الكتلة التاريخية الجديدة والوعد المنتظر
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
بعد الانهيارات الكبيرة التي أصابت بعضا من أجزاء الدولة الوطنية العربية ضمن تداعيات أحداث الربيع العربي، والرياح التي ضربت المنطقة كلها، وأدت إلى تفكيك البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية للاجتماع السياسي القائم في هذه الدول، منذرة بتمدد هذه الأزمة المعقدة إلى بقية الدول العربية الأخرى، ومهددة إياها بالتشظي والانقسام والتفكك والعودة بها إلى مربع ما قبل الدولة الوطنية الحديثة بحدودها ومبناها ومعناها التي اعتدنا عليها عقودا طويلة، وكان ظهورها في جزء منه ثمار نضالات كبيرة لنخبة من المناضلين الكبار، الذين جسدوا تجربة ما يُعرف بالكتلة التاريخية.
فالكتلة التاريخية التي بكر المفكر الإيطالي اليساري أنطونيو غرامشي تنظيراته ونضالاته حولها، هي التي كان يقصد بها النخبة الحية، أو الطليعية من المثقفين الذين يضطلعون بدور نضالي كبير في توجيه الجماهير نحو الأهداف الوطنية الكبرى كالعدل والحرية والكرامة، وحتى ترسيخ فكرة الدولة نفسها، وضرب احتكار البرجوازية الإقطاعية الحكم، ومصادرة أحلام الناس وتطلعاتهم.
ولهذا كان غرامشي يقول إن من له القدرة على تحقيق هذه الكتلة، هو المثقف، والذي سماه بالمثقف العضوي. والمثقفون في رأيه هم الذين يمثلون حلقة الوصل والرابط بين البنية الاجتماعية والبنية الفوقية الحاكمة.
وفي اعتقادي، إن مثل هذا التوصيف للكتلة التاريخية ربما قد يكون مناسبا لسياق تاريخي وثقافي وسياسي غير السياق العربي الذي نعيشه اليوم.
فالسياق الإيطالي الذي عاشه غرامشي حينها، وهو سياق نضال وكفاح البروليتاريا في سبيل تحرير المجال السياسي العام من هيمنة الإقطاع البرجوازي في إيطاليا، وهو سياق لا يشبه سياقنا الثقافي وواقعنا وقضايانا العربية اليوم.
ولهذا جاءت أطروحة محمد عابد الجابري في ثمانينيات القرن الماضي، تعبيرا عن سياق عربي مختلف بكل تعقيداته السياسية والاجتماعية والثقافية، مؤكدا على أن أمتنا كعرب تواجه جملة تحديات تحتاج إلى جبهة وجهد كبيرين، لإنجاز مواجهة هذه التحديات التي في مقدمتها الهيمنة الاستعمارية الثقافية والسياسية والاقتصادية، وأن هذه المعركة لا تقتصر على جماعة أو تيار أو حزب أو فريق بعينه، وإنما تتطلب جهودا مشتركة من الجميع، بحيث تُغلب المصلحة العامة على المصالح الفئوية لأي جماعة في سبيل إنجاز مهمة تاريخية، وهي تحرير الأمة كلها من تحدياتها، وفي مقدمتها التحدي الوجودي المتمثل بالهيمنة الاستعمارية بعد رحيل المستعمر.
إعلانإن مفهوم الكتلة التاريخية رغم أنه غرامشيّ الأصل والمنشأ، لكنه سيظل فكرة قابلة للنقاش والحذف والتعديل حسب السياقات التي تتطلب منها إعادة النقاش حول المفهوم، وأن كل فكرة محكومة بسياقاتها؛ فالفارق الكبير بين سياقي غرامشي والجابري هو الدافع اليساري الشيوعي للتنظير الغرامشي للكتلة التاريخية، على عكس الدافع القومي للجابري في تنظيره، فهي متطلب قومي وجودي لمغادرة حالة الاستلاب العربي والتبعية والهيمنة الغربية على كل المجالات.
واليوم، وفي ظل أزماتنا الراهنة والحاكمة للواقع العربي المعاش، فإن مفهوم الكتلة التاريخية بحاجة إلى إعادة النظر والنقاش حوله من زوايا مختلفة، وهي زوايا متعلقة بالوضع العربي العام اليوم، وما آلت إليه المجتمعات العربية والأحداث الأخيرة خلال العشرية الماضية، وتداعيات الربيع العربي من تفكك وانهيارات كبيرة لمفهوم الدولة الوطنية، وتحديات سيلان التفكك وانهيار السياسة كقاعدة حاكمة للصراعات وناظمة لها.
إننا اليوم في العالم العربي، في ضوء كل هذه التحديات المتفاقمة، والتي من أبرزها وأخطرها بروز جماعات ومليشيات ما قبل الدولة، وحالة التفكك للدولة الوطنية العربية، التي ضربت عددا من الدول العربية كاليمن، والسودان، وليبيا، والصومال، وفوق هذا بروز الدور الإسرائيلي بكل بجاحة في دعم هذه الحالة من التفكك وعودة المجتمعات العربية إلى حالة ما قبل الدولة، كما استباح خصوصية الاجتماع السياسي العربي وفضاءات أمنه القومي، وفي القلب منه ما جرى ويجري في غزة منذ طوفان الأقصى وحتى اللحظة.
لكل هذا، فإننا اليوم كنخب ومجتمعات وأنظمة بحاجة ماسة وضرورية، بل ووجودية، إلى التداعي الحر والطوعي والعاجل إلى إعادة بلورة جديدة لفكرة الكتلة التاريخية، ومن زوايا أوسع هذه المرة من تلك التي كان يدعو لها الجابري وقبله غرامشي.
فواقعنا العربي اليوم يستدعي إعادة رسم خارطة مواجهة على أوسع مدى لا تقف عند فكرة النخب المثقفة التي تبدأ الفكرة وتنتهي لديها في صالونات النقاشات الثقافية قبل خروجها إلى واقع الناس واحتياجاتهم.
كان الجابري يركز كثيرا في حديثه على الكتلة التاريخية، مؤكدا أن دورها أن تكون من أجل النضال الديمقراطي الحر وتبيئة هذه الفكرة في واقعنا العربي، ولكن اليوم أعتقد أن أولويات المرحلة لم تعد تقف عند الفكرة الديمقراطية ومتطلباتها، وإنما تمتد إلى ما هو أهم وأولى في هذه اللحظة العربية المستباحة.
فالتهديد الوجودي للدولة القُطرية الوطنية اليوم بات أكثر خطورة وتحديا لمجتمعاتنا، مما يستدعي أن يتركز جهد الاستنقاذ في مساحة أوسع وأكبر هذه المرة، بحيث تتكامل الفكرة وتتسع وتشمل أنظمة ونخبا وتيارات وجماعات وأفرادا ليلتقي الجميع عند فكرة الدفاع عن الوجود العربي، واستنهاض هذه الأمة في مواجهة تحدياتها.
إننا اليوم كنخب ومجتمعات وأنظمة بحاجة ماسة وضرورية، بل ووجودية، إلى التداعي الحر والطوعي والعاجل إلى إعادة بلورة جديدة لفكرة الكتلة التاريخية، ومن زوايا أوسع هذه المرة من تلك التي كان يدعو لها الجابري وقبله غرامشي
إن فكرة الكتلة التاريخية، قطعا لا تعني بحال من الأحوال ذوبان الجميع في قالب واحد متشابه في خصائصه وأهدافه وأساليبه وطرقه في التفكير والتنظير، وإنما أن يجتمع الجميع في جبهة واحدة، بحيث يحتفظ كل بأدواته وأساليبه وقناعته التي لا تتعارض حتما مع فكرة الاستنهاض لهذه الأمة والدفاع عنها في وجه التحديات الكبيرة التي تهددها في وجودها وسيادتها وحقها في حياة حرة كريمة.
