الذكاء الاصطناعي وقفزة الجنوب العالمي التالية إلى الأمام
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
في قسم كبير من الجنوب العالمي، تُـعَـد الكهرباء موردا مصيريا. في حين يؤطَّر تحول الطاقة غالبا من منظور مناخي، فإن مليارات الأشخاص يفهمونه في المقام الأول على أنه وسيلة لتوسيع الفرص، وضمان القدرة على تحمل التكاليف، وتحسين تقديم الخدمات.
وعلى هذا، فإن المرحلة التالية من ثورة الطاقة النظيفة لن تقودها البلدان التي تبني عددا أكبر من الألواح الشمسية، بل تلك التي تحدث شبكاتها، وأسواقها، ومؤسساتها وفقا لذلك.
كان نموذج الكهرباء القديم بسيطا حيث كانت المحطات تولد الطاقة التي تنقلها الشبكة مباشرة إلى المستهلكين من الشركات والمنازل. أما النموذج الجديد فهو مختلف. فقد أصبحت الكهرباء لامركزية مع اتجاه المنازل، والمزارع، والشركات الخاصة إلى الاعتماد على الألواح الشمسية على أسطح البنايات، وأنظمة تخزين البطاريات، والأجهزة الكهربائية، ولم يعد المواطنون مستهلكين سلبيين بل أصبحوا «منتجين مستهلكين» يولدون الطاقة ويستهلكونها في الوقت ذاته.
تتسبب اللامركزية والطاقة المتجددة في تعقيد الأمور؛ لأنه في حين تظل التوقعات بخدمة ثابتة الجودة قائمة، فإن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أكثر تقلبا، وأصول أنظمة الطاقة موزعة على نطاق أوسع. لمواكبة الاحتياجات، تحتاج الشبكات النظيفة إلى مسارات رقمية مشتركة ــ تشبه إلى حد كبير الإنترنت ــ حيث تتواصل أصول متنوعة عبر شبكة أساسية مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني.
الواقع أن الشبكات المجهزة بالذكاء الاصطناعي والمبنية على مسارات قابلة للتشغيل البيني مع بيانات وقدرات واقعية، لن تقل أهمية لجهود تنمية الجنوب العالمي عن البنية الأساسية التقليدية مثل الطرق والموانئ. إن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في توصيل الطاقة أمر بديهي. فهذه التكنولوجيا مناسبة تماما لتحسين توقعات الطلب؛ وترشيد عمليات الشراء والتسليم؛ وتقليل الخسائر الفنية. وهي تسهل بالفعل الصيانة القائمة على التنبؤ لمنع انقطاع التيار الكهربائي، وتبسيط الفواتير والتحصيل، وتعزيز صحة المرافق ماليا.
والمكاسب المتوقعة كبيرة. لفترة طويلة للغاية، تسببت أوجه القصور التشغيلية وخسائر التوزيع في خلق ضريبة ضمنية على الاقتصادات النامية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى زيادة تكاليف الكهرباء وتقليل إمكانية التعويل عليها. في هذا السياق، من الممكن أن تضطلع شبكة مدمجة مع الذكاء الاصطناعي بوظيفة حاسمة: تحويل الطاقة النظيفة إلى فوائد ملموسة للمواطنين، في هيئة جودة خدمة أعلى، ونفقات أقل، وانقطاعات أقل في الخدمة، وتوصيل أسرع. ستصبح الطاقة متاحة للجميع على نحو غير مسبوق.
علاوة على ذلك، تتطلب الأنظمة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي مجموعة من المهارات، لذا فإن اعتمادها سيوسع الفرص المتاحة لرواد الأعمال والعاملين الذين يساهمون في نمو القطاع. لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب نهجا أكثر شمولا.
في الوقت الحالي، يتسم المشهد المدعوم بالذكاء الاصطناعي بالتشظي، حيث نجد تجارب رائدة لإنشاء لوحة تحكم جديدة في إحدى المدن، ونموذج تنبؤي جديد في مرفق واحد، و«عداد ذكي» جديد في المدينة المجاورة. هذه المشاريع نادرا ما «تتواصل» بين بعضها بعضا، وهي تعتمد عادة على أنظمة التملك، بما يعني أنها من غير الممكن أن تتوسع. والنتيجة هي الازدواجية وارتفاع التكاليف.
واجه الجنوب العالمي هذه المشكلة من قبل، وخاصة في تشييد البنية التحتية الرقمية الأساسية. وأظهرت تلك التجربة أن التحديث في غياب أسس التشغيل البيني قد يجعلك حبيس أنظمة جامدة يصعب تحديثها، ويصعب تدقيقها، وعرضة للمخاطر السيبرانية.
وعلى هذا فإن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة على النحو المناسب يمثل تحديا تقنيا وحتمية استراتيجية في الوقت ذاته. ويعتمد ما إذا كان تحديث قطاع الطاقة ليخدم مصالح المنتجين المستهلكين في نهاية المطاف على ما إذا كانت الأنظمة قابلة للتشغيل البيني أو مجزأة.
