في الاستـيلاء التركـي على سوريا
تاريخ النشر: 8th, January 2025 GMT
أنجزت تركيا الإردوجانـيّـة في سوريا من أهدافها السّياسيّـة التّوسعيّـة ما عَـسُـر عليها إنجازُهُ في ابتـداء «الرّبيـع العـربيّ» (2011) في البلدان التي كان لها فيها أتـباع (مصر، سوريا، لبنان، تونـس)، فأمكنها إيصالُ حلفائها في إدلب إلى السّلطة في دمشق بمساعدة أصدقائها الأمريكـيّـين والإسرائيلـيّـين. وما كان يمكن لمثـل هذا الظّـفـر التّـركيّ بـ«الكعـكـة» السّورية إلّا أن يستـثيـر أسئلةً حول أسباب النّجاح هنا والإخفاق هناك.
يمكن أن يُـنْـظر إليه بما هـو نجاحٌ تـأتَّـت له في سوريا قـوّتُـه الماديّـةُ الحاملةُ التي تُـسعِـفه فيما هي قـوّةٌ انعدمتْ وجـودًا، أو هي مـمّا عـزّت نظائـرُها في بـلادٍ أخرى من بلـدان «الـرّبيع العـربيّ» كان لتركيا حلفاءٌ فيها. ثـمّة من يأخذ بهـذا التّـفسير محاولًا إقامة دليلٍ على وجاهـته من طريقِ بيانِ الفارق بين صهـوتـيْـن سياسيّـتـيْـن امـتـطتهـما تركـيا لهذا الغـرض: صـهوة «الإخـوان المسلمين» (في مـصرَ وتـونسَ وليـبـيا) وصـهوة «الجـهاديّـين» المسلَّـحيـن (في سوريا) والاسـتـنـتاج، مـن ثـمّـة، بأنّ الصّـهوة الأولى ما أفـلحتْ شـعـبـيّـتُـها الكبـيرة في أن تحـميَ مشروع الاستـيلاء لديها على الـدّولة والمجتمع، فيما أفلحتْ أسنانُ الثّانيـة ومخالـبُـها في التّـمكيـن لها في بـلاد الشّـام. وعندي أنّ التّـفسير هذا هـشٌّ ضعيفُ البنيان؛ إذْ ما عـدم إسلامـيّـو مصرَ وتونسَ إمكانًـا لاستـخـدامِ السّلاح للحفاظ على سلطانهم، بـل لقد كان العملُ المسلّـح الأسلوبَ الرّئيس لإسلاميّـي ليـبيـا ودَيْـدَنَـهم، ومع ذلك ما أصابوا كبـيرَ حـظٍّ مـن النّجاح ولا استفـادت منه تركـيا الأردوغـانيّـة. وإلى ذلك ينضاف أنّ سلاح «جـهاديّـي» سوريا ما كان سلاحَ فـريقٍ إسلاميّ سياسيّ واحـدٍ منسـجم، بـل امتشـقـتْـه عشراتُ الجماعات المتبايـنة والمتناقـضة ميـولًا، وكان من شأن هذا التّـعدُّد والتّـبايُـن -ولا يزال من شأنه- أن يُـبْـطِل مفعولَـه، جمـلةً، أو أن يصرفه وِجـهة الاقـتـتال الدّاخليّ بين حَمَلَـته من الفصائـل...
ويمكن أن يُـنْظر إلى أسبابه الرّئيـسة انطلاقًا من فـرضيّـة الجـوار الجغرافيّ القريب وما أتاحه للسّياسة التّـركـيّـة تجاه استـقرار سوريا ومصيرها السّياسيّ من ممكناتٍ لا يتـيحها بُـعْـد السّاحات العربيّـة الأخرى عنها. وما من شـكٍّ في مركزيّـة عامل الجوار الجغرافيّ في تيسير سياسات تركيا واستباحتها الدّاخـلَ السّـوريّ؛ فـلقـد وفّـر لتركيا إمكانَ احتلالها قسمًـا من شمال سوريا، مستـغـلّةً انشغالها بالمواجهات بين الجيش النّظاميّ والفصائل «الجهاديّـة» المسلّـحة؛ ووَضَـعَ تحت تصـرّفها الجغرافيا المناسبة لتقـديم الدّعم العسكريّ واللّـوجستـيّ لجماعاتها المسلّحة ولتـغذيـتها بعشرات آلاف المقاتـليـن المتـدفّـقـيـن على تركيا من أركان الأرض كـافّـة لِـ«الجـهـاد» في سوريا... إلخ. مع ذلك، لم يُـفِـدْها هـذا الجـوار الجغرافـيّ، مثـلًا، في تصفيـة «قـوّات سوريا الـدّيمـقراطيّـة» -المدعـومة من أمريكا- على الرّغـم من مواجهتها لها في معاركَ مفـتوحة متعـدّدة طَـوال العشرة أعـوام الماضية.
