في سياق إعادة قراءة رموز النهضة الفكرية العربية من مختلف التيارات، تتجدد الأسئلة الكبرى حول المسارات الفكرية والشخصية التي شكّلت وعي تلك الرموز وأسهمت في صياغة الوجدان الثقافي العربي الحديث. فالمسألة لم تعد مجرد تمجيد لأسماء تأسيسية في الثقافة العربية الحديثة، بقدر ما أصبحت محاولة نقدية لفهم التحولات المعقدة التي رافقت نشوء الفكر النهضوي ذاته: بين التأثر بالغرب، والتمرّد على الموروث، ثم البحث عن مصالحة ممكنة بينهما.



وفي هذا الإطار، يأتي هذا النص الذي كتبه الكاتب والباحث المصري جمال سلطان، وتنشره "عربي21" بالتزامن مع نشره على صفحته في "فيسبوك"، ليضيف بعدًا جديدًا إلى هذا النقاش المفتوح حول رموز النهضة العربية، من خلال تسليط الضوء على أحد أكثر الأسئلة حساسية وإثارة للجدل في مسيرة عميد الأدب العربي طه حسين: هل كان طه حسين ملحدًا في شبابه؟

يقدّم النص قراءة تحليلية موثقة لمسار طه حسين الفكري والإنساني، من بداياته المتمردة على الأزهر، إلى انخراطه في تيارات التغريب والحداثة، ثم عودته التدريجية إلى المصالحة مع روح الإسلام وقيمه، كما يقرأ جمال سلطان تلك التحولات في ضوء شبكة العلاقات الفكرية والسياسية التي أحاطت بطه حسين وأثّرت في اختياراته وتوجهاته.

بهذه المقاربة، لا يسعى النص إلى الإدانة أو التقديس، بل إلى الفهم النقدي لمسار رجلٍ جسّد في ذاته مأزق النهضة العربية نفسها: صراع الهوية والعقل، الأصالة والمعاصرة، الشك والإيمان.

هل كان طه حسين ملحدًا في شبابه؟!

امتاز الدكتور طه حسين ، رحمه الله، بذكاء اجتماعي وسياسي عجيب، كان يحسب جيدا موازين القوى والتأثير في الحياة الثقافية أو السياسية، ثم يختار خطوته الجديدة بناء على ذلك الحساب الدقيق، والغريب أنه نجح في كل تلك الحسابات، وحقق قفزات كبيرة وسريعة في مسيرته العلمية والاجتماعية ثم السياسية، في جميع الحقب السياسية والاجتماعية التي مر بها، منذ الحقبة الخديوية، إلى فترة الملك فؤاد، ثم الملك فاروق، ثم عبد الناصر، ثم السادات.

طه كان يعرف من أين تؤكل الكتف، كما يقال، فعندما كانت السلطة في يد أحزاب الأقلية انحاز إليها ضد حزب الوفد، حزب الأغلبية، حزب ثورة 19 ويهاجم حزب الوفد، فلما قلبت عليه أحزاب الأقلية وأبعدته عن المناصب، قلب عليها، وانحاز إلى الوفد، وأصبح من أهم كتاب صحيفة الوفد، وأبرز الأقلام المدافعة عنه، حتى اختاروه وزيرا في العام 1950، وكان مجاملا للملك متحدثا بمآثره، فلما وقع الانقلاب العسكري على الملك انحاز للضباط وهجا الملك، فمنحه الضباط أرفع الأوسمة، وهكذا.في بداياته، وفي فترة الشباب، كان يتعثر في دراسته في الأزهر، وكان لديه مشاعر كراهية للأزهر وشيوخه، ووجد تيار "أحمد لطفي السيد" وحزب الأمة الموالي للانجليز، والمناهض للأزهر، والمروج لفكرة تغريب مصر والسير على نهج أوربا، رآه تيارا فاعلا ومدعوما من الانجليز كما أنه على وفاق أيضا مع لخديو، فالتصق به، واحتضنه لطفي السيد وحماه وصعده سريعا، حتى منحه درجة الدكتوراة من الجامعة الأهلية وهو شاب حديث السن في بدايات العشرين من عمره، وهي الجامعة التي أسسها "لطفي السيد" مع مجموعة من كبار الإقطاعيين المقربين من الانجليز وقتها، ثم دعمه حتى حصل على بعثة إلى فرنسا كانت نقطة تحول في حياته الفكرية والاجتماعية، وعندما تقرر تأسيس الجامعة المصرية ـ جامعة فؤاد ـ في 1926، وتقرر دمج الجامعة الأهلية فيها، كان أحد أهم شروط أحمد لطفي السيد لقبول الدمج أن يتم تعيين طه حسين عميدا لكلية الآداب، وقد وافق المؤسسون على طلبه، ووصل الأمر إلى حد أنه لطفي السيد لوح بالاستقالة من رئاسة الجامعة إذا قررت إبعاد طه حسين من عمادة كلية الآداب، فلما استبعد فعلا في أوائل الثلاثينات، استقال لطفي السيد على الفور من رئاسة الجامعة.

العلاقة بين طه حسين ولطفي السيد كانت علاقة أشبه بأبوة وبنوة، علاقة لصيقة، وقد حمل طه حسين هذا الجميل للطفي السيد حتى آخر عمره، وكان يهدي بعض مؤلفاته إليه، ويكتب ذلك في مقدمة الطبعة.

طه كان يعرف من أين تؤكل الكتف، كما يقال، فعندما كانت السلطة في يد أحزاب الأقلية انحاز إليها ضد حزب الوفد، حزب الأغلبية، حزب ثورة 19 ويهاجم حزب الوفد، فلما قلبت عليه أحزاب الأقلية وأبعدته عن المناصب، قلب عليها، وانحاز إلى الوفد، وأصبح من أهم كتاب صحيفة الوفد، وأبرز الأقلام المدافعة عنه، حتى اختاروه وزيرا في العام 1950، وكان مجاملا للملك متحدثا بمآثره، فلما وقع الانقلاب العسكري على الملك انحاز للضباط وهجا الملك، فمنحه الضباط أرفع الأوسمة، وهكذا.

كذلك كان طه يستخدم أسلوب الصدمة في صناعة نجوميته الفكرية مبكرا، وقد شاهد ما فعله الشيخ علي عبد الرازق بكتابه "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، والضجيج الذي أحدثه، حتى أصبح علي عبد الرازق الذي كان قاضيا مغمورا لا يسمع به أحد نجما كبيرا، واسما يتردد في جميع المحافل الثقافية والدينية، بعده بعام واحد أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي"، الذي أحدث صدمة فكرية وعلمية ودينية عنيفة هو الآخر، مثلما فعل علي عبد الرازق، حيث نفى في كتابه ثبوت وجود أنبياء الله الذين ذكرهم القرآن الكريم ثبوتا تاريخيا علميا على حد قوله، مثل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ويمكن القول بكل اطمئنان أن صدور كتاب "في الشعر الجاهلي" كان نقطة التحول التي وضعت طه حسين في رأس هرم الحياة الثقافية في مصر في تلك المرحلة وما تلاها، وكان قبلها أديبا من الأدباء وباحثا من الباحثين.

كتاب "في الشعر الجاهلي"، هو بالأساس ورقة بحثية أصدرها المستشرق الإنجليزي الشهير شديد التعصب ضد الإسلام والمسلمين القس "مارجليوس" (ديفيد صموئيل مرجليوث (1858-1940 ، ونشرها في يوليو من العام 1925 في "مجلة الجمعية الآسيوية الملكية"، قرأها طه فوجد فيها بغيته لإحداث الصدمة المأمولة، فأعاد صياغتها واستعرضها على طلابه في الجامعة بسلسلة محاضرات، ثم جمعها بعد أقل من عام في 1926 بكامل رؤيتها ومحاورها التي طرحها مارجليوث، لكن بأسلوبه الأدبي العربي الرشيق الذي عرف به، باعتبارها من بنات أفكاره، ووضع لها عنوان "في الشعر الجاهلي"، وبالطبع تم الكشف عن سرقتها بوضوح تام من قبل عدد من أدباء وعلماء تلك المرحلة، مثل الشيخ محمد الخضر حسين، الذي أصبح شيخا للأزهر فيما بعد، ومثل الأستاذ محمود محمد شاكر، الذي هجر الجامعة كلها في ذلك الوقت، رغم نبوغه، واتهم طه علانية بسرقة بحث "مارجليوس" الذي أكد أنه قرأه بكامله قبل عام من صدور كتاب طه وهو المادة عينها التي قام عليها كتاب طه، وعندما وسط طه حسين المستشرق الإيطالي الكبير "نيلينو" لإقناع الشيخ محمد شاكر بإعادة ابنه إلى الجامعة، اشترط "محمود شاكر" أن يعترف طه حسين بسرقة بحث مارجليوس، وهو ما تجاهله طه، فترك شاكر البلد كلها، وهاجر إلى السعودية لمدة عامين.

طه حسين أجرى تعديلات على كتابه بعدها بعدة أشهر، وحذف منه أربعة مواضع، وأعاد طباعته بعنوان " في الأدب الجاهلي" لتحاشي موجة الغضب، لأن الكتاب الذي أصدره كان يحمل توجها إلحاديا صريحا تجاه القرآن الكريم، بإنكار وجود أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كحقيقة علمية تاريخية، وأمور الأخرى، يمكن العودة فيها إلى ما كتب عن وقائع تلك المعركة، وهي كتابات وفيرة.

فهل كان طه حسين بما أقدم عليه في كتاب "في الشعر الجاهلي" مدفوعا بنزعة إلحادية في شبابه؟ خاصة وأن الكثير مما كتبه خلال تلك الفترة كان يحمل روحا تغريبية متمردة على الإسلام وقيمة وثقافته وأدبه، وهناك إشارات مبعثرة في مقالاته تشير لذلك، حتى في كتابه التالي المهم "مستقبل الثقافة في مصر" الذي صدر عام 1936، حمل ملامح تلك النزعة، وإن كانت بصورة أخف وأكثر ذكاء، وشهيرة هي تلك العبارة التي كتبها فيه عن سبيل نهضة مصر بأنها "أن نسير سير الأوربيين، ونسلك طريقتهم، في خيرها وشرها، وحلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره".

الحقيقة أن أكثر نص وضوحا في الإشارة إلى "إلحاد" طه في تلك المرحلة، هو النص الذي كتبه "إسماعيل مظهر" صديقه، وزوج أخت أستاذه أحمد لطفي السيد، أي أنه في الدائرة الأكثر قربا من طه حسين، وكان إسماعيل كاتبا ليبراليا، ينتقد الأزهر كما ينتقد التيار الديني، فهو لا يحسب على نزعة تشدد، ومع ذلك، عندما كتب عن طه حسين، تحدث بوضوح عن أنه "ملحد" في تلك المرحلة، والأخطر أنه يشير إلى أن ذلك كان يردده طه في مجالسه الخاصة أيضا، وبالطبع كان "إسماعيل مظهر" أكثر قربا بتلك المجالس الخاصة، لأنه زوج شقيقة أستاذه وأبيه الروحي أحمد لطفي السيد.

الجدير بالذكر أن طه حسين، كان يشعر بالضيق الشديد من تذكر كتابه "في الشعر الجاهلي"، ويرى أنها اندفاعة شباب، وهو قد رجع عن ما قاله فيه بعد ذلك، كما أكد أكثر من واحد من كبار المحققين، مثل الأستاذ محمود محمد شاكر،في كتابه "في الأدب والحياة"، يقول إسماعيل مظهر ما نصه: "يحاول أحد أساتذة الجامعة المصرية، وهو أستاذ اللغة العربية والآداب، أن يقول، بل هو يعتقد بأن القرآن ليس بكتاب منزل، وأنه من وضع محمد بن عبد الله، بز به العرب بلاغة تعبير وقوة بيان وحُسن سبك وفصاحة أسلوب، فغلبت عليهم فكرة أنه معجز وصحت لديهم من هذا الطريق نبوته، فكان واضع الدين الإسلامي الذي لا يكمل الإسلام من غير أن يُذكر اسمه بجانب اسم الله، فيقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

يعتقد الشيخ طه حسين، هذا الاعتقاد، ويحاول أن يبلغ إلى بناء فكرته، بمحاولات عديدة، منها محاضراته التي يُلقيها في القرآن يواري فيه تورية، ومنها أحاديثه الخاصة يبوح فيها بما يعتقد. غير أنه لا يجرؤ على أن يجهر برأيه هذا بين الناس ويذيعه على رؤوس الأشهاد، فيدور في محاضراته تلك الدورات الغريبة، ويلف تلك اللفات البعيدة التي لا تنتهي إلى غاية ولا تصل إلى قصد معين.

ولست أدري لماذا لا يجاهر الأستاذ برأيه؟ أظن أن السبب في هذا قلة إيمانه بصحة ما يرى وضعف عقيدته بصلاحية النظرية التي يعتقد بها، وإلا لكان من الواجب عليه أن يذيع رأيه بشجاعة ويدافع عنه بصلابة، إذا كان تام الاعتقاد بصحته". انتهى النقل عن كتاب اسماعيل مظهر.

والجدير بالذكر أن طه حسين، كان يشعر بالضيق الشديد من تذكر كتابه "في الشعر الجاهلي"، ويرى أنها اندفاعة شباب، وهو قد رجع عن ما قاله فيه بعد ذلك، كما أكد أكثر من واحد من كبار المحققين، مثل الأستاذ محمود محمد شاكر، الذي أشار إلى أنه كتب عكس هذه الرؤية تماما بعد أقل من عشر سنوات في المقالات التي كان ينشرها في الصحف المصرية آنذاك، كما أنه اتجه بعدها إلى كتابة العديد من المؤلفات الدينية، التي يتصالح فيها مع الإسلام وروحه بعاطفة كبيرة، مثل كتابه الشهير "على هامش السيرة" وما أعقبه من كتب مثل "الوعد الحق"، و"الفتنة الكبرى" و"الشيخان"، وهي الكتب التي كان يقول أنها الوحيدة التي يعتز بها في ميراثه الأدبي الطويل.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير المصري طه حسين رأيه مصر رأي طه حسين أطروحات أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی الشعر الجاهلی أحمد لطفی السید تلک المرحلة محمد شاکر حزب الوفد فی کتاب طه حسین کان طه

إقرأ أيضاً:

مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق

أكد المستشار مؤمن العقيلي، المحامي وعضو الجمعية المصرية لحقوق الإنسان، أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمثل أدوات تقنية مفيدة يمكن الاستفادة منها في الحصول على المعلومات وإنجاز العديد من المهام، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن العقل البشري أو التفكير النقدي.

التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي

وأوضح خلال حواره في برنامج "خط أحمر" الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، أن الذكاء الاصطناعي يعتمد في الأساس على البيانات التي يُغذيه بها الإنسان، وقد يقدم أحيانًا معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، لذلك لا يجوز التعامل مع مخرجاته باعتبارها حقائق نهائية، بل يجب مراجعتها والتحقق منها من مصادر موثوقة.

رغم دعوات الحظر.. مختبر أمريكي يدافع عن الذكاء الاصطناعي الصيني ويكشف الحقيقةأسوان تطلق برامج تدريب مجانية تؤهل الشباب لشهادات دولية في الذكاء الاصطناعيالأسهم الآسيوية ترتفع بدعم من إنفاق شركات التكنولوجيا الأمريكية على الذكاء الاصطناعيالوزراء يستعرض ترتيب الدول من حيث استخدام الذكاء الاصطناعي


وأضاف العقيلي أن الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي يقوم على اعتباره وسيلة مساعدة تدعم الإنسان في اتخاذ القرار، وليس أداة تحل محله، مشددًا على أن التفكير والتحليل والتأكد من صحة المعلومات سيظل دائمًا مسؤولية المستخدم نفسه.

طباعة شارك تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذكاء الاصطناعي العقل البشري

مقالات مشابهة

  • الجامعة العربية وتونس تبحثان التطورات الإقليمية ودعم القضية الفلسطينية
  • الجامعة العربية تدين الاعتداء الحوثي على سفينة سعودية وترفض الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية
  • الجامعة العربية تدين الاعتداء الحوثي على سفينة سعودية
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • رفض قاطع .. الجامعة العربية تدين استهداف الحوثيين ناقلة نفط سعودية
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • تطور إيجابي.. الجامعة العربية تشيد بموقفي هولندا وبلجيكا وتدين خطوة ناورو
  • من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
  • الجامعة العربية تقدم التعازي للجزائر وتتمنى الشفاء للمصابين
  • الجامعة العربية تدين الدعوات التحريضية لاقتحام الأقصى المبارك وتحذر من تداعياتها