لتضع نفسها على المسار الصحيح، أطلقت الهند مبادرة استراتيجية كبرى لإنشاء «مجموعة الطاقة الهندية» (India Energy Stack)، كجزء من تشييد بنيتها الأساسية العامة الرقمية في عموم الأمر.
يجري تصميم مجموعة الطاقة الهندية لتتناسب مع أطر عمل قابلة للتوسع عالميا، مثل شبكة الطاقة الرقمية المقترحة من قِبَل «شبكات من أجل الإنسانية» Network for Humanity، والتي من شأنها ضمان قابلية التشغيل البيني عبر سلسلة قيمة الطاقة. يُرسي هذا العمل الأساس للمستقبل، كما تفعل مبادرة وزارة الطاقة الهندية لتركيب 200 مليون عداد ذكي، بما يتيح القياس لحظيا على المستوى الوطني.
استجابة للنمو الهائل في استخدام الألواح الشمسية على أسطح المنازل، تعتزم مجموعة الطاقة الهندية إنشاء الأسس الرقمية لاستخدامات وأسواق جديدة متعددة، بما في ذلك التداول بين الأقران. وعلى غرار تقنيات الدفع الرقمي، من الممكن أن تعمل منصات الطاقة القابلة للتشغيل البيني على تمكين ملايين من رواد الأعمال ــ من المركّبين، والمجمّعين، ومالكي البطاريات، ووكلاء خدمات الطاقة ــ من توليد مصادر دخل جديدة، لا سيما في المناطق من المستوى 2 والمستوى 3 (الأقل نموا).
على ذات القدر من الأهمية، سوف تعمل هذه الأسس الرقمية على تعزيز الشبكة لأن المنصات القابلة للتشغيل البيني وهويات الأصول الموحدة تسمح لمشغلي المرافق والأنظمة بتحسين ملايين الموارد الموزعة لحظيا.
يعكس هذا النهج العام الذي تتبناه الهند في التعامل مع البنية الأساسية العامة الرقمية، التي تهدف إلى إنشاء أنظمة بيئية تنافسية جديدة. وسوف تسمح المنصات العامة في البلاد للشركات الناشئة ومقدمي الخدمات بدفع عجلة الإبداع دون البدء من الصفر، كما ستحصل المرافق على حلول معيارية تساعدها على تجنب الارتباط بمورد واحد. والهدف هو تحسين الأنظمة الحالية بدلا من السعي إلى إجراء إصلاح شامل.
الواقع أن الهند تقدم نموذجا لبقية دول الجنوب العالمي. سوف تحدد طريقة تفكير البلدان النامية بشأن البنية الأساسية للأسواق ما إذا كان بإمكانها الانتقال مباشرة إلى المرحلة التالية من الثورة الرقمية بدلا من البقاء معتمدة رقميا على آخرين. بطبيعة الحال، تواجه أقل البلدان نموا والدول الجزرية الصغيرة النامية كثيرا من العقبات، من الأسواق المجزأة والاقتصادات الهشة إلى الميزانيات المحدودة.
لكن التحالف الدولي للطاقة الشمسية من الممكن أن يساعد في التغلب على هذه العقبات. مع التزام 125 دولة بالتعاون في نشر الطاقة الشمسية، يَـعِـد التحالف الدولي للطاقة الشمسية بأن يصبح محركا عالميا للتحولات في شبكات الطاقة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتركز على المواطنين في كل مكان من خلال مهمة عالمية لتوظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الطاقة.
الوصفة الأساسية للنجاح ليست سرا. نحن في احتياج إلى برامج منظمة لتحديث الضوابط التنظيمية، وبناء القدرات، وتجريب أنظمة رقمية قابلة للتشغيل البيني، وتحفيز التمويل الأولي للإبداع، وحشد التمويل المختلط لدعم الحلول القابلة للتطوير. كل هذه الخطوات يجب أن تُـتَّخَذ في آن واحد كجزء من مهمة وطنية أو حتى إقليمية. هكذا يصبح بوسع الجنوب العالمي الانتقال من التجارب المنعزلة إلى بناء الأنظمة على نطاق ضخم.
يدخل التحول إلى الطاقة النظيفة الآن عصر المنصات. ولا يحتاج الجنوب العالمي إلى استنساخ نموذج الشبكة القديم (الذي تعمل الدول الغنية على تحديثه بتكلفة باهظة). بدلا من ذلك، يمكنه القفز إلى المرحلة التالية من خلال الجمع بين الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والبنية الأساسية العامة الرقمية. والهند ترشدنا إلى الطريق بالفعل.
ـ ناندان نيلكاني المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة شركة إنفوسيس، هو مؤسس وراعي منظمة «شبكات من أجل الإنسانية».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی البنیة الأساسیة الطاقة الهندیة الجنوب العالمی الممکن أن
إقرأ أيضاً:
الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج
تشارك إدارة المنشاه التعليمية جنوب محافظة سوهاج، بقيادة أسامة رفعت المشنب، مدير عام الإدارة، في برنامج التدريب الصيفي المتميز في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ليشكل محطة معرفية رائدة وفرصة استثنائية للمعلمين والمعلمات لاكتساب مهارات العصر وأدواته الحديثة، وذلك في إطار السعي الحثيث لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة وبناء كوادر تعليمية قادرة على قيادة المستقبل .
يهدف البرنامج إلى تمكين المشاركين من استكشاف آفاق الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتنوعة في العملية التعليمية، والتعرف على أحدث التقنيات التي تسهم في تطوير بيئات التعلم، إلى جانب تنمية الوعي بأساسيات الأمن السيبراني وسُبل حماية البيانات والمعلومات الرقمية في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو التحول الرقمي.
ويستهدف التدريب جميع المعلمين والمعلمات بمدارس التعليم العام والفني والخاص بمركز ومدينة المنشاه حيث تُعقد فعالياته خلال الإجازة الصيفية بمقر الإدارة التعليمية بما يتيح للمشاركين فرصة مثالية للاستثمار في تطوير قدراتهم المهنية والتقنية.
وسوف يحصل المتدربون عقب اجتياز البرنامج على شهادة حضور معتمدة توثق مشاركتهم وتؤكد امتلاكهم لمعارف ومهارات حديثة تؤهلهم لمواكبة متطلبات التعليم الذكي.
والبرنامج دعوة إلى معلمي المنشاه ليكونوا في طليعة صناع المستقبل، وأن يغتنموا هذه الفرصة النوعية لصقل مهاراتهم الرقمية، واستشراف آفاق تعليم أكثر ابتكاراً وذكاءً، يرتكز على المعرفة والتقنية ويواكب روح العصر وتحدياته.
بادر بالتسجيل الآن وكن جزءاً من رحلة التحول الرقمي وصناعة المستقبل
https://forms.office.com/r/6YfMnTZVFB
وفي سياق آخر سطَّر أبناء إدارة المنشاه التعليمية إنجازاً جديداً على صفحات التَّميز الوطني، بعدما حققوا مراكز متقدمة في مسابقات مبادرة "عظمة وجلال مصر"، مؤكدين أنَّ الإبداع حين يجد الرعاية الصادقة يزهر نجاحاً ويثمر تفوقاً، وذلك في مشهدٍ يفيض فخراً واعتزازاً، ويعكس ما تزخر به مدارس الإدارة من طاقاتٍ واعدة وعقولٍ مبدعة،
وأحرزت الطالبة حنين حمدي ناصر بمدرسة اللغات الرسمية المركز الثالث والميدالية البرونزية في مجال البحث العلمي والتاريخي، بعد أداءٍ متميز جسَّد وعياً معرفياً وقدرةً لافتة على استلهام صفحات التاريخ الوطني بروح الباحثة الواعدة.
كما تألقت الطالبة چولي هاني وليم بحصولها على المركز الثاني في مجال الفن والموسيقى، مقدمةً نموذجاً مشرفاً للإبداع الفني الراقي الذي يعبر عن موهبة أصيلة ورؤية جمالية متميزة والطالبة ديما مالك علي ماهر مدرسة النظام الإبتدائية وتحقيق المركز الأول بالمهارات التعامل مع السوشيال ميديا.
ومن جانبه، أعرب أسامة رفعت المشنب مدير عام إدارة المنشاه التعليمية عن بالغ سعادته واعتزازه بهذا الإنجاز المشرف، مقدماً أصدق التهاني والتبريكات لأبنائه وبناته الطلاب والطالبات الفائزين، ولأسرهم ومعلميهم الذين كان لهم الدور الأبرز في صناعة هذا النجاح، مؤكداً أنَّ هذه الإنجازات تمثل ثمرةً طبيعيةً لجهود متواصلة وعملٍ دؤوب داخل مدارس الإدارة.
وأشار مدير عام الإدارة إلى أنَّه سيواصل دعمه الكامل للمواهب والقدرات الطلابية في مختلف المجالات العلمية والثقافية والفنية، إيماناً منه بأنَّ بناء الإنسان المبدع هو الركيزة الحقيقية لصناعة المستقبل، مؤكداً أنَّ التميز لم يعد هدفاً عابراً، بل أصبح نهجاً راسخاً وثقافةً متجذرة داخل مدارس المنشاهـ.
وأكد عزت خلف الكيلاني وكيل الإدارة على أنَّ ما حققه أبناء إدارة المنشاه هو خطوة جديدة على طريق الإنجازات الكبرى داعياً ابنائه الطلاب إلى مواصلة الاجتهاد والإبداع ورفع راية التفوق في جميع المحافل والمسابقات ليظل اسم المنشاه حاضراً في منصات التكريم ومتوجاً بأكاليل النجاح والإنجاز.