ضيق الحال وإغلاقات العوز
تاريخ النشر: 26th, October 2025 GMT
صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
يُواجِه المرء الحياة ولديه ما لديه من احتياجات ورغبات مادية يسعى لتحقيقها، ولا سبيل لذلك إلّا بالمال، وإذا انعدم المال أو نقص لتلبية المتطلبات المادية الضرورية، فإنَّ مستوى التعاسة والإحساس بالعجز وعدم القدرة على الحياة بطريقة سلسة مريحة يتصاعد ويزيد.
وتغدو الحياة ثقيلةً على النفس دون المال، ويكون المرء فاقدًا السيطرة على كثير من مجريات أموره، عاجزًا عن تلبية احتياجاته حتى البسيطة منها.
وعادةُ غالبيةِ الناس لطفاء طيبون، ما دُمت لا تطلب منهم المال، فإذا لجأت إليهم لطلبه تبدَّلوا وتغيَّروا وانقطعوا عنك مُبتعدين. ويُفضِّل الناس التهرُّب من منح المال أو إقراضه للآخرين؛ لأنهم يعتقدون أنه لا ضمان لاسترجاعه، فيمتنعون حتى لا يدخلوا في دوامة المطالبة بحقهم أو التفرُّغ لملاحقة المَدين فيما بعد، وربما بعضهم لا يستطيع المساعدة في ذلك أصلًا؛ إذ لهم من الهموم المالية ما يكفيهم.
أمَّا الأشخاص الذين على باب الله، وليس لديهم معارف وسندًا؛ فوضعهم أصعب لأنهم يتصلون بالغريب، والغريب لا يرحم من لا يعرفه إذا كان الشأن يتعلق بالمال أو إذا تكرَّم تجاوزًا؛ فالعطية "لا تُسمن ولا تُغني من جوع".
الله يكون في عون هؤلاء الذين ليس لديهم مصدر دخل شهري يعيشون عليه هم وعائلاتهم، ونسأل الله أن يرفع عنهم العُسر ويمنحهم اليُسر؛ فهُم يعيشون في مشقَّة وكبد، وبالكاد يستطيعون الاستمرارية الحياتية من خلال معونات أهل الخير من هنا وهناك.
أمَّا من لديه عمل براتب ضعيف فوضعه أفضل قليلًا، لكنه لا يستطيع به مواكبة تكاليف الحياة وطوارئها ومستجداتها، ولديه أيضًا احتياجاته ورغباته وطموحاته في تحسين نمط حياته؛ فيجد القرض هو المخرج الوحيد لأزماته المالية فيلجأ إلى البنوك وشركات التمويل التي يجدها فاتحة ذراعيها له بالترحيب والمودة، مع ضمانات بسيطة يُقدِّمها ليجد نفسه في ليلة وضحاها قد تم إيداع القرض الشخصي باسمه في حسابه.
وللكل احتياجاته؛ فمنهم من يريد أن يدفع المبلغ لابنه للحصول على تعليم جيد في الكليات الخاصة على أمل الحصول على وظيفة مناسبة، ومنهم من يريد شراء سيارة، ومنهم من يريد تغطية مصاريف الزواج أو بناء منزل أو الدخول في مشروع يجني منه المال.
إنها سعادة مؤقتة تُخرجه من حيز العوز، وإذا به بعدها يتعثر في دفع الأقساط الشهرية للبنك أو شركات التمويل لعدم القدرة على تسديد ما عليه لأسباب مختلفة؛ منها فقدان الوظيفة بسبب التسريح عن العمل أو انخفاض الدخل المفاجئ وارتفاع تكاليف الحياة، أو زيادة الالتزامات المالية الطارئة، أو سوء إدارة المال الخاص. ويجد الفرد نفسه مُهددًا بالسجن بسبب عدم القدرة على تسديد الدين للبنك أو شركة التمويل، وإذا به يَصدُر عليه تعميم وأمر بالقبض عليه، مع امكانية استخدام القوة إذا اقتضى الأمر، واتخاذ ما يلزم من إجراءات جبرية بحقه للقبض عليه في أي من أمكنة تواجده دون استثناء.
القانون تم تكييفه ليحمي من أقرضَ المال، فحرمانه من استرداد حقه خسارة له وظلم، ولكن أيضًا السجن لا يُعيد المال للدائن. والمدين يخسر حريته وأحيانًا وظيفته وبعضًا من كرامته من الناحية الواقعية، وكذلك تعطيل إنتاجيته، وهو ما يقف حائلًا دون السعي لتسديد دينه. وكيف يفعل ذلك وهو محبوس في السجن. والمطلوب من المدين أن يُثبِت عجزه الكلي عن السداد، لكن كيف يفعل ذلك والفقر صعب إثباته عمليًا على عكس الغِنَى الواضح للعيان، وبذلك يُدان المتهم بالمماطلة في دفع الدين ويبقى في السجن بلا حول له أو قوة.
ولدينا في سلطنة عُمان قانون الإفلاس التجاري الذي يحمي الشركات من المطالبات القانونية، إذا ثبت العجز المالي التجاري الحقيقي أمام المحكمة بعد تصفية بيع الأصول.
في المقابل، هناك غياب لقانون إعسار مدني شامل في السلطنة، يضم الإعسار الشخصي للأفراد ليُتيح إعادة جدولة الديون ومنع السجن نهائيًا في مثل هذه الحالات، مقابل الشفافية والتعاون والالتزام، وإذا لم يتم إصدار هذا القانون وتطبيق هذا النظام، تبقى الحماية من الدولة لهذه الفئة محدودةً.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الحكم بسجن راشد الغنوشي 106 سنة ومدى الحياة في تونس
أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء اليوم الثلاثاء، أحكامها في ما يُعرف إعلاميًا بـ "قضية الجهاز السري لحركة النهضة"، في ملف واسع شمل 35 متهمًا، وتراوحت العقوبات فيه بين السجن لعشر سنوات والسجن مدى الحياة، إضافة إلى أحكام تراكمية بعشرات السنوات.
وقضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع ثلاثين سنة سجنا ضد رئيس الحركة راشد الغنوشي، و42 عاما ضد نائبه علي العريض ،و96 سنة سجنا لمصطفى خذر والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجنا لرضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين، بينما أكد مصدر لـ"عربي21" أن إجمالي الأحكام ضد الغنوشي بلغ 106 سنة، بالإضافة حكم بالسجن مدى الحياة.
وحسب مصدر قضائي لوكالة الأنباء الرسمية، فقد قضت المحكمة بـ"ثبوت إدانة المتهمين من أجل جرائم تكوين وفاق إرهابي والإنضمام عمدا بأي عنوان كان داخل تراب الجمهورية إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية وجرائم ارهابية اخرى منصوص عليها بقانون مكافحة الارهاب".
وقضت المحكمة أيضا بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجنا لفتحي البلدي والسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجن لعبد العزيز الدغسني والسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجنا لكمال البدوي والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجن لسمير الحناشي والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجنا لراشد الغنوشي.
يشار إلى أن الملف تم فتحه سنة 2022 إثر شكوى قدمتها النيابة العمومية وفريق الدفاع عن السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا تباعا في فبراير ويوليو من سنة 2013.
خلفية القضية: من اغتيالات 2013 إلى فتح الملف القضائي
يعود أصل هذا الملف إلى مطلع سنة 2022، حين تقدمت النيابة العمومية وشكوى صادرة عن فريق الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا في شباط / فبراير، وتموز / يوليو من عام 2013 على التوالي.
وقد اتهم فريق الدفاع حينها ما يُعرف بـ“الجهاز السري لحركة النهضة” بالضلوع في الاغتيالين، إضافة إلى اتهامات أخرى تتعلق بالتجسس واختراق مؤسسات الدولة.
في المقابل، تنفي حركة النهضة هذه الاتهامات بشكل متواصل، وتعتبرها ذات خلفية سياسية ولا تستند إلى أدلة قضائية حاسمة.
مسار قضائي معقد وتحقيقات متعددة
وكانت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة قد تعهدت بالملف في بدايته، قبل أن تقرر في سبتمبر/أيلول 2023 التخلي عنه لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي تولى لاحقًا استكمال التحقيقات وإحالة الملف على الدائرة الجنائية المختصة.
يأتي هذا الحكم في سياق سياسي وقضائي حساس في تونس، حيث تتقاطع الملفات المرتبطة بالإرهاب مع سياقات سياسية متشابكة تعود إلى ما بعد 2011، وتحديدًا مرحلة ما بعد اغتيالات 2013 التي هزّت المشهد السياسي التونسي وأعادت فتح ملفات تتعلق بالأمن والاستخبارات والتنظيمات السرية.