جيل ألفا وما بعده في معرض الكتاب
تاريخ النشر: 25th, May 2025 GMT
تعمدت في معرض مسقط الدولي للكتاب الأخير أن أبدأ من أقصى يمين المعرض حيث الجناح العماني، كنت في قرارة نفسي قد قررت أن هذا اليوم هو الأول لزياتي وبالتالي لن أنفق المال على أيّ من الكتب التي سوف تصادفني، تغيرا في استراتيجيتي الفاشلة لسنوات ماضية والتي تعتمد على قائمة منتقاة وبأسماء دور نشر محددة وفي مجالات محددة، حيث لم تكن هذه الطريقة صالحة فأجدني قد ملأت شوالا من البلاستيك بكتب ما سجلتها في القائمة، وكأن الأخيرة قائمة مشتريات المنزل التي أيضا لا أحسن إدارتها فأشتري أكثر من حاجتي وأشياء أخرى لا توجد في القائمة وأغفل عن أخرى مسجلة.
بعد مروري على دار ودارين وثلاث وقد استوقفتني تلك الكتب التي تطبع لصالح التعريف بالمكانات الفكرية والأدبية العمانية سواء تلك التي تتعلق بالأماكن أو بالأسماء مع ما تحتويه تلك النوادر من تاريخ وتأريخ للمكان والزمان والإنسان، في أحيان كثيرة أجدها تسابق لعرض سير وأخبار وقصص وأشعار ونماذج تأصيلية لأسماء لها عشرات النتاجات أو لتعريفات لا تقدم كثيرا للجانب المعرفي الحالي القائم على فلسفات وجدليات العلوم الإنسانية ومدارسها المختلفة.
شدتني إحدى دور النشر المشاركة في المعرض وكم النتاجات الحديثة والمتنوعة لأسماء عمانية شابة وجديدة ومتوهجة من عناوينها أو العارضين لها خلف مصطبة المبيعات ومحاولات الإقناع بالشراء، وعندما أخذت أقلب ما يشبه «النوفيلا القصيرة» إذ بإحداهن تخبرني بأن كاتبة تلك الرواية موجودة وسيسرها أن توقع لي وأن أحمل رواية موقعة من كاتبها أو بالأحرى كاتبتها، كما أنه توجد فلانة صاحبة رواية كذا وهي تلك الواقفة هناك، وتوجد مجموعة قصصية لفلان وهو الواقف هنا، وتلك الرواية لفلانة وهي تلك! كانت كل تلك الوجوه جديدة بالنسبة لي، سرى هاجس بأني مبتعد عن الساحة الأدبية ومقل في حضور فعالياتها، وهو ما أعرفه وأطمئن له، لذا فتحت حوارا مع كاتبة تلك الرواية الصغيرة، بدأت بتهنئتها بالإصدار وأنه لشيء مفرح أن ترى الكتابات الشابة واليانعة تزهر في معرض الكتاب، فاجأتني بأن هذا إصدارها الثالث وأنها قد طبعت من قبل إصدارين وتناوشتهما من بين العناوين في تلك المصطبة وقد راكمتهم في يديها لكي آخذهما، وكان السعر بالنسبة لي مرتفعا حيث وكما أسلفت أعلاه عن توجهي التسوقي في هذا المعرض فابتكرت طريقة مهذبة للاعتذار بأنني نسيت محفظتي ولكن وبلا شك ستكون لي عودة للمكان. فسألتها إن كانت قد نشرت شيئا من أعمالها أو كتاباتها أو قد حضرت في مناشط ثقافية كالتي تقيمها المؤسسات كالنادي الثقافي أو المنتدى الأدبي أو غيرها، فاجأتني بأنها أبدا لم تفعل وعندما لحقها السؤال الثاني في مصفوفة ديكارت ولماذا لم ترتبك أو يزعجها السؤال وإنما أجابت بسؤال مواز وما الفائدة؟ وهكذا كنت أجيب وتسأل وتجيب وأسأل، ومما سبق اكتشفت بأنها وكافة أصحاب الأعمال والإصدارات أو جلهم في تلك الدار لم يشاركوا أو ينشروا في الملاحق الثقافية أو المجلات الأدبية أو حتى لم يحضروا الفعاليات التي تنظمها المؤسسات الثقافية، وأن هذا اهتمام شخصي ومهارة مكتسبة تتشارك مع مجموعة من الأصدقاء والناتجين لها في محيطها وغير معنية بالآخرين.
كان ذلك تصريحا غريبا لكاتبة في بداياتها، ومع هذا وجدت طريقي بين الجموع لأنسل إلى دار أخرى، وكالعادة لا بد أن تجد أحد معارفك وربما أصحابك في ذات الدائرة المهتمة بالأدب وما ينتجه القلم، ومع السلام عرفني على كاتبة كانت توقع على إصدارها وتحتفي به مع باقة ورد عملاقة من زوجها الذي يقف بجانبها، ناولني صاحبي روايتها وقال لي لندعمها، ولكن ظلت حبيسة في داخلي ولم تخرج للساني، وفعلا وقعت لي على روايتها وأضافت أنه الإصدار الثاني وأني يجب أن اقرأ الإصدار الأول وهكذا وفي سوق الكتب أخذت كتابين من دون أن أخطط لذلك.
وفي يوم لاحق لمعرض الكتاب مررت على تلك الدار التي تنشر للأسماء الشابة ومجموعة من الأسماء العريضة والشابة من العمانيين والعمانيات، ولم أجد أصحابها ولكني سألت عن الدار وطبيعتها وكيف تعمل لاكتشف أنها كانت مكتبة لبيع القرطاسيات وفي غضون سنتين سابقتين تحولت لدار نشر ويمكنك بمبلغ رمزي أن تمتلك كتابك الخاص بك، كرواية أو ديوان شعري أو مجموعة قصص قصيرة أو في التنمية البشرية أو حتى في الفلسفة الابيوقراطية.
تذكرت لقاء بمجموعة من الصحفيين والكتاب السعوديين في مهرجان ثقافي في مدينة فاس المغربية قبل عشر سنوات عندما سألتهم عن مذكرات جميلة توثق لمرحلة بأصدائها وطبيعتها بعنوان (مذكرات موظفة سعودية) للكاتبة السعودية فاطمة الفقيه وكان جوابهم بأنهم لم يسمعوا به، وكنت مندهشا، حيث إننا تعودنا على أن نسمع وأن نقرأ إصدارات كتابنا خاصة إذا كانت تحمل شيئا جديدا ومختلفا وإضافة في مجالها وأحيانا كثيرة دعما للكاتب أو الكاتبة، كيف؟ قالوا بأنك تصبح على إصدارات وتمسي على إصدارات وكأن الكتابة أصبحت ممارسة مشروعة للجميع ومن كل الزوايا، إنه عالم لامحدود وعالم مندلق وبصخب لا يمكن حصره، لم أستوعب ذلك لحظتها، ولكن في آخر معرض للكتاب كان ذلك واضحا، إنه عالم متدفق ومتنوع.
عندما عدت للمنزل تفاجأت بأن زميلي بالعمل وفي مجموعة المراسلة الضيقة بالعمل (whatsup) قد أرسل مقتطفا من رواية يضعني فيها باسمي وقبيلتي كبطل لها، وكان نصا فنتازيا طويلا مليئا بالتشويق واللغة السلسة والأحداث الدرامية، وبما أني أعرف زميلي فأنا متأكد بأنه يستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي (chatgpt) في توليد ذلك النص، وعلى قدر ما أحسست بعدم الراحة لذلك إلا أنني جاريته، فرددت عليه بنص يظهر هو فيه باسمه وقبيلته لرواية رومانسية، وهكذا في غضون نصف ساعة كانت هناك روايتان مختلفتان يقرأها زملاؤنا الآخرون في تلك المجموعة الواتسبية، بما تحمله من وصف وأحداث وتشويق وسلاسة، وعندما التقينا بالعمل ومن باب الدعابة كان حديث المشاركين حول تلك الروايتين، بل وصل الأمر أن أحدهم طالب بالتكملة لأن الكاتبين استطاعا أن يربطاه بنصهما وهو في حياته لم يقرأ قصة أو رواية ويكملها.
وللعودة حول ما اشتريته من المعرض بسبب رعونة صاحبي لدعم الكاتبة فقد اكتشفت بأنها كتابات جيدة في الكتابين، وبأن لديها أسلوب سردي جميل، وتمتلك أدوات الكتابة الأدبية الفنية من رسم الشخوص وإدارة الحدث وصولا للعقدة وسلاسة اللغة بل وحتى توظيف الخيالي في رسم الأحداث بطريقة غير فجة أو مفارقة، ولكني لم أتواصل معها لمعرفة أكثر حول الكاتبة ونصوصها وطبيعة قلمها، فمن الإجحاف الزج بها مع الذكاء الاصطناعي إن كانت هي من أبدع تلك النصوص وأيضا من الخسران إن كان الذكاء الاصطناعي هو من صاغ تلك النصوص الجميلة.
اليوم ومع التقدم العلمي والتقني الداخل في شتى مناحي الحياة يلتهم الذكاء الاصطناعي كل ما هو فريد وكل ما هو خاص، ويصبح من الصعب التفريق بينه وبين الإبداع البشري، وإن كانت هناك محددات وخاصة في الكتابة الأدبية فربما هي التسلسل المرن وربما العسير في الإنتاج السابق، في التجارب والنضج، في التدرج، يفرض الواقع التقني والذكاء الاصطناعي اليوم إيجاد مفاهيم جديدة تطويرية لمواكبة كل هذا الغزو الضخم للمعرفة والتدفق اللامحدود للإنتاج ولصياغة عالم تبدو ملامحه قريبة من الإنسان بعد خمس سنوات أو عشر سنوات أخرى، أسئلة من قبيل إلى أين سيصل بنا أو إلى أين يقودنا؟ أو ما البوصلة والمعيار وما هي الجودة وما هي المخاطر وما هي المنافع؟ كلها أسئلة تتفتق من واقع قادم وواقع شرس لا يهتم بالسؤال قدر اهتمامه بإنتاج أنماطه ومعايريه الخاصة والمتقدمة عند جيل ألفا وما بعده من القادمون الجدد.
