القَصص القرآني2.. خريطة هدى في مواجهة طواغيت العصر
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
في محاضرته الرمضانية الثالثة، قدّم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي “أيده الله” قراءة قرآنية عميقة لقصة نبي الله موسى عليه السلام، بوصفها نموذجًا متجدّدًا لسنن الله في مواجهة الطغيان، وكشف طبيعة الصراع بين الحق والباطل، بين المستضعفين والطغاة.
موسى… نموذج الرحمة والمواجهة
استعرض السيد القائد نموذج موسى -عليه السلام- باعتباره أحد أعظم نماذج رحمة الله بعباده؛ نموذج للهدى والثقة بالله، ولنصرة المستضعفين في ظل ظروف بالغة التعقيد.
في المقابل، يقف فرعون بوصفه صورة مكتملة للطغيان المتجاوز لكل الحدود، حين «علا في الأرض» وتكبّر حتى ادّعى الألوهية. إنه نموذج للإنسان الذي تجاوز مقام العبودية لله إلى مقام الاستكبار المطلق، فجمع بين القهر السياسي، والإفساد الاجتماعي، والتضليل الفكري.
هندسة الاستضعاف… من الذبح إلى التمييع
القرآن يصف سياسة فرعون بأنها تفكيك للمجتمع إلى شيع متناحرة، مع استضعاف فئة بعينها، بلغت ذروتها في ذبح الأبناء واستحياء النساء. وأوضح السيد القائد أن هذا السلوك لم يكن عشوائيًا، بل سياسة احترازية قائمة على هواجس السلطة، حين تنبأ المنجمون بزوال حكمه على يد مولود من بني إسرائيل.
ومن أخطر وأهم ما أشار إليه، أن السياسات الطاغوتية لا تستهدف الجسد فقط، بل تستهدف هوية المجتمع وروحه؛ فتضرب معاني الرجولة، وتسعى إلى التمييع الأخلاقي، وتعمل على إفساد الوعي، لأن الإفساد هو البوابة الكبرى لإدامة الاستضعاف.
فرعون – في توصيف القرآن – كان من المفسدين، وفساده لم يكن طارئًا، بل منهجًا مستمرًا يمارسه بأشكال متعددة.
سنّة الله.. من القهر إلى الريادة
في مقابل هذا المشهد القاتم، يبرز الوعد الإلهي الحاسم: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
المنّة هنا – كما بيّن السيد – ليست مجرد نجاة من بطش، بل انتقال نوعي من حالة القهر إلى موقع القيادة، من الاستعباد إلى الريادة، من التبعية إلى الاستقلال. إنها نقلة حضارية شاملة، تجعل من المستضعفين أمة فاعلة، تملك قرارها، ويتحرك قادتها في إطار تعاليم الله وتوجيهاته.
وأكد أن من السنن الإلهية الثابتة عبر التاريخ أن الله ينقذ الفئة المستضعفة، لكن هذا الوعد مرتبط بالوعي والإرادة والاتجاه الصادق إليه سبحانه.
فرز المستضعفين.. ثلاثة أصناف
في المحاضرة قدّم السيد القائد تصنيفًا قرآنيًا دقيقًا للمستضعفين إلى ثلاثة أصناف:
المستضعفون الواعون:
وهم الذين يدركون واقعهم، ويرفضون الظلم، ولا يرضون بالاستسلام، ويتجهون إلى الله بإرادة تغيير حقيقية. هؤلاء هم محل الوعد الإلهي.
المستضعفون غير الواعين:
الذين استسلموا لواقعهم، ولم يتجهوا إلى الله، ولم يأخذوا بأسباب الفرج، فبقوا في دائرة القبول بالذل.
المستضعفون التابعون للطغاة:
الذين ينخرطون في خدمة المستكبرين، ويصبحون جزءًا من منظومة الطغيان، ولو كانوا في موقع الضعف.
هذا الفرز – كما أوضح – يكشف أن الاستضعاف ليس قدرًا جامدًا، بل حالة يمكن أن تتحول إلى قوة إذا اقترنت بالوعي والإيمان.
سخرية المنافقين.. وثقة الواثقين
في كل مرحلة انتقالية، يظهر صوت المنافقين والمرضى في القلوب، يسخرون من وعد الله، ويعتبرونه غرورًا.﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾.
