منذ أكثر من قرن، استخدم علماء النفس اختبار بقع الحبر، الذي ابتكره السويسري هيرمان روشاخ عام 1921، لاستكشاف أعماق النفس البشرية. يعتمد الاختبار على عرض بقع حبر متماثلة وغامضة على المفحوص، وطلب وصف ما يراه. الفكرة تقوم على ظاهرة «الباريدولياش، أي ميل الإنسان لابتكار معانٍ مألوفة في أشكال عشوائية، كالتعرف على وجوه في الغيوم أو على سطح القمر.


قد يرى أحدهم فراشة، بينما يراها آخر جمجمة، وكلا التفسيرين، وفق مؤيدي الاختبار، يعكس طريقة التفكير. ورغم الجدل حول صلاحيته اليوم واعتباره أداة متقادمة، ما زال يُستخدم في بعض المناطق، بل يُستشهد به في المحاكم. علماً أن روشاخ نفسه لم يبتكره لقياس الشخصية، بل للكشف عن اضطرابات التفكير، خاصة لدى مرضى الفصام.
لكن ماذا يحدث إذا عُرضت هذه الصور على «عقل» لا يملك خبرات أو مشاعر بشرية؟ ماذا سيرى الذكاء الاصطناعي في هذه البقع؟

خفاش أم عثة؟

مع تطور النماذج متعددة الوسائط مثل ChatGPT، أصبح بالإمكان تقديم صور للذكاء الاصطناعي وتحليل ردوده. في تجربة عملية، حسب ما ورد في مقال على موقع (بي بي سي) الإخباري، عُرضت خمس بطاقات من أصل عشر مستخدمة في اختبار روشاخ على ChatGPT. عند رؤية البطاقة الأولى، التي يفسرها البشر عادة كخفاش أو فراشة أو عثة، وصفها النموذج بأنها صورة متماثلة قابلة لتفسيرات متعددة، قبل أن يرجح أنها أقرب لخفاش أو عثة بأجنحة ممدودة.
يقول كوين ديكر، مطور برمجيات هولندي سبق أن أجرى تجربة مشابهة: «النموذج يتعرف على أنماط وأشكال وملمس في البقع، ثم يقارنها بكمّ هائل من ردود البشر المخزنة في بياناته».

الوهم البشري
ترى الأخصائية النفسية إيفا كوبيلوت أن ChatGPT يعطي إجابات شبيهة بالبشر، لكنه لا «يفكر» فعلاً، بل يعيد تركيب ما تعلمه. وتشبه الأمر بموسيقي لم يعش تجربة حب لكنه يكتب أغنية مؤثرة عبر تحليل أغانٍ مشابهة.
أما الدكتور شاندريل غوش من جامعة كِنت فيرى أن جزءاً من وهم «تفكير» الذكاء الاصطناعي يأتي من طريقة تسويقه كأداة ودودة وقريبة من الإنسان. التجربة أثبتت أنه عند عرض الصورة نفسها على النموذج مرة ثانية، قد يقدم إجابة مختلفة كلياً – على عكس البشر الذين يميلون للثبات على تفسير واحد.

خطر البيانات
أبرز مثال على أثر بيانات التدريب يأتي من معمل «ميديا لاب» في MIT، حيث دُرّب نموذج أُطلق عليه اسم «نورمان» على صور عنيفة من الإنترنت. النتيجة: كل تفسيراته لبقع الحبر كانت دموية، بخلاف النماذج المدربة على بيانات طبيعية، ما يبرهن أن مخرجات الذكاء الاصطناعي انعكاس مباشر لمحتوى تدريبه.

ما لا يمكن تقليده
اختلاف ردود الذكاء الاصطناعي على صورة واحدة يكشف عن فجوة جوهرية: غياب المشاعر والدلالات الرمزية. تقول كوبيلوت: «النموذج لا يمكنه إدراك المعنى الرمزي أو الصدى العاطفي الذي قد يحمله الإنسان تجاه صورة معينة».
ويضيف غوش: «العقل البشري يعيش صراعات داخلية بين الرغبات والمبادئ أو المخاوف والطموحات، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي بمنطق صافٍ، بلا تناقضات، وهي جوهرية في التفكير وصنع القرار الإنساني».
في نهاية المطاف، يكشف اختبار روشاخ القديم عن الفجوة الكبيرة بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. رغم تطور قدرات النماذج الذكية في تحليل الأنماط والصور، يبقى الذكاء الاصطناعي محدودًا في فهم العواطف والرموز التي تشكل جوهر التجربة الإنسانية. وهذا يؤكد أن العقل البشري، بتعقيداته وصراعاته الداخلية، لا يمكن استبداله بأداة تعتمد على البيانات فقط، ما يجعل الذكاء الاصطناعي مساعدًا قويًا لكنه ليس بديلاً عن الفهم الإنساني الحقيقي.