لسنا نحسَبُ السّـبـبـيْـن المومأ إليهما رئيسيْـن -على أهـميّـتهـما- في مضمار تـفسير نجاح نظام إردوجان في كسب معركـته العسكريّـة والسّياسيّـة ضدّ سوريا وضـدّ النّظام السّابق فيها. نميـل، عكسًا من ذلك، إلى افـتـراض أثـرٍ حاسمٍ لعاملَين آخريْـن في التّمكين لنجاح النّظام التّـركيّ في ما نجح فيـه حتّى اليـوم. أوّلهما حالة الإنهاك الشّاملة التي حـلّـت بسوريا وأوصلت قُـواها إلى لحظة الوهْـن الاستراتيجيّ؛ وثانيهما ما تـلـقّـاهُ مشروع الاستـيـلاء التّـركيّ على سوريا من دعـمٍ ماديّ وسياسيّ من الولايات المتّحدة الأمريكـيّـة ودولة الاحتـلال.
فأمّا الإنهاك المتمادي لقـوى سوريا الاقـتصاديّـة والاجتماعيّـة والبشريّـة والمؤسّساتـيّـة والحياتـيّـة فلم تبـدأ فصولُـه، كما يُظَـنّ، مع أحداث «الرّبـيع العربيّ» وانـطلاقِ المواجهة المسلّحة بين القوى النّظاميّـة والفصائـل، وما تـولَّـد من تلك الحرب من دمارٍ ومـوتٍ ولجوءٍ ونزوحٍ وانهـيارٍ اقـتصاديّ شـامل...، بـل هي بدأت قـبل هـذا التّاريخ: منـذ إصدار الكونجرس الأمريكيّ «قانون محاسبة سوريا» (2003) والشّروع في حصارها الاقـتصاديّ وتشديد العقوبات الماليّـة عليها وصولًا إلى ذُروة الإنهاك في «قانون قيصر» القـاتـل (2019) الذي صدر في العهـد الأوّل لدونالد ترامپ. ومثـلما أضعف الحصار الدّوليّ المـديد العراق (1991- 2003) فأوصله إلى لحظة الوهْـن الاستراتيجيّ التي كانت بيئـةً مناسبة للغـزو الأمريكيّ - الغربيّ له ولإسقاطِ نظامـه الوطنيّ (بـل والـدّولة فيه)، كذلك أضعـفـتِ الحـربُ الدّاخـليّـة والعقـوباتُ الأمريكـيّـة سورياَ الـدّولة والمجتمع على السّـواء إلى الحـدود التي أنجبت فيها تلك الحالة من الاستـقالة الجماعيّـة لمؤسّـسة الجيش عـن النّهـوض بدورها الدّفاعـيّ والأمنيّ (من دون أن نستـبعـد احتمال اخـتراق قـياداتـه وشراء بعضها)، والتي كانت نـتيـجتـها سقوط النّـظام من تـلقـاء نفسـه.
وأمّا الـدّعم الأمريكيّ- الإسرائيليّ لتركيـا في مشروعها للسّـطو المسلّح على سوريا فـكان حاسمًا في باب التّمكين له، ولولاهُ لَـمَا جـرُؤ نظامُ إردوجان على منح الضّـوء الأخضر للفصائل المسلّـحة للتّـقـدّم في عمق الدّاخل السّـوريّ وصولًا إلى دمشق. وها هي تصريحات قادة الدّاعميْـن ووسائـل إعلامهما تُـفْـرِج، اليـوم، عن مقـدارٍ كبيـر من المعلومات عن التّـفاهمات التي أُبرمت بين القوى الثّـلاث (أمريكا، تركيا، «إسرائيل») قصد إنجاز عملـيّـة السّطو تلك على نحـوٍ من التّـنسيق المحكَم ومن إمـداد تركيا وحلـفائها بأدقّ المعلومات عن خريطة انـتـشار الجيـش، فضـلًا عن التّـشـويش الإلكـترونيّ لمنظومة اتّـصالات الجيـش السّـوريّ.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی سوریا
إقرأ أيضاً:
في احاطته أمام مجلس الأمن.. كوردوني: الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية
دمشق- أكدت الأمم المتحدة أن "الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية، شريطة بناء مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة وقادرة على تلبية احتياجات جميع السوريين".
وفي إحاطة قدمها -عبر الفيديو- أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن الوضع في سوريا، أشار كلاوديو كوردوني نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، وفق وكالة قنا القطرية،
إلى أنه من بين التطورات المؤسسية، تعيين الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرا أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وبدء مجلس الشعب الجديد جلساته هذا الشهر. وقال: "يعد تشكيل هاتين المؤسستين محطتين بارزتين في العملية الانتقالية التي حددها الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025".
وشدد كوردوني على أن ترسيخ استقلالية المؤسستين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية يشكل مكونا هاما لعملية انتقال تتسم بالمصداقية والشمول والاستدامة.
وفي شأن آخر، أعرب المسؤول الأممي عن القلق العميق إزاء استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، حيث استمرت عمليات التوغل والقصف وتحليق الطائرات المسيرة وفرض قيود على حركة المدنيين في محافظتي القنيطرة ودرعا.
وقال إن "ما يثير القلق بشكل خاص، ما وقع يومي 27 و28 يونيو الماضي، حيث أفادت التقارير بأن عناصر من الجيش الإسرائيلي قتلوا شخصين شرق خط وقف إطلاق النار قبل تنفيذ توغل بري في قرية عابدين، وأدت العملية إلى نزوح مدنيين، وتلتها عملية انتشار لقوات الأمن السورية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي".