أزمة الامتثال البيئي تلاحق شركات السيارات الأوروبية
تاريخ النشر: 18th, January 2025 GMT
قد تضطر شركات تصنيع السيارات الأوروبية بقيادة فولكس فاغن إلى شراء أرصدة كربونية بقيمة مئات الملايين من اليوروهات من شركات السيارات الكهربائية الصينية، مثل "بي واي دي"، للامتثال للمعايير الصارمة التي فرضها الاتحاد الأوروبي بشأن الانبعاثات.
وشراء الأرصدة الكربونية يعني شراء وحدات معتمدة تمثل تخفيضا أو إزالة كمية محددة من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون أو غيره من الغازات الدفيئة.
ويهدف شراء الأرصدة الكربونية إلى تعويض الانبعاثات، وتحقيق الحياد الكربوني، ودعم المشاريع البيئية (مثل مشاريع زراعة الأشجار والطاقة المتجددة).
ووفقًا لتقرير حديث نشرته فايننشال تايمز، فإن القطاع يواجه خيارا صعبا؛ دفع غرامات كبيرة، أو خفض أسعار السيارات الكهربائية لتعزيز المبيعات، أو شراء أرصدة من المنافسين.
لوائح الانبعاثات وتحديات الامتثالوتفرض لوائح المناخ في الاتحاد الأوروبي على شركات تصنيع السيارات خفض الانبعاثات بشكل كبير وإلا ستواجه غرامات كبيرة.
وبحلول عام 2025، يجب أن تقتصر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على متوسط 93.6 غراما لكل كيلومتر عبر مجموع سيارات كل شركة، حسب الصحيفة.
إعلانوأي انبعاثات زائدة ستكلف الشركات غرامة قدرها 95 يوروا (98 دولارا) لكل سيارة عن كل غرام زائد. وبالنظر إلى هذه القيود، فإن العديد من الشركات الأوروبية تكافح لتحقيق الأهداف المطلوبة بمفردها، مما يدفعها لاستكشاف حلول بديلة مثل تجميع الأرصدة.
ويشير المحللون إلى أن فولكس فاغن ورينو -وهما من أكبر الشركات المصنعة في أوروبا- هما الأكثر عرضة للخطر. وتحتاج فولكس فاغن تحديدا إلى مضاعفة مبيعاتها من السيارات الكهربائية تقريبا خلال عام واحد للامتثال للوائح، وهو تحد كبير نظرا لعدم وجود إطلاق رئيسي لطراز كهربائي جديد في خططها لعام 2025.
أما رينو، فتعول على طرح سيارة كهربائية بسعر 25 ألف يورو (25.7 ألف دولار) لمساعدتها على الامتثال.
ويُعد التجميع آلية معتمدة من الاتحاد الأوروبي تسمح للشركات المصنعة بموازنة أرقام انبعاثاتها مع الشركات التي تمتلك معدلات انبعاث أقل.
وفي حين تمكنت تسلا الأميركية بالفعل من تجميع أرصدتها مع شركات مثل ستيلانتس وفورد وتويوتا، محققة أكثر من ملياري دولار عالميًا من مبيعات الأرصدة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، فإن الشركات الأوروبية تعتمد بشكل متزايد على نظيرتها الصينية لإبرام هذه الاتفاقيات.
وتواجه فولكس فاغن ورينو خيارات محدودة بخلاف التعاون مع الشركات الصينية، مثل "سايك" و"بي واي دي"، التي تمتلك بعضًا من أكبر مجموعات الأرصدة المتاحة نظرًا لمبيعاتها العالية من السيارات الكهربائية في أوروبا.
ويشير محللو "يو بي إس" إلى أن فولكس فاغن قد تحتاج إلى أرصدة من شركات صينية عدة، فقد لا يكون لدى "بي واي دي" وحدها ما يكفي لسد العجز الكبير لدى الشركة الألمانية.
أما مرسيدس-بنز، فقد شكلت شراكة تجميع أرصدة مع شركتي بولستار وفولفو، وكلتاهما مملوكة لشركة جيلي الصينية. ومع امتلاك مؤسس جيلي لي شوفو لنحو 10% من مرسيدس، وامتلاك شركة "بايك" الصينية المملوكة للدولة 10% أخرى، فإن هذه التحالفات تعزز النفوذ الصيني في قطاع السيارات الأوروبي.
إعلان ردود الفعل السياسية والصناعيةوأثار الاعتماد المتزايد على الشركات الصينية للامتثال قلقًا سياسيا، حسب فايننشال تايمز. وانتقد عضو البرلمان الأوروبي ينس جيزيكه الاتحاد الأوروبي لسماحه بالتجميع مع الشركات غير الأوروبية، مشيرًا إلى أن ذلك يقوض القدرة التنافسية للصناعة المحلية.
ويتزايد هذا القلق بعد قرار المفوضية الأوروبية الأخير فرض تعريفات جمركية أعلى على واردات السيارات الكهربائية الصينية لحماية الصناعة المحلية.
إضافة إلى ذلك، فإن مشاركة الشركات المدعومة من الدولة تزيد من تعقيد الوضع، حيث تمتلك ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية 20% من أسهم فولكس فاغن، في حين تمتلك الحكومة الفرنسية 15% من أسهم رينو، مما يجعل التعاون مع الشركات الصينية قضية سياسية حساسة.
استجابة الشركات المصنعةوبينما لم تقرر رينو بعد إستراتيجيتها النهائية، فقد أعربت عن تحفظها تجاه التجميع، محذرة من أن هذه الترتيبات قد تضعف قطاع السيارات الأوروبي على المدى الطويل.
أما فولكس فاغن، فقد صرحت بأنها تهدف إلى تحقيق الامتثال "من خلال جهودها الخاصة" عبر توسيع أسطولها من السيارات الكهربائية بالكامل. لكنها أضافت أيضًا أنه عند الضرورة، ستقوم بموازنة التكاليف والمنافع قبل اللجوء إلى التجميع.
وصرحت مرسيدس-بنز بأن "وتيرة تحول صناعتنا تحددها ظروف السوق وعملاؤنا"، مؤكدة استمرارها في الاستثمار في السيارات الكهربائية.
وتواجه بروكسل ضغوطًا متزايدة لإعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالانبعاثات، فقد تراجعت مبيعات السيارات الكهربائية في ألمانيا وفرنسا العام الماضي بعد تقليص الحكومات دعم شراء السيارات الكهربائية.
وردًّا على ذلك، التقى مفوض المناخ في الاتحاد الأوروبي ووبكه هوكسترا مؤخرًا ممثلي الصناعة لمناقشة تعديلات محتملة على السياسات، مع التخطيط لإجراء مزيد من الحوارات الإستراتيجية خلال الأشهر المقبلة.
إعلانوبينما تظل أوروبا القارة الأسرع ارتفاعا في درجات الحرارة، ويرجع ذلك إلى قربها من القطب الشمالي، فإن التوتر بين فرض اللوائح البيئية وواقع السوق سيظل يؤثر على قطاع السيارات.
ويبقى السؤال الرئيسي: هل ستتمكن الشركات الأوروبية من تجاوز هذه الأزمة من دون خسارة مزيد من الهيمنة لمصلحة المنافسين الصينيين؟
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات السیارات الکهربائیة السیارات الأوروبی الاتحاد الأوروبی فولکس فاغن مع الشرکات بی وای دی
إقرأ أيضاً:
بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا
لم تعد المنافسة الصينية في سوق السيارات الأوروبية تقتصر على تقديم طرازات كهربائية منخفضة التكلفة، بل دخلت مرحلة جديدة تستهدف الفئة الأعلى ربحية في الصناعة، مع استعداد مجموعة من شركات التكنولوجيا الصينية لدخول سوق السيارات الفاخرة، في تحد مباشر لعلامات ألمانية عريقة مثل مرسيدس-بنز وبي إم دبليو وبورشه.
وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، تقود شركة شاومي هذه الموجة الجديدة، بعدما أعلنت خططا لدخول السوق الأوروبية العام المقبل، واختارت ألمانيا، أكبر أسواق السيارات في القارة وأكثرها تنافسية، نقطة انطلاق لاستراتيجيتها، واضعة هدفا يتمثل في أن تصبح ضمن أكبر خمس علامات للسيارات الفاخرة في أوروبا بحلول عام 2030.
ولا تتحرك شاومي وحدها، إذ تستعد شركات مثل إكس بينغ (Xpeng)، ولي أوتو (Li Auto)، وآيتو (Aito) المدعومة من هواوي، لتوسيع حضورها الخارجي، مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها في أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم.
من المنافسة السعرية إلى المنافسة التقنيةواعتمدت الشركات الصينية خلال السنوات الماضية على الأسعار المنخفضة لاختراق الأسواق الخارجية، لكن الموجة الجديدة تراهن على التكنولوجيا أكثر من السعر.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذه الشركات تقدم نفسها بوصفها شركات تكنولوجيا تصنع سيارات، وليس شركات سيارات تطور بعض التقنيات، وهو ما يظهر في تركيزها على أنظمة القيادة الذاتية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وتجربة الاستخدام الرقمية.
ولهذا السبب استعانت شاومي بمهندسين ومصممين سبق لهم العمل في بي إم دبليو وبورشه وتسلا، ضمن خطة لتطوير سيارات قادرة على منافسة العلامات الأوروبية في الفئة الفاخرة.
ويرى محللون أن المستهلك الصيني، وخاصة فئة الشباب، كان المختبر الأول لهذه الإستراتيجية، إذ نجحت هذه الشركات في بناء قاعدة جماهيرية واسعة داخل الصين قبل التوجه إلى الأسواق الخارجية.
إعلانولم يعد الوجود الصيني في أوروبا ظاهرة هامشية، فبحسب الصحيفة، استحوذت العلامات الصينية خلال النصف الأول من العام على نحو 9% من مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا، و15% في المملكة المتحدة، بينما كانت سيارة واحدة من كل عشر سيارات بيعت في أوروبا خلال مايو/أيار صينية الصنع.
وتتوقع شركة "أليكس بارتنرز" الاستشارية ارتفاع هذه الحصة إلى نحو 16% داخل الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، وهو مستوى يقترب من الحصة المجمعة للعلامات اليابانية والكورية.
أوروبا.. المعركة الأصعبورغم هذا التوسع، لا تزال الفئة الفاخرة تمثل أصعب اختبار أمام الشركات الصينية. فالعلامات الألمانية لا تبيع سيارات فحسب، بل تمتلك إرثا يمتد لعقود، وقاعدة عملاء ترتبط بالعلامة التجارية أكثر من ارتباطها بالمواصفات التقنية.
ولهذا يشكك بعض موزعي السيارات الأوروبيين في قدرة الوافدين الجدد على تغيير موازين هذه السوق، مشيرين إلى أن شركات يابانية وكورية حاولت لعقود اختراقها دون نجاح كبير.
وقال بوركهارد فيلر، رئيس اتحاد وكلاء السيارات الألمان، إن العلامات الألمانية راسخة بقوة في قطاع السيارات الفاخرة، متوقعا ألا تتمكن الشركات الصينية الجديدة من تكرار نجاحها المحلي داخل أوروبا.
هواوي تدخل من الباب الخلفيولا تقتصر المنافسة على شركات تصنيع السيارات. فبحسب فايننشال تايمز، تتحول هواوي تدريجيا إلى لاعب رئيسي في صناعة السيارات العالمية من خلال تطوير أنظمة التشغيل والرقائق الإلكترونية وتقنيات القيادة الذكية، بعد أن دفعتها العقوبات الأمريكية إلى تعزيز قدراتها في صناعة أشباه الموصلات.
وتتعاون الشركة حاليا مع ست علامات صينية، بينما تعد "آيتو" أكثرها تقدما في خطط التوسع الخارجي، مع استهداف أوروبا والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
ويرى محللون أن الموجة المقبلة لن تعتمد على خفض الأسعار كما حدث في السنوات الماضية، بل ستسعى إلى التموضع بين السيارات الصينية منخفضة الكلفة والعلامات الأوروبية الفاخرة، بما يحقق هوامش ربح أعلى.
لكن هذا التوجه لا يخلو من المخاطر، إذ يخشى بعض الخبراء انتقال حرب الأسعار التي يشهدها السوق الصيني إلى أوروبا، وهو ما قد يضغط على الشركات الألمانية حتى في الفئات الأعلى سعرا.
وقال تو لي، مؤسس شركة "ساينو أوتو إنسايتس"، إنه سيكون قلقا لو كان مسؤولا في مرسيدس أو بي إم دبليو أو بورشه، لأن المنافسة المقبلة لن تدور حول السعر فقط، بل حول التكنولوجيا أيضا.
تحديات ما بعد البيعورغم الزخم الذي تتمتع به الشركات الصينية، فإن نجاحها في أوروبا سيعتمد على عوامل تتجاوز جودة السيارات.
فالعديد من هذه الشركات يعتمد على البيع المباشر للمستهلكين عبر متاجره الخاصة، بدلا من شبكات الوكلاء التقليدية، وهو نموذج لم يحقق نجاحا كبيرا في أوروبا، واضطرت بعض الشركات الصينية إلى التخلي عنه لاحقا.
كما يثير خبراء تساؤلات حول قدرة هذه الشركات على توفير قطع الغيار، والدعم الفني، والتحديثات البرمجية على مدى سنوات طويلة، وهي عوامل تشكل جزءا أساسيا من تجربة امتلاك السيارات الفاخرة.
إعلانولا تبدو المنافسة المقبلة مجرد سباق على زيادة المبيعات، بل تمثل اختبارا لقدرة شركات التكنولوجيا الصينية على تحويل تفوقها في البرمجيات والذكاء الاصطناعي إلى مكانة راسخة داخل واحدة من أكثر الأسواق ولاء للعلامات التجارية في العالم.
فإذا نجحت شاومي ورفيقاتها في اختراق الفئة الفاخرة، فلن يكون ذلك مجرد توسع جديد للصناعة الصينية، بل بداية تحول في موازين المنافسة العالمية داخل قطاع السيارات، حيث تصبح التكنولوجيا، وليس التاريخ الصناعي وحده، العامل الحاسم في تحديد الفائزين.