أسامة عثمان (أبوظبي)

أخبار ذات صلة نجاح استزراع الأسماك المحلية بنظام الأقفاص البحرية في جزيرة دلما عيسى عبيد يبتكر تطبيقاً ذكياً لخدمة الصحة المجتمعية

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية علم النفس الذكاء الاصطناعي التوليدي تشات جي بي تي الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟

بين كتابة النصوص، والتعليق الصوتي، والمونتاج، وتصميم الصور المصغرة، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في معظم مراحل إنتاج الفيديوهات على يوتيوب، الأمر الذي أثار مخاوف صناع المحتوى بشأن مصير إيراداتهم من الإعلانات.

أصدرت يوتيوب توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منتصف يوليو (تمًّوز)، وأكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، ويرتبط الأمر بطريقة استخدامه.

القنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأقدر على الحفاظ على عائداتها، ويرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.

ولحسم هذا الجدل، أصدرت المنصة توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منذ منتصف يوليو (تموز) الجاري، أكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، وإنما يرتبط الأمر بطريقة استخدامه؛ فالفيديوهات التي تعتمد على قوالب متكررة وإنتاج واسع النطاق من دون قيمة مضافة أو معالجة أصلية من صانع المحتوى نفسه قد تصبح غير مؤهلة لتحقيق الدخل.

لهذا، أعادت المنصة تسمية سياسة "المحتوى المتكرر" إلى "المحتوى غير الأصيل"، في خطوة تستهدف توضيح المعايير المطبقة بالفعل، وليس استحداث قواعد جديدة.

كما أشارت إلى أن التقييم لا يكون لفيديو بعينه، إنما تنظر إلى القناة بوصفها وحدة متكاملة، فتراجع موضوعها الرئيسي، وأكثر المقاطع مشاهدة، وأحدث الفيديوهات المنشورة، إضافة إلى العناوين والوصف والبيانات التعريفية، لرصد ما إذا كان المحتوى يعكس مساهمة حقيقية من صاحبه، أم يعتمد على إنتاج آلي متكرر.

3 أنواع من المحتوى تحت المجهر

وحددت يوتيوب ثلاثة أنماط رئيسية من المحتوى تعرّض القنوات لفقدان الإعلانات، يأتي في مقدمتها المحتوى النمطي أو المتكرر، مثل الفيديوهات التي تعتمد على قالب واحد مع تعديلات طفيفة، أو عروض الشرائح المصحوبة بتعليق محدود، أو النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من دون إضافة رأي أو تحليل أو تجربة يقدمها صاحب القناة.

وتضم الفئة الثانية المحتوى الذي يعتمد على الإثارة أو الصدمة لجذب المشاهدات، بما في ذلك القصص المتشابهة، والصور المضللة، والمقاطع التي تفتقر إلى تسلسل منطقي أو سرد متماسك. والفئة الثالثة، تتعلق باستخدام شخصيات أو مقدمي برامج مولدين بالذكاء الاصطناعي في موضوعات حساسة مثل الصحة، القانون، المال والسياسة، إذا جرى تقديمهم على أنهم خبراء حقيقيون، بما يضلل المشاهدين ويؤثر بالسلب على حياتهم الشخصية.

لذلك توصي المنصة بعدم استخدام الألقاب أو الملابس أو التصاميم التي تمنح المشاهد انطباعاً خاطئاً بشأن حقيقة هذه الشخصيات، مع ضرورة توضيح أنها شخصيات خيالية إذا كانت تستخدم لأغراض تعليمية أو ترفيهية.

الإبداع للإنسان.. والأداة للتنفيذ

ولم تغفل يوتيوب التأكيد على أن استخدام قالب ثابت أو هوية بصرية موحدة للقناة لا يمثل مخالفة في حد ذاته، فالكثير من القنوات الناجحة تعتمد أسلوباً ثابتاً في التقديم والإخراج، لكن الفارق يكمن في مضمون كل فيديو. لهذا تنصح المنصة صناع المحتوى بمراجعة مقاطعهم المصورة بصورة دورية، ومقارنة الحلقات الحديثة ببعضها، للتأكد من أن كل فيديو يبدأ بسؤال مختلف، أو يناقش فكرة جديدة، أو يقدم تجربة أو معلومة لا يمكن استبدالها بسهولة بفيديو آخر.