سلطان العزري كاتب وقاص عماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
أكد رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي الكتاب يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا يلتقي خلاله الناشرون والمفكرون والكتاب والقراء في حوار مفتوح حول قضايا الفكر والإبداع والتنمية، مضيفا أن هذا النموذج هو ما تحتاج إليه المجتمعات العربية في ظل ما يشهده العالم من تحولات معرفية وتكنولوجية متسارعة.
وأكمل - في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط- أنه يعد أحد أهم المعارض الثقافية في المنطقة العربية، مشيرًا إلى أنه يحظى بمكانة خاصة لديه، باعتباره أحد المشاركين في تأسيسه منذ انطلاقته، عندما كان يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، في إطار التعاون الوثيق بين الاتحاد ومكتبة الإسكندرية.
وقال رشاد، إن المعرض نجح على مدار سنواته في ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المنصات الثقافية العربية، حتى أصبح ضمن قائمة المعارض المعتمدة لدى اتحاد الناشرين العرب، وهو ما يعكس مكانته المهنية والثقافية، والثقة التي يحظى بها بين الناشرين والمؤسسات الثقافية في العالم العربي.
وأوضح أن مدينة الإسكندرية تمتلك خصوصية ثقافية وحضارية فريدة، فهي مدينة ارتبط اسمها عبر التاريخ بالعلم والمعرفة والفلسفة، ولا تزال تحتفظ بجمهور قارئ يتميز بالوعي والاهتمام بالكتاب، وهو ما يجعل المشاركة في معرضها هدفًا يحرص عليه الناشرون من مختلف الدول العربية.
وأشار إلى أن الإقبال الكبير من دور النشر للمشاركة في الدورة الحالية يعكس المكانة المتنامية للمعرض، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من دور النشر تقدمت بطلبات للمشاركة، إلا أن الطاقة الاستيعابية الحالية حالت دون مشاركة الجميع، معربًا عن أمله في التوسع مستقبلًا بما يسمح باستقبال المزيد من الناشرين المصريين والعرب.
وأكد رشاد أن مكتبة الإسكندرية تمثل صرحًا ثقافيًا عالميًا ومنارة للمعرفة الإنسانية، استطاعت أن تستعيد الرسالة التاريخية للمكتبة القديمة، وأن تقدم نموذجًا معاصرًا يجمع بين الحفاظ على التراث والانفتاح على أحدث ما أنتجه الفكر الإنساني.
وأضاف أن المكانة الدولية التي تحظى بها مكتبة الإسكندرية تتجسد في طبيعة مجلس أمنائها، الذي يضم شخصيات دولية وعربية بارزة، بما يعكس التقدير العالمي للدور الذي تقوم به في دعم الثقافة والبحث العلمي والحوار بين الحضارات، مؤكدًا أن المكتبة أصبحت إحدى أهم المؤسسات الثقافية التي تمثل القوة الناعمة المصرية على المستويين العربي والدولي.
وقال إن إقامة معرض دولي للكتاب داخل مكتبة الإسكندرية تضفي عليه قيمة استثنائية، لأن الزائر لا يأتي إلى معرض للكتاب فحسب، وإنما يدخل إلى فضاء معرفي متكامل يحتضن الكتب والمخطوطات والمتاحف ومراكز البحث والأنشطة الفكرية، وهو ما يمنح المعرض طابعًا حضاريًا يميزه عن كثير من المعارض الأخرى.
وشدد رئيس اتحاد الناشرين العرب على أن الكتاب سيظل الركيزة الأساسية لصناعة الوعي الإنساني، مهما شهد العالم من تطور في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، مؤكدًا أن المعرفة الرصينة تبدأ من الكتاب، وأن المجتمعات التي تحافظ على القراءة وتشجع النشر هي الأكثر قدرة على مواجهة التطرف والشائعات وخطابات الكراهية وبناء أجيال تمتلك الوعي والنقد والإبداع.
وأضاف أن صناعة النشر ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي رسالة حضارية تسهم في حماية الهوية الوطنية، والحفاظ على اللغة العربية، وتعزيز قيم التسامح والانفتاح، ونقل الخبرات والمعارف بين الشعوب، مؤكدًا أن الناشرين العرب يؤدون دورًا محوريًا في دعم التنمية الثقافية وبناء الإنسان العربي.
وأكد أن مكتبة الإسكندرية ستظل رمزًا للإشعاع الثقافي والفكري في مصر والعالم العربي، وأن معرضها الدولي للكتاب أصبح موعدًا سنويًا ينتظره المثقفون والناشرون والقراء، لما يقدمه من نموذج يجمع بين المعرفة والإبداع والحوار، ويؤكد أن الثقافة تظل الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأمم، وأن الكتاب سيبقى الوعاء الأهم لحفظ الذاكرة الإنسانية وصناعة المستقبل.