إعلانإن تجربة الكتل التاريخية في الحالة العربية تحققت سابقا على مستويين: مستوى الدول والتكتلات الإقليمية كالجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكنهما ظلتا إطارين غير فاعلين كونهما محكومين بتناقضات الدول المنضوية فيهما، وتعارض مصالح البعض منها، مما أفقدهما الفاعلية والتأثير لحد كبير.
أما الكتلة التاريخية النخبوية الأخرى فقد تمثلت بالمؤتمر القومي الإسلامي ككتلة نخبوية صرفة، لكنه فشل فشلا ذريعا؛ لأنه ظل حالة نخبوية عاجية مستقطبة مما أضعفه وأفرغه من دوره التاريخي.
إن الكتلة التاريخية من منظور جديد لا تعني أن يتنازل الجميع عن شخصيته الاعتبارية كتيار أو كيان أو جماعة أو دولة أو نظام حكم قائم، ملكي أو جمهوري أو أميري أو ما شابه، وإنما تعني أن يصطف الجميع في إطار مشروع نهضوي جامع يستنهض مقدرات هذه الأمة الكبيرة في تاريخها ووجودها الماضي والحاضر، وأن ماضيها وحاضرها هو المنطلق لمستقبل أفضل مما هي فيه اليوم، وأن صناعة المستقبل لهذه الأمة يتطلب بناء جسور المشتركات وبناء الثقة.
لهذا كله، فإن الطريق إلى الكتلة التاريخية يقتضي تقديم الكثير من التنازلات، وخاصة من قبل الجماعات والتيارات التي لا تمس ثوابتها، ويقتضي أيضا من الدول الوازنة والكبيرة أن تقود قاطرة الجميع نحو هذا المشروع النهضوي للأمة كلها، وأن ما تمثله اليوم المملكة العربية السعودية، ومصر، والجزائر، وقطر، وسوريا الناهضة، من أدوار يستوجب أن تتسع الدائرة لتشمل دولا وازنة كتركيا وباكستان بفضل ما تمتلكه هاتان الدولتان من مقدرات ومكانة دولية كبيرة.
إن حديث الكتلة التاريخية لم يعد حديثا تنظيريا مجردا ورطانات ثقافوية فارغة المعنى، وإنما هو حديث الضرورة والواقع الذي تحتمه هذه اللحظة العربية، وأن النخب العربية كلها بمختلف مشاربها عليها أن تغادر أبراجها العاجية وتنزل إلى واقع الأمة والناس ومشكلاتهم الراهنة، وتعيد النظر في كثير من مقولاتها ومسلماتها المتكلسة، وأن التحدي الوجودي اليوم يقتضي بناء جسور التواصل والاتصال مع كل الأنظمة العربية القائمة، وفي مقدمتها الدول التي تمثل اليوم حجر عثرة في طريق مشاريع التفكيك والتقسيم للجغرافيا العربية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات هذه الأمة
إقرأ أيضاً:
«الغرف العربية»: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مفتاح التمكين الاقتصادي
شارك الدكتور خالد حنفى، أمين عام اتحاد الغرف العربية، في الاجتماع التنسيقي للمجموعة العربية الأعضاء في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية، الذى عُقد في مقر منظمة العمل الدولية، وحضره ممثلون عن أطراف الإنتاج الثلاثة في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية، المتمثلة فى الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
وتُعقد الدورة الـ 114 لمؤتمر العمل الدولي (برلمان العمل العالمي) في جنيف، سويسرا، خلال الفترة من 1 إلى 12 يونيو 2026، ويجمع هذا الحدث السنوي وفوداً ثلاثية التكوين تمثل (الحكومات، أصحاب الأعمال، والعمال) من187 دولة عضوا في منظمة العمل الدولية (ILO). وقد تولى وزير العمل المصري (حسن رداد) رئاسة الاجتماعات التنسيقية بصفته رئيساً لمجلس إدارة منظمة العمل العربية.
