لكل حياة هبوط على سطح القمر!
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
بينما كان زملاؤها يكتبون القصائد عن الأشجار وشمس الصيف، كانت الفتاةُ تمضي محتفيةً بعيونِ الأبواب السحرية والزَّراديات والمناشير برفقةِ والدها.
مستمتعةً بفلسفتها الخاصة في ذلك العمر المبكر: «فكلُّ واحدٍ منّا يُحاول تفسير العالم بما يجده في متناول يده».
وأوّل ما كان في متناول يدها «دليلُ منتجاتِ أدواتِ البناء» لوالدها الذي لم يكن أبًا عظيمًا، غير أنّه كان ربَّ عملٍ مُمتازًا، جذبها «الدليل» لأنّه لم يكن مجرّد المعنى، فقد بدت لها الأجزاءُ التي تصل بين أدوات البناء كالأجزاء التي تشدُّ كونًا كاملًا بمسامير خفيّة، وكأنّ الطبيعة تقضي بأن يكون كلُّ شيءٍ فيها مُعتمًا ومتناهي الصغر.
تقول لزملائها: «تلك الأشياء التي تلمعُ في السماء ليست نجومًا، وإنّما مسامير طول الواحدِ منها ثلاثُ إنشات!».
هذا ما تذهب إليه بطلة رواية «الضوء آخر المساء» للكاتبة التشيلية ماريا خوسيه فيرادا، ترجمة: مارك جمال. وهي نوفيلا قصيرة مشحونة بالفراغات التي يتعيّن علينا رتقها بخيالنا، لنؤثث العلاقات التي بالكاد نتأمل شحوبها تحت ضوء خافت.
استعان الأبوان بالنافذة ليُعلّما ابنتهما الصغيرة أنّ الناس ينقسمون إلى أهلِ الصيف وأهلِ الشتاء، كما تنقسم الحياة إلى نهارٍ وليل. غير أنّها انجذبت أكثر إلى اليراعات التي لا تكفّ عن البريق.
وفي السابعة من عمرها تعلّمت أنّ كلَّ شيءٍ ممكن، ما دام المرء ينتعل حذاءً لامعًا ويرتدي ثيابًا ملائمة، كأولئك الذين هبطوا على سطح القمر مع قليلٍ من الحظ.
تنظرُ الابنة إلى مواد البناء على أنّها تفسّر الكون، كما قد نُفسرُ قوة الحكاية في المكان الصغير المُغلق. فلو كانت هناك قصّة تُسرد في مدينة لأخذت أسابيع لتنسى، ولو كانت تُسرد في بلدة لاستمر وقعها لأشهر، ولو وقعت في قرية أصغر لاستمرت لأعوام، وكلّما وقعت القصّة في مكان أصغر فأصغر، كلّما استمرت إلى أبد الآبدين.
المفارقة أنّ الرواية لا تدين الأمّ التي لم تكترث لغياب الابنة من حياتها، كما لا تدين الأب الذي سمح لابنته بالتغيب عن المدرسة في ظل حزن الأمّ وضياع حواسها. لا تدين الأكاذيب التي اُختلقت، كمرض الجدة مثلا، إذ نجدها تُقدم تفهما عميقا للخيبات التي عبرت نسيج حياتها، فعقل الابنة كان يتمدد خارج المدرسة كالإسفنجة بفضل معارف أخرى أضيفت إليه.
ظهر والدها رقيقًا، يعتني بها وقت المرض ويكافئها أحيانًا بالذهاب إلى السينما. وفي عملهما المستمر تحت المطر وفي الكذب المستمر على الأمّ والمدرسة، بدوا كأنّهما سمكتان عنيدتان تمضيان في خط ضبابي يصلُ بين الحلم والواقع، وكأنّهما شخصيتان ثانويتان في قصّة أكبر.
«دليل أدوات البناء» خلق رابطًا عميقًا بينها وبين والدها. لكن عندما لم يعد «الدليل» موجودًا، راودها الخواء الذي تحول إلى فجوة أخذت في الاتساع، فالأشرار الذين أحبتهم وعملت معهم كانوا في قاع البؤس.
آنذاك فكرت البنت في الحيز الزمني المتاح لنا، ذلك الجزء المتناهي الصغر لنسلك هذا الطريق أو ذاك. تلك القرارات الصغيرة جدًا التي من شأنها أن تُحدث تغييرًا هائلًا في مجرى حياتنا. ولذا، عندما صار الآخرون يكبرون بضعة سنتيمترات، بدأت هي تصغر. أخذت تُعانق أمّها مُتعللة بأي سبب، خوفًا من أن تتضاءل. بدت كنجمة تستجمعُ حرارتها ثمّ تومض وتمضي آلاف الأعوام ثم تستهلكُ مخزونها الأخير من الهيدروجين، فتتلاشى!
كل ما أحبته البنت هو الدرب الذي يفضي إلى البيت، لا لأنّه طريق العودة، وإنّما لحبها لأثر الضوء في آخر المساء. ذلك الأثر الذي يصبغ كل شيء بالبساطة.
تدور الرواية حول حزن البائعين المسافرين المعرّضين للتلاشي. أولئك البسطاء الذين كانوا يبيعون في زمن النُدرة، قبل أن تسحقهم الكثرة المتوحشة للمجتمعات الاستهلاكية الرأسمالية. تُقدّم الرواية صراع الإنسان مع المنظومة التي تقمعه، لا على النحو الذي يتخيله مثقفون يراقبون عمّال العالم من مقاعدهم المُرفهة في المقاهي، وإنّما من وجع يخفق بالشِعر.
تمتلئ الرواية بالتظاهر، فيغدو العالم هزليًا على نحو ما، أو نسيجا مُرهفا بالآلام الطفيفة والانتصارات الصغيرة العالقة في الحدقتين، لأولئك الذين حلموا بالهبوط على سطح القمر، لكن الأشياء راحت تفترق وظلت تفترق دون التئام يُذكر!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.