إعادة اختراع إدارة الموارد البشرية في عُمان
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
أ.د. هشام البحيري
Hesham.b@uob.edu.om
يُنادي الكثير من المُمارسين والباحثين على مستوى العالم بضرورة تحديث المؤسسات الحكومية لكي تُصبح أكثر كفاءة وفعالية، كما علت أصوات كثيرة في الآونة الأخيرة مناديةً بضرورة أن تسهم إدارات الموارد البشرية بأدوار أكثر إستراتيجية من الأدوار التقليدية التي تُمارسها هذه الإدارات حاليًا في هذه المؤسسات.
من هنا، أضحى تغيير الدور الذي تقوم به إدارات الموارد البشرية في الأجهزة والمؤسسات الحكومية ضرورة مُلحّة فرضتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الآونة الأخيرة والتي أرغمت الكثير من الحكومات من أن تؤدي دورًا أكثر حيوية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
العالِم مارسيل بروست، كتب ذات يوم أن "رحلة الاكتشاف الحقيقية ليست هي البحث عن أرض جديدة، أو عن مصادر جديدة؛ بل النظر إلى الأمور بعيون جديدة". وهذا يجعلنا نختلف مع أولئك الذين ينظرون إلى الإدارة الحكومية على أنها شيء ثابت لا يتغير، مع أن هذا غير صحيح على الإطلاق. كما إن هذه المقولة تجعلنا نختلف مع أولئك الذين ينظرون لوظائف إدارة الموارد البشرية على أنها وظائف ثابتة لا تتغير ولا تتجدد أبدًا! وأن الدور الذي يمكن أن تلعبه داخل كافة المنظمات هو دور تقليدي لا يتغير.
ما نعنيه هنا ليس تغييرًا شكليًا أو تحسيناً هيكليًا في طبيعة الوظائف التي تقوم بها إدارة الموارد البشرية، وإنما نطالب بإعادة اختراع الأدوار الوظيفية لإدارة الموارد البشرية لكي تبدو أكثر ملاءمة للظروف الجديدة التي فرضتها تحديات القرن الحادي والعشرين، والتي جعلت الكثير من الأدوار الإدارية التقليدية غير قادرة على مواجهة تلك التحديات الجديدة.
وإذا كانت المؤسسات الحكومية على مستوى العالم تُعاني من الكثير من الإشكاليات، وإذا كانت الإدارات الحكومية في كل دول العالم مُطالبة بالتطور في كل وقت، فإنَّ الإدارات الحكومية في الدول النامية- والتي تواجه الكثير من المتناقضات والقضايا المعقدة- أحوج ما تكون لإعادة تشكيل نفسها واختراع وظائف جديدة لها في ذات الوقت.
لقد كانت النظرة للدور الذي يُمكن أن يؤديه كثيرٌ من إدارات الموارد البشرية في المنظمات الحكومية في بداية القرن العشرين، نظرة قاصرة؛ حيث كان يُنظر إليها على أنها إدارة خدمية تمارس دورًا محدودًا في نجاح المؤسسات الحكومية. وأدت هذه النظرة الخاطئة إلى تعرض الكثير من المؤسسات الحكومية للعديد من الإشكاليات. وحاول الكثير من إدارات الموارد البشرية في الدول المتقدمة أن تؤدي دورًا كبيرًا في الشراكة الاستراتيجية داخل المؤسسات التي تعمل فيها، وتبنت الكثير من أشكال وممارسات إدارة الموارد البشرية الهجينة (Hybrid HR Forms) من أجل مساعدتها في ذلك ومساعدتها على تغيير النظرة للدور الذي يمكن أن تلعبه إدارات الموارد البشرية في المؤسسات الحكومية. إلّا أننا على الجانب الآخر، نلحظ أنه ما زالت النظرة لأهمية إدارات الموارد البشرية في الدول النامية، نظرة قاصرة، وقد يكون السبب في ذلك أن إدارات الموارد البشرية في الدول النامية لم تزل حتى الآن تمارس أدورًا تقليدية ولم تستبدل هذه الأدوار بأدوار إستراتيجية لإدارة الموارد البشرية. ويمكن إرجاع ذلك إلى أن مضمون ممارسة أدوار الشؤون الإدارية، وشؤون الأفراد، وشؤون العاملين لم يزل هو المسيطر على أذهان المسؤولين عن إدارات الموارد البشرية في المؤسسات الحكومية في الدول النامية، ومنها سلطنة عُمان بطبيعة الحال؛ إذ إن التحول الفكري لممارسة أدوار إدارة الموارد البشرية الحديثة لم يصل بعد لمسؤولي الموارد البشرية في الأجهزة الحكومية في السلطنة، كما إن مسمى مدير الموارد البشرية أصبح مُعبِّرًا عن مجرد تغيير لفظي وليس تغييرًا حقيقيًا لمضمون شؤون الأفراد وشؤون العاملين.
وبعد قراءة تحليلية لواقع إدارات الموارد البشرية في المؤسسات العُمانية، اكتشفتُ أنه لا تزال الصورة السائدة عن إدارات الموارد البشرية في معظم المؤسسات العُمانية، أنها مجرد مجموعة من الأخصائيين الذين يعملون داخل تقسيمات تنظيمية متخصصة يطلق عليها قسم شؤون العاملين أو إدارة شؤون الأفراد أو الشؤون الإدارية، والذين يقتصر دورهم على ممارسة مجموعة من المسائل الإجرائية المتصلة باستقطاب الموظفين، أو القيام بأعمال المساهمة في اختيار أفضل المتقدمين لشغل الوظائف، ثم إنهاء إجراءات التعيين، وإسناد العمل لمن وقع عليه الاختيار، ثم متابعة أعمال الحضور والغياب، وحصر ساعات التأخير، وتطبيق اللوائح في شأن المخالفات التي قد تصدر من أحد العاملين، وتنفيذ إجراءات الإجازات على اختلاف أنواعها، ومباشرة مسائل الرعاية الطبية والاجتماعية، وتنفيذ نظم تقويم الأداء، وأعمال التأهيل والتدريب، ثم متابعة إجراءات إنهاء الخدمة في نهاية التعاقد أو بلوغ سن التقاعد أو نهاية الخدمة بالوفاة، وغيرها.
هذه الصورة السائدة والتقليدية عن الدور الذي تقوم به إدارات الموارد البشرية في المنظمات هو الذي تسبب في عدم اهتمام الإدارات العليا في منظمات الأعمال المختلفة بصفة عامة وفي المنظمات الحكومية بصفة خاصة بالعاملين في هذه الإدارات. أضف إلى ذلك أن الكثير من المنظمات الحكومية في كثير من الدول النامية- ومن بينها سلطنة عُمان- كانت تسير وفق نظم تقليدية تتعامل مع الموارد البشرية باعتبارهم أدوات في النظام البيروقراطي، والذي يركز على كفاءة العمليات والإجراءات، واستكمال النماذج والمستندات، ويخضع العاملون لنظم ولوائح وإجراءات لأداء المهام المنوطة إليهم لا تترك لهم مساحة تذكر للتفكير أو الإبداع أو حرية اتخاذ القرارات. فهم آلات تؤدي مهام حسب القواعد. وبذلك لم تكن الإدارة العليا في تلك المنظمات الحكومية معنية هي الأخرى بقضايا إدارة الموارد البشرية وإحالتها بالكامل إلى مستويات تالية من الموظفين المتخصصين في أمور تطبيق القوانين والنظم المتصلة بشؤون الأفراد. ولكن تلك الظروف لم تدم على هذا النحو فلقد أصاب العالم كله حالات من التغيير المستمر والمتواصل والعنيف ذي التأثير المباشر على هيكلية الموارد البشرية وقدراتها جميعًا، ولا شك أن العديد من هذه التغيرات، وغيرها، كانت هي السبب الأبرز في تغيُّر نظرة الإدارة العليا في المنظمات المعاصرة إلى الموارد البشرية، وبداية التحول نحو اعتبارهم المصدر الرئيس للقدرة التنافسية وأكثر الأصول أهمية وخطورة في المنظمة.
وبذلك بدأت الإدارة المعاصرة تبحث عن مفاهيم وأساليب جديدة لإدارة الموارد البشرية تتناسب مع أهميتها وحيوية الدور الذي تقوم به، ومن ثم بدأ الاهتمام بإدارة الموارد البشرية الاستراتيجية.
وإذا أردنا أن نُغيِّر وجهة نظر العديد من مسؤولي الإدارة العليا في المنظمات الحكومية في سلطنة عُمان إلى الدور الذي يمكن أن تمارسه إدارات الموارد البشرية في هذه المنظمات، سنجدُ أننا بحاجة لإعادة اختراع إدارة الموارد البشرية في هذه المنظمات حتى يمكن تحسين فعالية الدور المنوط بها القيام بها، وتحسين فعالية الدور الذي تقوم به كشريك إستراتيجي في إدارة أي منظمة حكومية. ولا شك أن استمرار النظر لإدارة الموارد البشرية في أي شركة من الشركات التي تمتلكها الحكومة على أساس أنها إدارة استشارية سيظل يترك انطباعًا غير إيجابي عنها. ولقد نادى البعض بأن هناك ضرورة لتغيير هذه النظرة، وللدور الذي تقوم به إدارات الموارد البشرية في المنظمات الحكومية من الدور الاستشاري إلى دور جديد يضمن التوافق مع الإستراتيجية العليا للمنظمة، بحيث يتم تعديل أنشطة وممارسات الموارد البشرية لكي تتوافق مع إستراتيجيات المنظمة.
بمعنى آخر، أن الإدارة العليا تنفرد بوضع إستراتيجيات المنظمة، ثم يُطلب من إدارة الموارد البشرية أن تضع برنامج العمل المناسب والذي يضمن التنفيذ الفعال لتلك الاستراتيجيات. لكن الاتجاه الثالث- الذي تقوم عليه فكرتنا في هذه المقالة- أن إدارة الموارد البشرية في سلطنة عُمان بعد أن يتم إعادة اختراع دورها في هذه المنظمات، من الممكن أن تعد بمثابة شريك متساوٍ (Equal Partner) يجب أن يؤخذ رأيها في الحسبان عند إعداد وتطبيق الخطط الاستراتيجية في كافة المؤسسات العُمانية حكومية كانت أم خاصة.
ونقترح في هذه المقالة نموذجًا لإبعاد شبح البيروقراطية عن إدارات الموارد البشرية في المؤسسات العُمانية، وهذا النموذج سأطلقُ عليه مصطلح "إعادة اختراع إدارة الموارد البشرية في المؤسسات العُمانية"، وأقدمه للقيادات المسؤولة في كافة المؤسسات العُمانية، ويقوم هذا النموذج على تبني 5 إستراتيجيات؛ وهي:
1. الإستراتيجية الأولى: توضيح الغرض الرئيس من وجود إدارات الموارد البشرية في المؤسسات العُمانية.
2. الإستراتيجية الثانية: تطوير نظام جديد للحوافز والأداء يطبق في داخل إدارات الموارد البشرية العُمانية.
3. الإستراتيجية الثالثة: تبني إدارات الموارد البشرية لمفهوم العميل.
4. الإستراتيجية الرابعة: تمكين العاملين في إدارات الموارد البشرية في المؤسسات العُمانية.
5. الإستراتيجية الخامسة: تغيير ثقافة العاملين في إدارات الموارد البشرية في المنظمات الحكومية.
** أستاذ إدارة الموارد البشرية بجامعتي البريمي والقاهرة
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.