قد نلتقي بمن يشبهنا فنشعر كأننا ننظر إلى مرآة مريحة، ونتنفس أخيرًا في مساحة يفهمنا فيها أحد دون شرحٍ طويل. وقد نلتقي بمن يختلف عنا فنشعر بأننا نحيا من جديد، كأننا أمام لونٍ جديد للحياة لم نكن نعرفه. وبين الراحة التي يمنحها التشابه، والإثارة التي يوقظها الاختلاف، تتأرجح قلوبنا في رحلة الحب باحثةً عن إجابة لا تنتهي: هل نحبّ من يُشبهنا أم من يُكملنا؟

من يُشبهنا يمنحنا الأمان، ويعيد إلينا صدى أفكارنا في صوته، فيبدو كأننا وجدنا ذواتنا فيه.

نتفق في الميول، في الإيقاع، في التفاصيل الصغيرة التي تجعل العِشرة أسهل، وتُقرّب المسافات دون مجهود. فالتشابه يخلق لغة مشتركة، تُغنينا عن كثيرٍ من التوضيح وسوء الفهم، لأننا ببساطة نُدرك بعضنا بنفس الطريقة ونحمل ذات المعاني خلف الكلمات. وربما لهذا، يُقال إن أكثر العلاقات استقرارًا هي تلك التي يتقارب فيها الطرفان في الطباع والقيم والرؤية للحياة.

لكن حبّ التشابه، على جماله ودفئه، قد يُصبح مع الوقت دائرة مغلقة لا نرى خارجها. فحين يتطابق كل شيء، يغيب التحدي الذي يدفعنا للنمو، وتغيب المفاجأة التي تُبقي الشغف حيًّا. كثير من العلاقات المستقرة ظاهريًا تفقد بريقها لأنها لم تعد تعرف جديدًا يُضاف إلى أيامها. الحبّ الذي يقوم على التشابه وحده قد يتحول إلى راحة زائدة تقتل الدهشة، وإلى تكرار يجعل كل يوم يشبه الذي قبله.

أما المختلف… فهو الوجه الآخر للحبّ، الوجه الذي لا يمنحك الراحة لكنه يشعل فيك الحياة. ننجذب إلى المختلف لأن في داخله ما نفتقده في أنفسنا، كأننا نحاول أن نُكمل بناقته نقصنا الداخلي. العقلاني يفتن بالعفوية، والخجول ينجذب إلى الجريء، والمتحفظ ينبهر بمن يقول ما لا يجرؤ هو على قوله. الاختلاف في الحبّ يوقظ الحواس، ويجعل العلاقة تجربة تُغنينا وتكسر رتابة العادة. لكنه، في الوقت ذاته، قد يتحول إلى ساحة اختبار صعبة. فالمسافة بين الإعجاب بالاختلاف والتصادم معه قصيرة جدًا.

كثير من قصص الحب تبدأ بالانبهار وتنتهي بالتعب، لأن ما كان سحرًا في البداية أصبح سببًا في الجدل لاحقًا. فالعقلاني الذي أحبّ تلقائية شريكته قد يراها بعد حين اندفاعًا، والعفوي الذي أحبّ اتزان الطرف الآخر قد يراه لاحقًا برودًا. وهكذا، يتحول ما جذبنا يومًا إلى ما يرهقنا لاحقًا، إذا لم نتعلم كيف نتعايش مع اختلافه دون أن نحاول تغييره.

في الحقيقة، الحبّ الناضج لا يقوم على أحدهما فقط. لا على التشابه وحده ولا على الاختلاف وحده، بل على التوازن بين الاثنين. فالتشابه يمنح العلاقة جذورها، والاختلاف يمنحها أجنحتها. نحن بحاجة إلى من يشاركنا القيم ذاتها والرؤية العامة للحياة، كي يكون أساس العلاقة ثابتًا، لكننا بحاجة أيضًا إلى من يختلف عنا قليلًا ليُعيد إشعال المعنى ويذكّرنا بأننا ما زلنا نتعلّم.

العلاقات التي تنجح ليست تلك التي يتطابق فيها الطرفان كصورتين متكررتين، ولا تلك التي تتنافر حتى الإرهاق، بل تلك التي يتقابل فيها الشبه والاختلاف في نقطة توازن دقيقة. في الحب الناضج، لا نحاول أن نصهر الآخر في قالبنا، ولا نذوب نحن فيه، بل نتجاور كما تتجاور الألوان في لوحة واحدة: لكل لون وجوده وخصوصيته، ومع ذلك لا تكتمل اللوحة إلا بهما معًا.

كثير من الناس يظنون أنهم يبحثون عن "نصفهم الآخر"، بينما هم في الحقيقة يبحثون عن "نسختهم المريحة". لكن الحب ليس نسخة، بل لقاء بين اثنين يملكان الجرأة على أن يتقبلا اختلافاتهما بصدق. فأن تحبّ من يُكملك لا يعني أن تبحث عمّن يُكمل نقصك، بل من يُلهمك لتصبح نسخة أوسع من نفسك. ومن يُشبهك لا يعني أن تكتفي بمرآةٍ تراك كما أنت، بل بشريكٍ يُعيد تعريفك بطريقة أكثر نضجًا ووعيًا.

الحبّ الحقيقي، في جوهره، هو رحلة تطور، لا مساحة راحة فقط. من يُشبهك يذكّرك بمن أنت، ومن يُكملك يُذكّرك بما يمكنك أن تكونه. والاثنان معًا ضروريان لتظل العلاقة متوازنة بين الاطمئنان والنمو، بين السكينة والحيوية.

إننا لا نحب من يشبهنا تمامًا، لأننا سنملّ صدى أصواتنا. ولا نحب من يختلف عنّا تمامًا، لأننا سنفقد القدرة على التواصل. نحن نحبّ من يلتقي اختلافه بتشابهنا في نقطة وسط، حيث نجد الراحة دون أن نفقد الشغف، ونجد التحدي دون أن نخسر الأمان.

نحن لا نحب من يشبهنا تمامًا، ولا من يختلف عنا تمامًا، بل من يجعل اختلافه يشبهنا بطريقة ما.

طباعة شارك حبّ التشابه الشغف الدهشة

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الشغف الدهشة من یختلف عن تلک التی نحب من ی ا تمام ا

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الأكثر حظًا في الحب خلال يونيو 2026.. ارتباطات منتظرة لـ7 أبراج
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • "أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