أيضاً لا ترى يوتيوب مشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إعداد الأفكار، أو كتابة المسودات الأولية، أو تصميم الصور، أو إعداد الترجمة والرسوم التوضيحية، طالما بقيت مسؤولية البحث والتحقق والتحرير النهائي في يد صانع المحتوى.

وتشدد المنصة على أن العنصر البشري يظل العامل الحاسم في تقييم أهلية الفيديو لتحقيق الدخل، سواء من خلال التحليل، أو الشرح، أو التصوير الأصلي، أو التجارب، أو المقابلات، أو أي إضافة تجعل المحتوى مختلفاً عن المواد التي يمكن إنتاجها بصورة آلية.

مستر بيست يدخل التاريخ.. أول صانع محتوى يتجاوز 500 مليون مشترك على يوتيوب - موقع 24سجّل صانع المحتوى الأمريكي الشهير مستر بيست (جيمي دونالدسون) إنجازاً تاريخياً جديداً على منصة يوتيوب، بعدما أصبح أول صانع محتوى يتجاوز حاجز 500 مليون مشترك، في رقم قياسي غير مسبوق يعكس حجم شعبيته العالمية وتأثيره المتنامي في صناعة المحتوى الرقمي.

في الوقت ذاته، توضح يوتيوب أن الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يحسم مصير الإعلانات على الفيديو؛ فلا يؤدي وحده إلى حرمانه من تحقيق الدخل، كما لا يضمن له الاحتفاظ به، إذ يخضع المحتوى في النهاية لمعايير التقييم المعتمدة لدى المنصة.

في المقابل، يؤدي عدم الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي إلى اتخاذ إجراءات ضد القناة، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوعات مثل الانتخابات أو الكوارث أو النزاعات أو القضايا الصحية والمالية، لما قد يترتب عليها من تضليل للمشاهدين.

كيف تتجنب فقدان الإعلانات؟

ولتجنب فقدان أهلية تحقيق الدخل، تنصح يوتيوب صناع المحتوى بمراجعة القناة بشكل منتظم، وعدم التركيز فقط على الفيديوهات الجديدة، إذ يعتمد تقييم المنصة على الصورة العامة للمحتوى وطبيعة النمط الذي تتبعه القناة بالكامل.

كما تشجع على الاعتماد على مصادر موثوقة وتوثيق المعلومات المستخدمة، مع إضافة قيمة واضحة في كل فيديو من خلال التحليل أو التعليق أو التجارب الأصلية، إلى جانب التأكد من أن العناوين والصور المصغرة تعكس مضمون المحتوى بدقة، بعيداً عن المبالغة أو تقديم وعود لا يقدمها الفيديو فعلياً.

لأول مرة.. يوتيوب يزيح نتفليكس من صدارة وقت المشاهدة اليومية عالمياً - موقع 24سجّل موقع يوتيوب إنجازاً جديداً في سوق الفيديو الرقمي بعدما تفوّق للمرة الأولى على منصة نتفليكس من حيث متوسط وقت المشاهدة اليومي عالمياً، ليصبح المنصة الأكثر استحواذاً على انتباه المستخدمين حول العالم خلال عام 2025.

وتولي المنصة اهتماماً خاصاً بالمقاطع الأكثر مشاهدة، باعتبارها جزءاً أساسياً من الصورة التي تُقيّم على أساسها القناة، لذلك توصي بمراجعة هذه الفيديوهات وإعادة تطوير أو حذف المحتوى الذي يعتمد على التكرار أو يفتقر إلى إضافة تحريرية واضحة.

وفي النهاية، تؤكد يوتيوب أن الذكاء الاصطناعي سيظل أداة مهمة في مستقبل صناعة المحتوى، لكنه لا يمكن أن يحل محل دور صانع المحتوى؛ فالقنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأكثر قدرة على الحفاظ على عائداتها، بينما يرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.

مقالات مشابهة

  • الذكاء الاصطناعي الخفي يهدد بتسريب بيانات الشركات
  • حرب الرقائق تشعل سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين وأمريكا
  • تبخر 800 مليار دولار بيوم واحد.. الذكاء الاصطناعي يهز عرش عمالقة التكنولوجيا
  • بأكثر من 2%.. تراجع مؤشر نيكي بفعل مخاوف الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
  • ماسك يتوقع تفوق الذكاء الاصطناعي على البشرية خلال عقد
  • ماذا لو فشل برشلونة في ضم ألفاريز؟.. الذكاء الاصطناعي يحدد 5 بدائل
  • هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي