الأسبوع:
2026-06-03@06:38:26 GMT

كيف نصنع الإنسان المنتج ونبني اقتصاداً قويًا؟

تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT

كيف نصنع الإنسان المنتج ونبني اقتصاداً قويًا؟

من خلال حوار خاص شيق أجريتة مع العالم المصري الدكتور المهندس أحمد أبو سيد، أطلعتنا رؤيته الاستراتيجية الشاملة على مستقبل التعليم والاقتصاد في مصر.

هذا العالم الذي بدأ رحلته من كلية الهندسة بجامعة القاهرة، حمل معه منذ شبابه رؤية عميقة تربط بين التعليم كقلب نابض للأمة، وبين اقتصاد منتج قادر على المنافسة.

أشار أبو سيد من خلال حديثة إلى أن معارك المستقبل لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعقول التي تستطيع الابتكار والتكيف.

وبحسب رؤيته، فإن الدول التي لم تعِد تعريف منظومة التعليم، وجدت نفسها خارج سباق الاقتصاد العالمي، مهما امتلكت من موارد.

وفي حديثه، أكد أبو سيد أن جوهر الأزمة ليس في الصراع التقليدي بين الكليات العلمية والأدبية، بل في غياب الرؤية الوطنية التي تربط التعليم باحتياجات الدولة. فحين تفرز المنظومة الحالية آلاف الخريجين في تخصصات مشبعة، فإن قطاعات حيوية مثل الصناعة والتكنولوجيا تعاني من نقص حاد في العمالة المؤهلة. وهذا الفارق، كما يقول، ليس مجرد بطالة، بل بطالة مقنعة تهدر طاقات الشباب.

وفي قلب هذه الرؤية، يقف مفهوم التعليم الشامل الذي يطرحه أبو سيد، فالمهندس على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون أسير المعادلات فقط، بل عليه أن يفهم الاقتصاد والقانون والإدارة والعلوم الإنسانية.

هذا الدمج المعرفي، كما يوضح، يهدف إلى صناعة قائد، إنسان يملك القدرة على اتخاذ القرار، ويدرك أثره على المجتمع والسوق والدولة.

كما شدد أبو سيد على أن التعليم الفني هو العمود الفقري لأي اقتصاد صناعي، فقد ظلم التعليم الفني حين ارتبط النجاح فقط بالشهادة الجامعية.

فالتجارب العالمية تؤكد أن الصناعات الكبرى لم تُبنَ بالنخب الأكاديمية وحدها، بل بمنظومات تدريب مهني محترفة، فالفني الماهر في الكهرباء أو الميكانيكا قد يحقق دخلًا واستقرارًا يفوق خريج تخصص نظري بلا طلب حقيقي في السوق.

وفي ملف آخر، هام تطرقنا في الحديث حول ملف تحويلات المصريين بالخارج، وكشف أبو سيد أن تحويلات المصريين بالخارج برغم أنها تقدر بنحو 34 مليار دولار سنويًا، إلا أن العامل المغترب ينفق معظم دخله في الخارج، ولا يحوّل سوى جزء بسيط، وإذا أتيحت له فرص الإنتاج داخل البلاد، فإن القيمة الاقتصادية يمكن أن ترتفع بشكل هائل عبر دوران رأس المال وتقليل الاستيراد.

ولم يكتفِ أبو سيد بالدور الاستشاري، بل ترجم رؤيته إلى كيانات ومشروعات. من Advantic في تكساس عام 1999، إلى Informatics في مصر في 2004، وصولًا إلى Vaulted Deep وEDDeep في 2024 في مجالات خفض الانبعاثات وتحويل المخلفات. وقد أكد أن الطاقة ليست صناعة فقط، بل مسؤولية تجاه المستقبل.

وفي ختام حديثه، أكد الدكتور أحمد أبو سيد أن العلم لا يكتمل إلا حين يتحول إلى أثر ملموس يخدم المجتمع. ورسالته لنا واضحة وهي إذا أعدنا بناء التعليم على أسس صحيحة، فإن مصر لن تصنع فقط إنسانًا قادرًا على التفكير والابتكار، بل ستبني اقتصادًا منتجًا ومستقبلًا مشرقًا.

إنها دعوة لكل مسؤول وكل مواطن أن نعيد الاعتبار للتعليم كمعركة وطنية، وأن نصنع من الجذور أساسًا لنهضة شاملة. فالأمم لا تُقاس بما تمتلكه اليوم، بل بما تُعدّه لأبنائها غدًا.

اقرأ أيضاًوزير التعليم العالي: فولبرايت يمثل جسرا حضاريا وعلميا بين مصر والولايات المتحدة

الشخصية المصرية وتحولاتها.. ندوة في معرض الكتاب 2026

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: التعليم الكهرباء العلوم الإنسانية الاستيراد الاقتصاد في مصر تحويلات المصريين بالخارج الابتكار مستقبل التعليم الميكانيكا الإنسان المنتج الاقتصاد القوي أبو سید

إقرأ أيضاً:

الحج وثورة التوحيد.. من امتحان الذبيح إلى ميلاد الإنسان الحر

إذا كان الحج الأكبر يمثل الإعلان التاريخي لرسالة التوحيد في بعدها الكوني، فإن يوم النحر وقصة الذبيح يكشفان عن البعد الوجودي العميق لهذه الرسالة؛ حيث يتحول الإيمان من مجرد اعتقاد إلى امتحان للحرية الداخلية وقدرة الإنسان على تجاوز أصنامه الخفية.

وفي هذا الجزء الثاني والأخير، يواصل الكاتب والباحث التونسي عبد العزيز التميمي استكشاف المعاني الفلسفية والإنسانية للتجربة الإبراهيمية، من خلال قراءات نخبة من المفكرين الذين رأوا في قصة إبراهيم وإسماعيل مدرسة للتحرر الأخلاقي والروحي، وإعلانا تاريخيا عن تكريم الإنسان وإنهاء منطق القربان والاستعباد. إنها رحلة فكرية تربط بين التوحيد والحرية، وبين الحج والاستخلاف، وبين الرسالة الإبراهيمية وأسئلة الإنسان المعاصر الباحث عن العدالة والمعنى والكرامة.

الامتحان الوجودي لإبراهيم عليه السلام

ومن فلسفة الحج الأكبر نمر إلى شعيرة يوم النحر التي شكلت تمثيلا رمزيا لقصة إبراهيم مع ابنه الذبيح. وتبرز هنا رؤية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي تناول القصة باعتبارها امتحانًا وجوديًا يكشف حدود العلاقة بين الإنسان وربه، وبين العاطفة الإنسانية والتكليف الإلهي. فإبراهيم عند ابن عاشور يمثل الإنسان الذي بلغ ذروة اليقين بعد رحلة طويلة من البحث العقلي ومواجهة الوثنية والكواكب والسلطات، ثم جاء امتحان الذبيح ليكون الامتحان الأعلى: هل يستطيع الإنسان أن يقدّم إرادة الحق على أعمق روابطه الوجدانية؟ لذلك فإن رمزية الذبيح لا تعني تمجيد التضحية الدموية، بل تعني تحرير الإنسان من أن تتحول العاطفة أو الملكية أو الأبناء إلى أصنام جديدة تنافس مركزية الله في الضمير الإنساني.

في يوم الحجّ الأكبر، حيث تتوحّد الأرواح حول معنى إبراهيم بوصفه أبا الحرية والتوحيد والكرامة الإنسانية، تبدو تونس الجريحة وكأنّها تقف على تخوم امتحان تاريخي قاسٍ؛ تونس التي أُنهكت سياسيًا، واستُنزفت اقتصاديًا، وامتلأت سجونها بالمثقفين والسياسيين وأصحاب الرأي، فيما يواجه شبابها البطالة وشظف العيش والخوف والفراغ الوجودي وانكسار الأمل.ومن هذا المنظور، يفسر ابن عاشور نهاية القصة ـ  حين فُدي الذبيح وارتفع البلاء ـ بوصفها إعلانًا قرآنيًا عن انتقال البشرية من منطق القرابين البشرية إلى منطق الرحمة والتزكية الأخلاقية. فالغاية لم تكن قتل الابن، وإنما بناء إنسان قادر على تجاوز أنانيته وخوفه وتعلقه المرضي بالعالم. ولهذا تصبح قصة إبراهيم عند ابن عاشور درسًا بشريًا كونيًا: فكل إنسان يُبتلى بصورة من صور “الذبيح” في حياته، أي بشيء يحبه حدَّ التقديس، ثم يُطلب منه أن يعيد ترتيب علاقته به وفق ميزان القيم والمعنى. وهنا تظهر عبقرية الرمز الإبراهيمي في القرآن؛ إذ يتحول الامتحان من حادثة فردية إلى فلسفة إنسانية تؤكد أن الإيمان الحقيقي لا يُلغي الحب الإنساني، بل يطهّره من التملك والعبودية ويجعله مندرجًا داخل أفق أخلاقي وروحي أوسع.

كل إنسان يحمل إسماعيله بداخله

لم يكن النبي إبراهيم ـ عند علي شريعتي ـ  مجرد شخصية دينية في التاريخ، بل هو رمز الإنسان الثائر الذي يخوض معركة التحرر الوجودي ضد كل أشكال الأصنام؛ أصنام السلطة، والتقاليد الجامدة، والخوف، وحتى أصنام النفس ذاتها. لذلك كان شريعتي يقرأ قصة الذبيح بوصفها ذروة الامتحان الإنساني، حيث يُدعى الإنسان إلى تجاوز تعلقه بأعز ما يملك من أجل الانتصار للقيمة المطلقة والمعنى الأعلى. فإبراهيم عنده لم يكن أبًا يختبر الطاعة فقط، بل إنسانًا يعيش مأساة الاختيار بين العاطفة الطبيعية والنداء الإلهي، بين الامتلاك والتحرر، بين الأرضي والمطلق. ومن هنا تتحول قصة الذبح إلى دراما وجودية تكشف أن الإيمان الحقيقي ليس شعورًا ساكنًا، بل عبور مؤلم نحو الحرية الروحية.

وعلى الصعيد البشري، اعتبر شريعتي أن رمزية الذبيح تعني أن كل إنسان يحمل في داخله "إسماعيله" الخاص؛ أي الشيء الذي يتعلق به إلى درجة العبودية: السلطة، المال، الشهرة، الأيديولوجيا، أو حتى الذات المتضخمة. لذلك فإن امتحان إبراهيم ليس حادثة تاريخية منتهية، بل تجربة إنسانية متجددة في كل عصر. فالإنسان لا يصبح حرًا، في نظر شريعتي، إلا عندما يمتلك الشجاعة للتضحية بما يستعبده داخليًا. ولهذا كان الحج عنده إعادة تمثيل رمزية لمسار إبراهيم: خروج من الذات القديمة، وتمرد على الأصنام، وسير نحو إنسانية أكثر صفاءً وعدلًا. فإبراهيم عند شريعتي هو "الإنسان النموذج" الذي حوّل الألم الشخصي إلى رسالة كونية للتحرر والكرامة والمعنى.

الذبيح وثورة الإنسان على قربانية الاستعباد

يتناول أبو يعرب المرزوقي القضية من خلال السؤال الأعظم: هل يستطيع الانسان أن يحرر علاقته بالله من كل تعلق آخر.. وفي البعد الإنساني الأوسع، يقرأ المرزوقي قصة الذبيح بوصفها إعلانًا قرآنيًا عن نهاية منطق التضحية البشرية البدائية برقاب البشر والانسان، وبداية عهد أخلاقي جديد يقوم على تحرير الإنسان من العنف المقدس. فالفداء الإلهي للابن بالكبش ليس مجرد نجاة لإسماعيل، بل هو إعلان أن الله لا يريد موت الإنسان، بل يريد ارتقاءه الروحي والأخلاقي. ومن هنا تصبح القصة درسًا في بناء الإنسان الحر الذي يوازن بين الإيمان والعقل، وبين الطاعة والمحبة، وبين الروح والتاريخ. لذلك كان إبراهيم، عند المرزوقي، أبا للتوحيد لأنه حرر الإنسان من الخضوع للطبيعة والتقاليد والقوة، وجعل العلاقة بالله أساسًا لتحرير الإنسان لا لاستعباده؛ أي إن التجربة الإبراهيمية هي في جوهرها ثورة وجودية مستمرة ضد كل ما يحول الإنسان إلى عبد لغير الحقيقة التوحيدية الالهية.

مواجهة الحضارة التشييئية الحديثة

ويرى عبد الوهاب المسيري أن رمزية النبي إبراهيم في قصة الذبيح لا يمكن اختزالها في مجرد امتحان للطاعة العمياء، بل هي لحظة وجودية كاشفة لمعنى الإنسان في علاقته بالمطلق. فإبراهيم عنده يمثل الإنسان التوحيدي الذي يتحرر من عبودية الطبيعة والأصنام والتاريخ، ليصبح قادرًا على تجاوز أكثر الروابط البشرية عمقًا، أي رابطة الأبوة، دون أن يفقد إنسانيته. ولذلك فإن مشهد الذبح ليس تمجيدًا للعنف أو إلغاءً للعاطفة الإنسانية، وإنما هو اختبار لمعنى الإيمان حين يدخل في صراع مع التعلقات الأرضية التي قد تتحول إلى أصنام نفسية خفية. وقد كان المسيري يربط هذه القصة بنقده للحضارة المادية و التشييئية الحديثة التي تجعل الإنسان شيئا تافها وأسيرًا للرغبة والمنفعة والأنانية، بينما يقدم إبراهيم نموذج الإنسان الذي يسمو بالقيم والمعنى على الغريزة والمصلحة.

ومن هذا المنظور، كان المسيري يعتبر أن النهاية القرآنية للقصة ـ أي افتداء الذبيح ـ تحمل دلالة إنسانية وحضارية عميقة؛ فالله لا يريد الدم ولا التضحية البشرية في ذاتها، بل يريد تحرير الإنسان من الوثنية الكامنة في داخله. والعبور التاريخي نحو التحويل البشري من تقديم الوثنية رقاب الانسان فتيانا او فتيات قرابين على مذابح الالهة، من خلال الإعلان ا الابراهيمي النبوي التاريخي العظيم عن تحرير الانسان من العبودية والقربانية نحو التكريم الرباني والاستخلاف والفداء العظيم." وفديناه بذبح عظيم" /الصافات /107 ولذلك فإن الامتحان الإبراهيمي يكشف أن القيمة العليا ليست في القتل أو الفداء الجسدي، وإنما في استعداد الإنسان لتجاوز أنانيته وتقديم المعنى الأخلاقي على النزعة المادية. ولهذا كان المسيري يرى في إبراهيم رمزًا للإنسان المقاوم لكل أشكال "التشيؤ" والاختزال، لأن الإنسان الحقيقي عنده ليس كائنًا اقتصاديًا أو بيولوجيًا فقط، بل كائن أخلاقي وروحي قادر على التضحية من أجل الحقيقة والحرية والمعنى.

من الوعي الأسطوري إلى الإنسان الحر

مثل النبي إبراهيم عند حسن حنفي لحظة الانتقال من "الوعي الأسطوري" إلى "الوعي الحر"، أي من الخضوع للأعراف والسلطات الجامدة إلى ممارسة العقل والإرادة والمسؤولية. لذلك فإن امتحان الذبيح لا يُقرأ فقط كحادثة طاعة وخضوع، بل كتجربة قصوى يكشف فيها الإنسان قدرته على تجاوز التملك الأناني حتى لأحب الأشياء إليه. لقد رأى حنفي أن إبراهيم لم يكن يقدم ابنه قربانًا للموت، بل كان يقدّم ذاته القديمة، ذات الامتلاك والخوف، لكي يولد إنسان جديد قادر على التضحية في سبيل القيمة العليا والمعنى الأخلاقي.

إن مستقبل العالم لن يُبنى على سباقات السلاح والإبادة والاستغلال، بل على ولادة هذا الإنسان الجديد: إنسانٍ يرى البشرية عائلةً واحدة، ويجعل من التوحيد أساسًا للعدالة، ومن الإيمان مدخلًا لتحرير الإنسان لا لاستعباده، ومن الحج الأكبر إعلانًا دائمًا عن كرامة الإنسان ووحدة المصير البشري.وعلى الصعيد البشري، يتحول مشهد الذبح في قراءة حسن حنفي إلى دراما إنسانية كونية تتعلق بكل إنسان يعيش صراعًا بين المصلحة والإيمان، لان الفداء الإلهي في النهاية يحمل دلالة عميقة: الله لا يريد الدم ولا العنف، بل يريد ارتقاء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا. ومن هنا تصبح تجربة إبراهيم مدرسة في بناء الإنسان المسؤول القادر على تحويل الألم والاختبار إلى معنى، وتحويل الطاعة من خضوع أعمى إلى وعي وجودي يربط الحرية بالإيمان وبالعمل التاريخي.

وختاما لهذه الرحالة الابراهيمية ـ من الطواف إلى الفداء العظيم، ومن السعي إلى الحج الأكبر ـ تتكشف حقيقةٌ مركزية مفادها أن التوحيد ليس مجرد عقيدة لاهوتية، بل مشروعٌ رباني رسالي لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، ومن عبودية السوق والقوة، والعنصرية والاستغلال والخوف. فإبراهيم لم يحطم الأصنام الحجرية فقط، بل دشّن ثورةً كونية ضد كلّ ما يحوّل الإنسان إلى شيءٍ أو رقمٍ أو تابعٍ في إمبراطوريات الهيمنة الحديثة. ولذلك فإن الرسالة العميقة للحج الأكبر اليوم تكمن في إعادة بناء الإنسان بوصفه كائنًا حرًّا ومسؤولًا، لا يُقاس بلونه أو قوميته أو ثروته، بل بقدرته على الشهادة على الناس من اجل الحق والعدل والكرامة. ومن هنا يصبح الحج الإبراهيمي صلة توحيدية روحية ممتدة من حنيفية ابراهيم عليه الصلاة والسلام الى رسالة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ويصبح الحج الإبراهيمي نداءً مفتوحًا للخروج من سجون سلاطين الكراهية وكهنة الوثنيات الجديدة، نحو أفقٍ إنساني تتساوى فيه الأرواح أمام الحقيقة الواحدة، وتتحرر فيه البشرية من منطق الاستعلاء والقهر والتشييء.

وفي هذا الأفق يولد "الإنسان الإبراهيمي ـ الإسماعيلي"؛ الإنسان الذي وعى التجربة البشرية وعيًا توحيديًا حرًّا، فعرف أن الحرية لا تتحقق بالهيمنة، بل بالتحرر الداخلي، وأن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، بل في تجاوز الأنا الوثنية داخل الذات. إنه الإنسان الذي يحمل ذاكرة هاجر في السعي من أجل الحياة، وشجاعة إبراهيم في مقاومة الأصنام، وصفاء إسماعيل في التسليم الواعي للمعنى الأخلاقي الأعلى، وإخلاص سارة واسحاق ويعقوب والانبياء الامرين بالقسط من بعدهم.

وبهذا المعنى فإن مستقبل العالم لن يُبنى على سباقات السلاح والإبادة والاستغلال، بل على ولادة هذا الإنسان الجديد: إنسانٍ يرى البشرية عائلةً واحدة، ويجعل من التوحيد أساسًا للعدالة، ومن الإيمان مدخلًا لتحرير الإنسان لا لاستعباده، ومن الحج الأكبر إعلانًا دائمًا عن كرامة الإنسان ووحدة المصير البشري. في يوم الحجّ الأكبر، حيث تتوحّد الأرواح حول معنى إبراهيم بوصفه أبا الحرية والتوحيد والكرامة الإنسانية، تبدو تونس الجريحة وكأنّها تقف على تخوم امتحان تاريخي قاسٍ؛ تونس التي أُنهكت سياسيًا، واستُنزفت اقتصاديًا، وامتلأت سجونها بالمثقفين والسياسيين وأصحاب الرأي، فيما يواجه شبابها البطالة وشظف العيش والخوف والفراغ الوجودي وانكسار الأمل.

غير أنّ التاريخ لا يتحرّك فقط بمنطق القهر، بل أيضًا بمنطق الانبعاث الروحي والحضاري؛ ومن هنا يظلّ الأمل التونسي معقودًا على هبّة توحيدية إبراهيمية جديدة، تعيد للإنسان قيمته، وللحرية معناها، وللثورة روحها الأخلاقية، وللديمقراطية بعدها الحضاري والإنساني. فإبراهيم لم يكن نبيَّ طقسٍ جامد، بل نبيَّ تحرّرٍ كونيّ حطّم أصنام الاستبداد والخوف والعبودية، ولذلك فإنّ استعادة المعنى الإبراهيمي اليوم في العيد الأكبر والحج الأكبر قد تكون المدخل الضروري لكي تستعيد تونس ألقها الحضاري، وتنهض من جديد بوصفها فضاءً للكرامة والعقل والحرية والأمل المستقبلي.

*إعلامي وباحث في العلوم السياسية

إقرأ أيضا: الحج الأكبر.. استعادة المعنى الإبراهيمي في زمن الاضطراب

مقالات مشابهة

  • ندوة تستعرض دور الترجمة في بناء الجسور الحضارية
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • الكلاب الضالة قنابل بيولوجية تهدد الإنسان والثروة الحيوانية
  • حرية النباح!
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • “ألمانيا أصبحت مكلفة للغاية”.. ميرتس يعلن أزمة تنافسية تضرب أكبر اقتصاد في أوروبا
  • مؤسسة وجود وأصحاب المصلحة المعنيين والمتعددين تختتم ورشة العمل حول اقتصاد السلام وأولويات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية
  • حمدان بن محمد: مستمرون في دعم اقتصادنا وقطاعنا السياحي
  • الحج وثورة التوحيد.. من امتحان الذبيح إلى ميلاد الإنسان الحر
  • «الأهلى المصرى» يطلق أول منتج تمويلى مخصص للمبانى الخضراء