هل خدعتنا صورة الثقب الأسود؟ دراسة حديثة قد تقلب تصوراتنا عن بنية درب التبانة
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
في عام 2022، نشر تعاون "تلسكوب أفق الحدث" (Event Horizon Telescope) أول صورة مباشرة لظل الجسم الهائل في قلب مجرة درب التبانة، وهو الكيان المعروف باسم "الرامي إيه ستار" (Sagittarius A*). ومنذ تلك اللحظة اعتبرت الصورة دليلا شبه قاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة تبلغ كتلته نحو 4.6 مليون مرة كتلة الشمس.
غير أن دراسة حديثة أعادت فتح السؤال من جديد، مفترضة احتمالا علميا مختلفا: ماذا لو لم يكن ما نراه ثقبا أسود بالمعنى الفيزيائي الدقيق، بل بنية أخرى تحاكي تأثيره؟
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2هل ستنطلق مهمة “أرتميس-2” حقا إلى القمر؟list 2 of 2أكبر خريطة راديو فضائية على الإطلاق تكشف أسرار الكون المخفيةend of listنواة مظلمة فائقة الكثافةتقوم الفرضية الجديدة على أن الجسم المركزي قد يكون نواة شديدة الكثافة تتكون من جسيمات فيرميونية افتراضية للمادة المظلمة. (الفيرميونات الحقيقية تشمل الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات والنيوترينوهات).
هذه الجسيمات الافتراضية خفيفة جدا، وإذا تراكمت بكثافة هائلة، يمكن أن تولّد مجالا جاذبيا يماثل ذلك المنسوب عادة إلى ثقب أسود.
المثير أن هذا النموذج يعيد إنتاج الكتلة المرصودة نفسها تقريبا، كما يفسر حركة النجوم القريبة، بل ويمكنه أيضا توليد "ظل" مشابه للصورة الشهيرة.
فالصورة التي التُقطت عام 2022 لا تُظهر الثقب الأسود نفسه، بل ظله الناتج عن انحناء الضوء بفعل الجاذبية الشديدة. ووفق هذا التصور، قد تنحني الفوتونات حول نواة مظلمة كثيفة بالطريقة نفسها تقريبا.
نجوم تتحدى سرعة الضوءأحد أقوى الأدلة التقليدية على وجود ثقب أسود يتمثل في حركة نجوم تعرف باسم "نجوم إس" (S-stars)، وهي نجوم تدور قرب المركز بسرعات تصل إلى 30 ألف كيلومتر في الثانية، أي نحو 10% من سرعة الضوء. هذه السرعات تعني وجود كتلة هائلة مضغوطة في نطاق صغير للغاية.
لكن الدراسة ترى أن نواة مادة مظلمة فائقة الكثافة يمكن أن تفسر هذه المدارات السريعة دون الحاجة إلى افتراض وجود أفق حدث حقيقي (آخر حدود مرئية للثقب الأسود)، أي أن الجاذبية الشديدة لا تعني بالضرورة وجود ثقب أسود بالمعنى الكلاسيكي.
إعادة التفكير في بنية المجرةلا تتوقف جرأة الفرضية عند استبدال الثقب الأسود فحسب، بل تمتد إلى تصور مختلف لبنية المجرة بأكملها. ففي النموذج الكوني السائد، يوجد ثقب أسود مركزي تحيط به هالة واسعة من المادة المظلمة. أما في الطرح الجديد، فالجسم المركزي والهالة ليسا كيانين منفصلين، بل نظاما واحدا متصلا من المادة نفسها.
وتشير بيانات الإصدار الثالث من مهمة "غايا" (Gaia) (وهو مسبار فلكي متخصص في رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لمجرة درب التبانة بدقة غير مسبوقة)، إلى ما يعرف بالانخفاض الكبلري في أطراف المجرة، أي تباطؤ السرعات المدارية بشكل يتوافق مع سلوك معين للجاذبية.
إعلانويرى أصحاب النموذج أن هذا السلوك قد يكون أكثر انسجاما مع توزيع فيرميوني للمادة المظلمة منه مع النموذج التقليدي للمادة المظلمة الباردة.
الاختبار الفاصل.. حلقة الفوتونيبقى الفيصل الحقيقي في ظاهرة تُعرف بحلقة الفوتون، وهي مسار ضوئي دائري بالغ الدقة يتشكل عندما تدور الفوتونات حول جسم فائق الجاذبية عدة مرات قبل أن تفلت أو تسقط داخله. وفي حالة الثقب الأسود، ترتبط هذه الحلقة مباشرة بوجود أفق الحدث، وتكون لها بصمة هندسية محددة.
أما في نموذج النواة المظلمة، فلا يُتوقع ظهور حلقة فوتونية مطابقة تماما لتلك الخاصة بالثقب الأسود. ومن هنا تأتي أهمية الرصد عالي الدقة مستقبلا، سواء عبر تحسينات جديدة لتلسكوب أفق الحدث أو باستخدام أدوات متقدمة في المراصد الفلكية أمثال التلسكوب الرباعي الكبير جدا (Very Large Telescope)، إذ قد تكشف هذه القياسات فروقا دقيقة قادرة على حسم الجدل.
حتى الآن لا توجد بيانات كافية للفصل القاطع بين النموذجين، فالصورة الشهيرة تثبت وجود مجال جاذبي هائل في المركز، لكنها لا تثبت بشكل مباشر وجود أفق حدث.
وهنا يكمن جوهر النقاش العلمي؛ هل نرى ثقبا أسود بالفعل، أم يتعلق الأمر بجاذبية شديدة تخفي وراءها بنية أكثر تعقيدا؟
فإذا ثبتت صحة هذا السيناريو، فسيعني ذلك أن مركز مجرتنا ليس جسما منفصلا عن هالتها المظلمة، بل جزءا من نسيج كوني واحد.
أما إذا أكدت القياسات المستقبلية وجود حلقة فوتون واضحة ومطابقة لتنبؤات النسبية العامة، فسيظل الثقب الأسود في مكانه بوصفه أحد أعظم انتصارات الفيزياء الحديثة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فضاء الثقب الأسود درب التبانة ثقب أسود
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث