فقيهات عُمانيات خدمن الإسلام
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
◄ "الرؤية" تطرح رصدًا تأريخيًا لنساء نابغات في مسائل الفقه وعلوم اللغة
◄ النساء وجدن في الفقيهات العُمانيات مقصدًا للإجابة على الأسئلة الشرعية المتعلقة بالمرأة
◄ دور فاعل للمرأة العُمانية في الحركة العلمية على مدى القرون الماضية
◄ كتب التراث والسير وثّقت الأدوار الرائدة للفقيهات العُمانيات
الرؤية- ناصر أبوعون
في هذه الإطلالة حول سيرة بعض أمهاتنا الفقيهات العُمانيات، نشيد ونشدّ على أيدي قطاع عريض من شباب الباحثين العُمانيين الغيورين على تاريخ عُمان وآثارها العلمية، بغية توثيقها واستقرائها لاستنهاض أمتنا والكشف عن دورها الحضاريّ في مناحٍ عديدة، وخاصة في خدمة التراث الإسلاميّ المشرّف والمضيء، وعلوم وآداب اللغة العربية.
ونورد هنا مسردًا يسيرًا -على سبيل التمثيل لا الحصر-؛ للتأكيد على الدور الفاعل والنشط للمرأة العُمانية في الحركة العلمية خلال القرون الماضية؛ وخاصةً هؤلاء اللاتي نذرن حياتهن لخدمة الإسلام وعلوم اللغة والفقه؛ ومنهن: الشيخة (عائشة بنت راشد الريامية البَهلوية)، والشيخة (أروى بنت خلف بن أحمد العبادية)، ومن ولاية بركاء الشيخة (فرحة بنت علي بن محمد)، والشيخة (راية بنت عبدالله بن خلفان البيمانيّة)، والشيخة (نصرى بنت الإمام ناصر بن مرشد اليعربية، ت:1103هـ)، و(الشيخة عائشة بنت راشد الريامية البهلوية)، و(شيخة بنت الإمام سيف بن سلطان اليعربية، ت:1131هـ) زوجة الإمام سيف بن سلطان، والشيخة (موزة بنت ناصر بن عامر الغافرية)، و(الشيخة نجيّة بنت عامر بن سالم بن سلطان بن عامر بن سالم الحجرية)، وقد حدد المؤرخون والنسَّابة مولدها وحياتها ما بين القرنين الثالث والرابع الهِجريين بقرية (الواصل) بـ(ولاية بديّة) بمحافظة الشرقية؛ وتحديدًا في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري وبداية القرن الرابع عشر الهجري، ويذكرون أنها تزوجت مرتين في حياتها تزوجها، أمّا زوجها الأول فقد كان من موطنها في ولاية بداية؛ وهو العلَّامة الفقيه الزاهد راشد بن خلفان بن مسعود بن سعيد الحجري وتتلمذت على يديه وروت عنه ولم تنجب منه، وتوفي عنها سنة 1317 من الهجرة النبوية. وأمّا زوجها الثاني فقد كان عالمًا رُستاقيًّا وهو السيد فيصل بن حمود بن عزّان بن قيس البوسعيدي، ولم يعقِّب منه لا بنين ولا بنات، وامتازت بحسن خطها، وأملى عليها رسائله، ومراسلاته الإخوانية ورسائله العلمية، وتواصلت بالكتابة عام 1333هـ مع الكثير من علماء الرُّستاق نذكر منهم: (الشيخ سالم بن سيف اللمكي)، وأخيه العالم الفقيه راشد بن سيف بن سعيد اللمكي، وجمع لها المحققون العديد من الأسئلة الشرعية وكانت نساء الرستاق تقصدهن في المسائل الفقهية المتعلقة بالمرأة، وكانت ذات ثراء وغنى وتنفق على طلبة العلم، والمدارس العلمية. وقد أورد الإمام نور الدين السالمي ترجمةً لها في كتابه "تحفة الأعيان ج٢ ص٣١٦" ذاكرًا بأنها (امرأة فاضلة صالحة). وعاشت حتى بلغت من العمر 50 عامًا في الرستاق إلى أن صعدت روحها الطاهرة إلى ربِّها سنة (1320 هـ/ 1902 م).
فقيهات طائيات في جبين التاريخ
رصدت الحركة العلمية بنزوى العديد من الفقيهات الطائيات بولاية نزوى، والمقام يقتضي ذكر النذر الذي تيسَّر لنا من سيرتهن العطرة، وآثارهن المتواترة، والمخطوطات التي أشارت إليهن، ونذكر من هنّ:
الشيخة كاذية بنت محمد بن عبدالله الطيوانية
وردذكرها في مخطوطة بعنوان (وثيقة مياه أفلاج نزوى)، وهي توثق أملاك الناس في مياه الأفلاج وأملاك الأوقاف وغيرها، وقد حملت رقم ٢٥١، ومحتفَظ بها في أرشيف مكتبة بني سيف بنزوى، وهناك صورة منها في "كتاب النمير"، بالجزء السادس للشيخ محمد السيفي، ومُدوّنٌ في المخطوطة، هذه العبارة: (إن الشيخة كاذية تملكت شفهيا نصف أثر ماء، من أخيها (سالم بن محمد بن عبدالله الطيواني)، وهو من مشايخ القرن الحادي عشر الهجري.
الشيخة حليمة بنت محمد بن صالح الطيوانية
توفيت الشيخة حليمة في شهر رمضان سنة ألف ومائتي سنة للهجرة، مثلما هو موثق على "شاهد قبرها"، وقد كان في حالة جيدة، عندما صوره الشيخ خالد بن سليمان الخروصي، وضمنه كتابه الوثائقيّ "مقبرة الأئمة"، والشاهد رمادي اللون مثبت بالصاروج، به زخرفة في قسمه العلويّ على شكل ثلاثة مثلثات، وهو مزين عن طريق تضريسه بالنحت. والشيخة حليمة تكون أخت "الشيخ صالح بن محمد بن صالح الطيواني"، المتوفي قبلها بثمان سنوات خلت، ودفن بنفس المقبرة مثلما تؤرخ بذلك شاهدة قبره في الكتاب آنف الذكر.
ومما حكاه: (حلمي بن هلال بن زاهر بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن سليمان بن محمد بن بلعرب محمد بن ربيع بن حارث الكندي) فقال: إنها"امرأة تقية، وقد"أخبرتني (العمة حليمة بنت سعيد بن ناصر الكندية) - رحمها الله- عن والدتها "عينى بنت ناصر بن عامرالطيوانية" "أنه في ليلة وفاتها؛ وكانت ليلة مظلمة، لم تكن النساء بحاجة إلى ضوء قنديل لحياكة كفنها، فالنور الذي يشعّ من وجهها كان كافيا لهن لحياكة الكفن".
الشيخة زوينة بنت ماجد بن سليمان الطيوانية
ورد اسمها في قسم تراجم الأعلام في كتاب "السلوى في تاريخ نزوى"،ولكن دون ترجمة عنها، ثم ورد اسمها أيضا في وثيقة مياه أفلاج نزوى، وذلك تحت رقم ٥٩، والشيخة زوينة تكون زوجة العلامة الفقيه سعيد بن عامر بن خلف الطيواني، وقد تركت نزوى معه في عام ١٢٤٩هـ، واستقرت في بوشر وماتت ودفنت بها.
الشيخة موزة بنت سعيد بن عامر الطيوانية
هي ابنة العلامة الشيخ سعيد بن عامر الطيواني، واستقرت بنزوى ولم تتركها معه إثر عصبيات عام ١٢٤٩هـ، بدلالة وجود وثائق عن مكتبة لها بنزوى ضمت عشرات الكتب، كانت توزعها على القارئين، مثلما هو وارد في وثيقة عنها بمخطوطات وزارة التراث جاء فيها: "قيد تملك لكتاب، بخط عامر بن سليمان بن عامر العبادي، يوضح فيه أنه تملك الكتاب هبة من الوالدة موزة بنت سعيد بن عامر الطيوانية.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الإمام علي والوصاية على الأمة
المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.
شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى
من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.
مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم
لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات
إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.
مدرسة في العدل والإنصاف
يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.
دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام
إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.
ختاما ..
يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله