كيف أرغمت إذاعة عبد الناصر بي بي سي على النطق بالصومالية؟
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
فبينما كانت "إذاعة القاهرة" تبث روح التحرر بلسان صومالي فصيح، وجدت الإمبراطورية البريطانية نفسها في موقف الدفاع، مجبرة على خوض معركة لم تختر توقيتها، فقد ساهمت هذه المعركة في إعادة رسم الوعي القومي الصومالي ومهدت الطريق نحو استقلال عام 1960.
هذه السطوة الإعلامية لـ"إذاعة عبد الناصر" هي التي أرغمت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على النطق بالصومالية لأول مرة عام 1957، في محاولة يائسة لاستعادة آذان الصوماليين التي اهتمت بنبرة القاهرة الثورية.
حلقة (2026/2/19) من سلسلة حلقات "الإذاعة العربية" -تشاهدونها كاملة هنا- قدمت قراءة تاريخية لنشأة الإذاعة الصومالية، حيث وُلد الراديو من رحم التنافس الأوروبي المحموم.
ففي عام 1941، أطلق البريطانيون "راديو هرغيسا" ليكون لسان حال إدارتهم في الشمال، وتبعه الإيطاليون بتأسيس "راديو مقديشو" عام 1951 في قلب الجنوب.
ولم تكن إذاعة مقديشو مجرد أستوديو للبث، بل كانت -حسب وصف الشهود- "قلعة عسكرية" محصنة بالجدران، صممها الإيطاليون لتؤدي وظيفة واحدة ألا وهي الدعاية السياسية الفجة وخدمة مصالح الاستعمار.
لقد كان الأثير آنذاك أداة استعمارية لتطويع العقول، وضبط إيقاع الشارع الصومالي على توقيت روما ولندن.
اختراق القاهرةهذا الاحتكار الاستعماري للأثير واجه صدمة غير متوقعة من الشمال فمع بزوغ حركة "الضباط الأحرار" في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، انتبهت القاهرة لثقل الصومال الإستراتيجي، ففتحت أستوديوهاتها للغة الصومالية.
شكّل البث المصري باللغة الصومالية "خرقا" إستراتيجيا للجدران العسكرية التي بنتها إيطاليا وبريطانيا، فبدلا من الاستماع لرسائل التوجيه الاستعماري، بدأ الصوماليون "يصغون" بشغف لخطاب تحرري قادم من القاهرة، يلهب حماسهم الوطني ويربط قضيتهم بحركات التحرر العالمية.
هذا التحول في "بوصلة الإصغاء" الشعبي كان بمثابة إعلان فشل لسياسة تطويع الأثير التي انتهجها المستعمر.
بي بي سي باللغة الصوماليةتؤكد الروايات التاريخية -التي وردت في الحلقة- أن الاستعمار البريطاني، وجد نفسه مرغما على دخول معركة "رد الفعل"، بعد تنامي قوة الإذاعة المصرية في عهد جمال عبد الناصر إذ كانت تخصص برامج تبث باللغة الصومالية لحشد خطابات التحرير والاستقلال.
ففي عام 1957، أُطلق القسم الصومالي في "بي بي سي" ليس كبادرة انفتاح ثقافي، بل كضرورة إستراتيجية لمواجهة الخطاب المصري التوعوي الذي أحدثت أثرا بالفعل على الشعب الصومالي.
لقد كان هدف لندن من هذه الخطوة هو محاولة إعادة "تطويع" الأثير الصومالي مجددا، عبر إيجاد مادة إعلامية توازن التأثير التحرري للقاهرة، وتحاول استعادة ثقة المستمع الصومالي الذي بات يرى في ميكروفون القاهرة "صوت الحقيقة الوحيد".
من القيد إلى الهويةالمفارقة التي يرصدها تاريخ الإذاعة الصومالية هي أن المحاولات الاستعمارية لتطويع الراديو كأداة سيطرة، انتهت بأن أصبحت الإذاعة المختبر الأول لصناعة "الهوية الوطنية".
فبينما أراد الاستعمار استخدام الأثير للدعاية والتحريض، أدى التنافس (المصري البريطاني) إلى تنشيط اللغة الصومالية ونشرها، وتحويل الراديو من "أداة قمع صوتية" إلى "منصة توعوية" شاملة شملت الفنون، والزراعة، والسياسة.
ومع نيل الاستقلال عام 1960، كان الأثير قد تحرر تماما من ثوب "القلعة العسكرية" ليرتدي ثوب الدولة الوطنية الموحدة، معلنا نهاية حقبة تطويع الموجات لخدمة أجندات الغرب.
Published On 19/2/202619/2/2026انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال على منصة إكس بعد بث الختمة الجديدة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
واصل اسم الشيخ محمد صديق المنشاوى الصعود علي موقع إكس (تويتر) عقب إعلان إذاعة القرآن الكريم بث ختمة مرتلة جديدة للقارئ الكبير، حيث تجاوز اسم الشيخ المنشاوي نادي أرسنال والعديد من الأسماء الأخري لبعض الوقت.
وكانت إذاعة القرآن الكريم من القاهرة بدأت أمس الإثنين بث ختمة مرتلة جديدة تعود إلي ستينيات القرن العشرين لفضيلة القارئ الشيخ محمد صديق المنشاوى.
ومن جانبه أشاد الكاتب أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بالجهود التي تبذلها إذاعة القرآن الكريم ووجه الشكر لأسرة القارئ الكبير علي دعمها المستمر لإذاعة القرآن الكريم.
وقال إسماعيل دويدار رئيس شبكة القرآن الكريم : تأتي ختمة الشيخ المنشاوي الجديدة في إطار سعى إذاعة القرآن الكريم لإثراء الهواء بالجواهر الخالدة ، والكشف عن جوانب مهنية وإنسانية عز أن تتكرر ، وفي مفاجأة لجمهور مستمعي إذاعة القرآن الكريم تهدي الهيئة الوطنية للإعلام وإذاعة القرآن الكريم مصحفا مرتلاً جديداً لم يذع من قبل ، بصوت احد أعلام القراء من جيلها الذهبي فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي .
وإذ تكشف إذاعة القرآن الكريم عن التسجيل النادر فإنها لا تعلن فقط عن متعة سمعية وروحية بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي ، وإنما تفصح أيضاً عن درس إنساني وديني ومهني لفضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي ، فوراء هذا التسجيل النادر رؤية وإخلاص وسعى للكمال فقد قام فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي بتسجيل المصحف كاملاً برواية حفص عن عاصم عام ١٩٦٥ بإجازة لجنة مكونة من : الدكتور محمد عبد الله ماضي رئيساً
والشيخ سانوسى احمد يوسف عضواً
والشيخ إبراهيم على شحاتة عضواً
والشيخ عامر السيد عثمان عضواً
والشيخ محمود برانق عضواً
الشيخ محمد سليمان صالح عضواً
والمهندس فاروق عامر
ولأن الشيخ الجليل كان دائم السعي للجودة والإتقان .. فبعد أن استمع إلى الختمة المسجلة على اثنين وثمانين شريطاً قرر إعادة اثنين وثلاثين شريطاً منها ، من أجل المزيد من الدقة ، فتقدم بطلب للإذاعة وقام بالتسجيل واستمعت اللجنة له وأجازته وأشادت به. وكان ذلك في عام ١٩٦٧ .
وأضاف دويدار: منذ ذلك التاريخ لم تذع هذه التسجيلات ، إلي أن بدأت إذاعة القرآن الكريم إذاعتها اعتباراً من اليوم.