرية ومادية مهمة لضمان إدماج اللغة الأمازيغية في مختلف مناحي العمل البرلماني خلال السنوات المقبلة بما فيها ترجمة وثائق مجلس النواب وترجمة أشغال اللجن.

وأبرزت الدراسة، المنجزة في إطار مشروع دعم مجلس النواب بشراكة مع الاتحاد الأوروبي، أن تفعيل الأمازيغية داخل المؤسسة التشريعية يفرض تعزيز الموارد المتخصصة في الترجمة التحريرية والفورية، إلى جانب تطوير آليات النشر والتوثيق والتواصل باللغتين الرسميتين للمملكة.

واستندت الدراسة إلى تجارب دولية، من بينها تجربة البرلمان البلجيكي في تدبير التعدد اللغوي، حيث بلغت النفقات المرتبطة مباشرة بالترجمة سنة 2023 ما مجموعه 7.19 ملايين يورو، منها 6.56 ملايين يورو مخصصة للأطر الرسمية المكلفة بالترجمة الفورية والتحريرية، فيما خُصصت مبالغ إضافية للمترجمين المستقلين والتكوين المستمر.

وأكدت الوثيقة أن مجلس النواب سيكون مطالبا، في أفق سنة 2029، بضمان ترجمة مختلف الوثائق التي يتعين نشرها في الجريدة الرسمية للبرلمان باللغة الأمازيغية، وهو ما يستوجب تقدير العدد اللازم من المترجمين الموظفين أو المتعاقدين، وتحديد الحاجيات المالية والتنظيمية المرتبطة بهذه العملية.

وأشارت الدراسة إلى أن ترجمة صفحة واحدة من نص يتكون من نحو 1500 حرف قد تستغرق ما بين 30 و60 دقيقة، بحسب طبيعة النص، ما يعكس حجم الموارد البشرية المطلوبة لتغطية الإنتاج التشريعي والرقابي للمؤسسة.

وفي مرحلة أولى، اقترحت الوثيقة التركيز على ترجمة النصوص ذات الأولوية بالنسبة للعمل البرلماني، مع إمكانية توفير ترجمات شفهية أو تسجيلات صوتية مرافقة لبعض الوثائق، ريثما يتم استكمال مختلف مراحل الإدماج الكامل للأمازيغية.

كما نبهت الدراسة إلى أن انعكاسات الثنائية اللغوية لا تقتصر على المترجمين وحدهم، بل تشمل أيضا باقي الأطر الإدارية والتقنية العاملة بالمجلس، ما يطرح تساؤلات حول المؤهلات اللغوية المطلوبة وسبل تقييم الكفاءات الحالية وتطويرها.

وفي هذا السياق، طرحت الوثيقة مجموعة من الإشكالات العملية المرتبطة بمسار التشريع، من قبيل ما إذا كانت مشاريع القوانين ستُعد باللغتين منذ البداية أم ستتم ترجمتها لاحقا، وكيفية تدبير ترجمة التعديلات البرلمانية والنقاشات داخل اللجان والجلسات العامة، فضلا عن تحديد الجهة التي ستتولى إنجاز هذه الترجمات.

وخلصت الدراسة إلى أن نجاح ورش ترسيم الأمازيغية داخل المؤسسة التشريعية يظل رهينا بتوفير موارد بشرية مؤهلة، واعتماد أدوات رقمية وتقنيات حديثة للترجمة، والاستفادة من التطورات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، بما يضمن إدماجا تدريجيا وفعالا للغة الأمازيغية في مختلف وظائف البرلمان.

ويأتي هذا الورش في سياق تنزيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، تنفيذا للتوجيهات الدستورية الرامية إلى تعزيز مكانة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية.

كلمات دلالية الإتحاد الأوربي تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية دراسة مجلس النواب

مقالات مشابهة

  • بخاخ أنفي يخفف آثار الشيخوخة الدماغية
  • «مبادلة للرعاية الصحية» تعزز العلاج الاستباقي لصحة الدماغ
  • علماء يبتكرون علاجا واعدا لالتهاب الدماغ المرتبط بالتقدم في السن
  • باحثون يحددون حمية غذائية تقلل خطر الوفاة بسرطان الرئة
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
  • دراسة برلمانية تدعو إلى تعبئة الموارد لترجمة وثائق مجلس النواب تفعيلا للطابع الرسمي للأمازيغية