ونوّه أمين عام الاتحاد الدكتور خالد حنفي، إلى أنّ "رؤية ومشاركة اتحاد الغرف العربية في هذه المحافل الدولية تكمن في تمكين القطاع الخاص، والتشديد على أن القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وتوليد فرص العمل المستدامة، مشددا على أنّ "اتحاد الغرف العربية يدعو إلى تبني سياسات اقتصادية وهيكلية تدعم مرونة الأسواق وتواكب التحولات الرقمية والاقتصاد القائم على المنصات الرقمية، بالإضافة إلى التركيز على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي يرى الاتحاد أنها أساس خلق فرص العمل والتمكين الاقتصادي.
وقال إنّ "اتحاد الغرف العربية يطالب بدمج مبادئ الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية للشركات في استراتيجيات القطاع الخاص العربي. كما أنّ من أولويات الاتحاد دعم حقوق العمال والشعب الفلسطيني، والسعي لتوحيد الرؤى بين أطراف الإنتاج الثلاثة في الدول العربية".
وتركزت مناقشات المجموعة العربية في جنيف حول عدة قضايا استراتيجية تهم المنطقة، وفي مقدّمها حماية الحقوق العمالية في الأراضي المحتلة (فلسطين ولبنان والجولان)، حيث جرى استعراض ومتابعة التقرير السنوي لملحق المدير العام حول انتهاكات الاحتلال بحق العمال، كما تمّ التشديد على أهمية حشد الدعم الدولي لـ "الملتقى الدولي للتضامن مع عمال وشعب فلسطين" لإدانة تدمير المنشآت الإنتاجية وتوقف ملايين الوظائف.
وتبنى المجتمعون أهمية صياغة مواقف موحدة بشأن "المعايير الجديدة" حول “اقتصاد المنصات الرقمية”، وتم الاتفاق على تنسيق رؤى أصحاب الأعمال والعمال العرب لضمان أن تتماشى الاتفاقية الدولية الجديدة للعمل عبر التطبيقات مع الهياكل الاقتصادية للدول العربية، كما تمّ التوصل خلال الاجتماع التنسيقي إلى تحديد الموقف العربي من تقرير المدير العام "تسخير الذكاء الاصطناعي في سبيل تحقيق العمل اللائق" لضمان ألا تسبب التكنولوجيا بطالة واسعة في المنطقة.
وطالب الجانب العربي بالتوسع في استخدام اللغة العربية كأداة عمل رسمية في كافة وثائق اللجان والمداولات الفنية للمنظمة الدولية، كما نوه المجتمعون بوجوب دفع المنظمة الدولية لتوجيه المزيد من برامج الدعم والتمويل والتعاون التقني نحو الدول العربية المتضررة من النزاعات والأزمات الاقتصادية.
إلى ذلك عقد الملتقى الدولي للتضامن مع عمال وشعب فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى على هامش أعمال مؤتمر العمل الدولي بدورته (114).
وركز الملتقى على الأرقام الواردة في ملحق تقرير المدير العام، والتي أظهرت تدمير ما يقرب من 85 ٪ من المنشآت الإنتاجية في قطاع غزة، ووصول معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة (تتجاوز 75%).
وطالبت منظمة العمل العربية بالتعاون مع الوفود الآسيوية والأفريقية بتفعيل صندوق تمويل دولي عاجل تحت إشراف منظمة العمل الدولية، لإعادة تأهيل العمال المصابين وتقديم معونات بطالة عاجلة لعمال الأراضي المحتلة. كما دعت النقابات العمالية العربية نظيراتها الدولية إلى الضغط على الشركات متعددة الجنسيات لسحب استثماراتها من المستوطنات، واعتبار العمل فيها انتهاكاً صارخاً لمعايير العمل الدولية.