عادل الباز يكتب: ماذا يعني تحرير القصر؟
تاريخ النشر: 23rd, March 2025 GMT
1 هو المكان الذي قُتل فيه غردون باشا في 26 يناير 1885، ومنه بدأ غروب شمس الإمبراطورية العظمى عن بلادنا. ذات الموقع الذي رُفع فيه علم استقلال السودان، والذي تصارعنا فيه وعليه منذ استقلالنا عبر كل ثوراتنا وانقلاباتنا المتعددة، وهو الوجهة التي نقصدها كلما ضاقت بنا الحيل ليجد لنا حلًا.
2
هو البلاط الذي تتشكل فيه حكوماتنا وتسقط على عتباته.
3
هذا القصر لطالما صبر على عبثنا السياسي، نحن طلابًا كلما ضاقت بنا السبل توجهنا إلى محيطه وعلت حناجرنا بالهتاف: “إلى القصر حتى النصر”. لم نحقق يومًا نصرًا، وكنا نعود كل مرة أدراجنا إلى ساحات قهوة النشاط نحكي عن بطولاتنا في مقاتلة “البمبان”.
رفع في ساحته المحجوب والأزهري راية استقلالنا عام 1956، وفيه أعلن عبود استقالته، وكذلك سر الختم الخليفة وحمدوك.
هو المكان الذي اختبأ فيه عبد الخالق محجوب أثناء انقلاب هاشم العطا عام 1971، ومن فوق حوائطه قفز النميري ليعود مجددًا إلى السلطة.
في دهاليزه، أعلن البشير استلامه للسلطة، وفي ساحته الخارجية، بعد ثلاثين عامًا، رفض التنحي عنها!
هو الموقع الذي وُقعت فيه الوثيقة الدستورية عام 2019، وللمفارقة هو نفس “الحِتة” التي عصف فيها الرئيس البرهان بذات الوثيقة الدستورية إبّان حركته التصحيحية عام 2021.
بين حوائطه، أدى حمدوك القسم رئيسًا لوزراء الثورة عام 2019، وفيه أدى ذات حمدوك القسم رئيسًا لوزراء ما سماه لاحقًا “انقلاب 25 أكتوبر 2021”!!
عمومًا، هو الجغرافيا التي يُطبخ فيها كل شيء، وتُحاك فيها المؤامرات والدسائس، وتُتخذ فيها القرارات الكبرى.
أخيرًا، هو القصر الذي فقدناه، ليس بالحرب ولا بالقتال، ولا بهزيمتنا من الأوباش، إنما بالتآمر الرخيص من قوات كانت مؤتمَنة عليه لأنها كانت جزءًا من الدولة.
4
رغم ذلك، ظل هو رمز عزّتنا وبهجتنا، ومصدر سرورنا. لم نره كئيبًا كما رأيناه يوم تآمر عليه الأوباش واستولوا عليه ودمّروه. كان دائمًا مزهرًا وجميلًا، نائمًا على ضفة الأزرق بلا قلق.
5
اليوم عاد القصر إلى حضن وطنه عودًا حميدًا مستطابًا. عودته لا تعني فقط استرداد بعض من ذاكرتنا وتاريخنا، بل تعني أن الوطن يتعافى الآن ويحصد أجمل ثمار تضحياته في موقعة الكرامة.
6
عودته تؤكد أن معركة هامة وحاسمة في مسيرة تحرير الوطن قد تم خوضها وكسبها بتضحيات كبيرة تستحقها رحم الله شهداء معارك القصر وكل شهدائنا:
“كل جرح في حنايانا يهون
حين يغدو ملهماً يوحي لهم
جرحنا دامٍ ونحن الصامتون
حزننا جمٌ ونحن الصابرون
فابطشي ما شئتِ فينا يا منون.”
7
وتعني عودته أن معارك أخرى أصغر وأقل أهمية لا تزال تنتظرنا في العاصمة، بعض الجيوب في المقرن وبعض الجيوب في شرق الخرطوم، إلى معركة المدينة الرياضية وأخرى في جبل أولياء، إضافة إلى مواقع في غرب وجنوب أم درمان. سينتهي أمر الميليشيا التي لن تذوق عافية بعد القصر، ذلك الذي قال البُعاتي إنه لن يخرج منه، وفعلاً لم يخرج جنوده منه إلا جثثًا.
تحرر القصر فزغردت المشتركة في الصحارى مبتهجة بانتصاراتها في المالحة وتحرير القصر، وازدادت الفاشر ودارفور كلها ثقة. واطمئنوا بأن زحف المتحركات جميعها قريبًا سيتجه لتحرير دارفور، ونرجو ألا تتوقف ولا تنجم المتحركات إلا في أنجمينا!!
8
تحرير القصر يعني عودة الروح للعاصمة، وبذا يمكن أن تعود كل الدواوين الحكومية إلى مقارها وتبدأ العمل بعد وقت قصير. وذلك يعني أن من يتحدثون عن حكومة بورتسودان لن يجدوا هراءً آخر يتكئون عليه، وأن من يحلمون بحكومة “مزازية” تشكل تهديدًا لحكومة القصر الشرعية التي يدعمها الشعب إنما يدغدغون أحلامهم وأوهامهم ويدهنونها بالأكاذيب. إن الحكومة الحقة القادمة ستُعلن بإذن الله من داخل القصر الجمهوري المستعاد بعد استكمال تحرير العاصمة.
9
عودة الروح إلى القصر تعني عودة الروح إلى جسد السودان، ومنه ستطل “آخر شهرزاد”، وتحل في “البلد الأمين”،
“وخريفه يسخو وتمتلئ الضروع
نواعم الأيام من ذهبت تُبادر الآن بالرجوع.”
عادل الباز
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما تفقد المفاوضات قدرتها على إنتاج الحلول، وعندما يُصبح السلاح أكثر قدرةً على تغيير الوقائع من الكلمات، تتحول الدبلوماسية إلى شاهد على الأحداث بدلًا من أنّ تكون صانعتها، هذا هو المشهد الذي يقترب منه العالم اليوم؛ مساحة التفاوض تنكمش، بينما تتسع خرائط المواجهة العسكرية بصورة غير مسبوقة.
لسنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُدير أزماتها الكبرى وفق معادلة مزدوجة، تفاوض من جهة، وضغط عسكري من جهة أخرى، لم يكن الهدف الحرب، بل استخدام احتمالها لتحسين شروط السلام.
لكن ما يجري اليوم في إيران منذ أواخر فبراير الماضي يُوحي بأنّ هذه المعادلة بدأت تميل بصورة واضحة نحو القوة، وأنّ المؤسسة السياسية في واشنطن أصبحت أكثر اقتناعًا بأنّ بعض الخصوم لا يغيّرون سلوكهم إلا تحت وقع الضربات، وليس تحت ضغط البيانات الدبلوماسية.
داخل الإدارة الأمريكية يزداد نفوذ المدرسة التي ترى أنّ المفاوضات الطويلة تحولت إلى فرصة تمنح الخصوم وقتًا لإعادة بناء قدراتهم، وتطوير برامجهم العسكرية، وتوسيع نفوذهم الإقليمي، أصحاب هذا الاتجاه لا يرفضون التفاوض من حيث المبدأ، لكنهم يرفضون التفاوض الذي لا يغيّر شيئًا في موازين القوى، بالنسبة إليهم، القوة ليست بديلًا عن السياسة، بل هي أداتها الأكثر تأثيرًا.
هذه المدرسة ليست جديدة في الفكر الأمريكي، فقد حضرت في إدارات جمهورية وديمقراطية على السواء، لكنها تستعيد نفوذها كلما تصاعدت الأزمات، وازدادت الهجمات على المصالح الأمريكية أو مصالح الحلفاء. وهي ترى أنّ التردد في استخدام القوة يرفع كلفة المواجهة لاحقًا، وأنّ الضربة المبكرة أقل ثمنًا من حرب مؤجلة بعد سنوات.
في المقابل، لا تزال هناك أصوات داخل الإدارة الأمريكية ومؤسسات الأمن القومي والدبلوماسية تُؤمن بأن القوة تستطيع إسقاط أهداف، لكنها لا تستطيع بناء استقرار، وتعتقد أنّ أي حرب جديدة في الشرق الأوسط لن تكون نسخةً من الحروب السابقة، بل ستكون أكثر اتساعًا، وأعلى تكلفةً، وأشد تأثيرًا على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية، بالنسبة إلى هذا التيار، فإنّ السلام السيئ يبقى أفضل من حرب جيدة.
غير أنّ المشكلة لم تعد في وجود تيارين داخل واشنطن، بل في أنّ الوقائع الميدانية تمنح الأفضلية يومًا بعد آخر لأنصار القوة، فكل هجوم جديد، وكل تعثر تفاوضي، وكل تصعيد إقليمي، يُضعف حجج دعاة التسوية، ويُقوي موقف من يُطالبون بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع المباشر.
والمفارقة أنّ الأطراف الأخرى تسير في الاتجاه نفسه، فكل طرف يعتقد أنّ الوقت يعمل لصالحه، وأنّ خصمه هو الذي سيضطر إلى تقديم التنازل أولًا، وهكذا يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى حلول إلى أداة لكسب الوقت، بينما تتحول القوة من ورقة ضغط إلى خيار يقترب تدريجيًا من التنفيذ.
هذا التحول يحمل دلالةً أخطر من مجرد احتمال اندلاع مواجهة جديدة؛ فهو يعكس تراجع الثقة في قدرة الدبلوماسية نفسها على إدارة الأزمات، فعندما يفقد القادة ثقتهم في نتائج التفاوض، يبدأون بالاعتماد على القوة لتغيير الوقائع، ثم يعودون إلى طاولة الحوار بعد أنّ تكون الخرائط قد تغيرت.
السؤال، هل تقع مواجهة عسكرية؟ وما حجمها؟ وأين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ فالسيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا عالميةً شاملةً، وإنما سلسلة من المواجهات المتدرجة، تبدأ بضربات محدودة، ثم تتوسع إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير رد فعل الآخر، هذا النوع من الحروب أكثر خطورةً؛ لأنه لا يمنح أحدًا فرصةً لإعلان النصر، ولا يسمح في الوقت نفسه بإعلان نهاية واضحة للصراع.
ومن المرجح أنّ تُصبح المنطقة أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف أكثر منها مرحلة الحسم، عمليات عسكرية متقطعة، وهجمات عبر الوكلاء، وضغوط اقتصادية، وحروب إلكترونية، واستهداف للممرات البحرية، ومحاولات لإعادة رسم توازنات الردع، إنها مواجهة لا تبحث عن الانتصار الكامل، بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيقه.
ومع مرور الوقت، ستزداد كلفة هذا المسار على الجميع، فالدول الكبرى ستدفع ثمن اضطراب الأسواق، والدول الإقليمية ستتحمل أعباء عدم الاستقرار، والاقتصاد العالمي سيدفع فاتورة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، بينما ستصبح الممرات البحرية جزءًا من ساحات الصراع لا مجرد طرق للتجارة.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإنّ باب التفاوض لن يُغلق بالكامل، فالتاريخ يعلمنا أنّ القوى الكبرى تتفاوض غالبًا وهي تقاتل، وتتبادل الرسائل عبر الوسطاء حتى في أشد لحظات التصعيد، لكن الفارق أنّ التفاوض المقبل لن يُشبه التفاوض السابق؛ سيكون تفاوضًا تُحدده نتائج الميدان أكثر مما تحدده النصوص الدبلوماسية.
إنّ العالم يقف أمام لحظة انتقالية، ليس لأن الحروب أصبحت أكثر احتمالًا، بل لأن الإيمان بقدرة السياسة على منعها أصبح أضعف، وكلما انكمشت مساحة التفاوض، اتسعت مساحة المخاطرة، لأن الحرب، مهما بدت خيارًا محسوبًا عند بدايتها، كثيرًا ما تنتهي إلى نتائج لم يخطط لها أحد.
ربما يكون أخطر ما في المرحلة الحالية أنّ الجميع يتحدث عن السلام، لكن الجميع يستعد للحرب، وبين الخطابين تتحدد ملامح النظام الدولي الجديد؛ نظام تُكتب قواعده على طاولات التفاوض، لكن تُرسم حدوده في ميادين القتال.