غير أن التجربة القرآنية تؤكد أن إرادة الله تتجاوز حسابات البشر الضيقة، وأن الطغاة – مهما بلغ جبروتهم – يعيشون قلقًا دائمًا من المستضعفين الواعين، لأنهم يدركون أن الشرارة الحقيقية للتغيير تنطلق من هناك.
وختاماً إن المحاضرة لم تكن استدعاءً لقصة تاريخية بقدر ما كانت قراءة لواقع ممتد؛ فالصراع بين موسى وفرعون يتكرر بصور مختلفة في كل زمان، حيث يعيد الطغاة إنتاج سياسات الاستضعاف، ويظل الوعد الإلهي قائمًا بتمكين من يستحقون التمكين.
إنها رسالة أمل للمستضعفين، وتحذير للطغاة، وتأكيد أن السنن الإلهية لا تتبدل:
من الوعي تبدأ الطريق، ومن الصبر تولد النقلة، ومن الثقة بالله تصنع الأمم مجدها.
وبين طغيان يتضخم، ومستضعفون ينهضون، يبقى الوعد القرآني حاضرًا: أن يتحول القهر إلى قوة، والذل إلى عزّة، وأن يصبح الذين كانوا بالأمس ضحايا الاستكبار… أئمةً ووارثين.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
حفرية ثعبان عمرها حوالي 85 مليون سنة تتيح للعلماء رؤى جديدة لتاريخ الزواحف
واشنطن - صفا
ظهرت الثعابين لأول مرة خلال عصر الديناصورات، لكن حفريات كثير من الأنواع المبكرة محطمة بشدة لدرجة جعلت من الصعب على العلماء فهم تطورها كمجموعة، ولكن في الوقت الحاضر تنيج حفرية محفوظة جيدا من جنوب شرق البرازيل رؤى جديدة لتاريخ هذه الزواحف.
وتعود هذه الحفرية إلى ثعبان من نوع (تاميتارا ميريم) الذي عاش منذ ما بين 75 و85 مليون سنة خلال العصر الطباشيري، وكان يبلغ طوله نحو 42 سنتيمترا، ويعيش في نظام بيئي خصب إلى جانب حيوانات أخرى، منها ديناصورات عاشبة ضخمة طويلة العنق، وتماسيح، وطيور.
وعلى الرغم من أن الحفرية لا تحتفظ بكامل البنية التشريحية لتاميتارا، فإن جزءاً من الجمجمة ظل محفوظا بنحو جيد للغاية مما مكّن الباحثين من إعادة بناء تشريح دماغ الأفعى.
وأظهر شكل الدماغ والبنية المجهرية لعظام الجمجمة أن هذا النوع كان يعيش نمط حياة يتسم بالعيش داخل الحفر أو الأنفاق كما هو الحال مع كثير من الأنواع الحالية مثل ثعابين المرجان.
ويعتقد أن الثعابين ظهرت لأول مرة منذ حوالي 170 مليون سنة خلال العصر الجوراسي.
لكن لا توجد حفريات ثعابين محفوظة بشكل جيد من العصر الجوراسي، ولا يوجد سوى عدد قليل جدا منها من العصر الطباشيري الذي تلاه، وهو الفصل الأخير في عصر الديناصورات.
وقال تياجو سيمويس، أستاذ علم الأحياء التطوري بجامعة برينستون في ولاية نيوجيرزي "تمثل الثعابين أحد أكثر التصاميم الجسدية تطرفا بين جميع الفقاريات، أي الحيوانات ذات العمود الفقري.
ولا يزال فهم أصل هذه المجموعة الغريبة والمتنوعة للغاية أحد أكبر الألغاز في تطور الفقاريات". وسيمويس معد رئيسي للدراسة التي نشرت هذا الأسبوع في دورية (نيتشر) العلمية.
وأضاف سيمويس أن نحو 60 بالمئة من الجمجمة و70 بالمئة من العمود الفقري محفوظان في الحفرية التي عُثر عليها في بلدية بريزيدينتي برودينتي بولاية ساو باولو البرازيلية.
وتابع سيمويس "يدخل تاميتارا قائمة مميزة من الثعابين من العصر الطباشيري المحفوظة بصورة مذهلة، إذ لا يوجد سوى أربعة أنواع إجمالا تتمتع بمثل هذا الحفظ. وهذا يخبرنا بشيء لم نكن نعتقد أبدا أننا سنتمكن من معرفته من خلال الحفريات حتى وقت قريب، وهو التطور المبكر لجهازها العصبي المركزي".