وسط الدمار والفوضى التي تتركها الحروب والتهجير القسري يعيش الشباب العربي واقعًا مريرًا يتجاوز الخسائر المادية ليصل إلى أعماق النفس. لم تعد الحرب مجرد صواريخ وألغام، بل أصبحت حربًا على العقل والروح حيث تتضاعف الضغوط النفسية والتوترات اليومية ويتعرض الشباب لموجات من القلق والإكتئاب والصدمات النفسية التي تؤثر على قدرتهم على التعلم والعمل وحتى بناء علاقات إجتماعية صحية.

التقارير الدولية تؤكد أن نسب اضطرابات الصحة النفسية بين الشباب في مناطق النزاع تفوق بكثير المتوسط العالمي مما يجعلهم فئة شديدة الهشاشة أمام أي أزمة جديدة. ومع ذلك، فإن الحديث عن الصحة النفسية في المجتمعات العربية غالبًا ما يظل مغيبًا أو مهملًا، بينما تتحول صرخات الشباب إلى أصوات مكتومة خلف الجدران المهدمة والمدن المشردة.

المبادرات المحلية والشبابية تعد بصيص أمل في هذا الظلام النفسي. برامج الدعم النفسي، المراكز المجتمعية، والمبادرات التعليمية التفاعلية تقدم للشباب فرصة لإستعادة بعض توازنهم النفسي وإعادة بناء مهاراتهم الإجتماعية والمهنية. لكن هذه الجهود رغم أهميتها تحتاج إلى دعم مؤسساتي وسياسات واضحة من الدول لتعزيز فعالية العمل النفسي والإجتماعي.

إن تجاهل هذا البعد النفسي للشباب لا يضر الفرد فقط، بل يشكل تهديدًا مستقبليًا للمجتمع بأسره. شباب اليوم هم القوة التي ستقود إعادة البناء غدًا، فإذا تركناهم غارقين في صراعاتهم الداخلية دون دعم فإن آثار الحرب لن تنتهي بتوقف القتال، بل ستستمر أجيالًا في صورة مشاكل إجتماعية وصحية ونفسية معقدة.

الأمر يحتاج إلى وعي جماعي، وإدراك أن إعادة الإستقرار للشباب لا تبدأ بالسياسة وحدها، بل بالاستماع لهم ومعالجة صدماتهم وتمكينهم من المشاركة الفعالة في بناء مستقبل منطقتهم. 
فالسلام الحقيقي يبدأ من العقل والقلب قبل أن يبدأ من أي إتفاق سياسي والشباب هم حجر الزاوية في هذا البناء.

الحرب لا تهدم فقط المباني، بل تهدم الأحلام والهوية. وكثير من الشباب يشعرون بفقدان السيطرة على مستقبلهم ويعيشون في حالة مستمرة من الإحباط واليأس مما يدفع بعضهم إلى الإنغماس في سلوكيات محفوفة بالمخاطر أو الإنسحاب التام من المجتمع ليصبحوا ضحايا صراعات لم يختاروها ويواجهون فقدان البوصلة الأخلاقية والإجتماعية. 
في هذا الواقع تلعب الأسرة والمجتمع المحلي دورًا أساسيًا كخط الدفاع الأول ضد الصدمات النفسية حيث يساهم الدعم الأسري المتماسك، وبرامج التوجيه المجتمعي والمجموعات الشبابية التفاعلية في إعادة بناء الثقة بالنفس وتخفيف آثار الصدمات، لكن في مناطق النزاع حيث تتفكك البنية الإجتماعية ويبقى الشباب غالبًا دون حماية أو إرشاد مما يضاعف الحاجة لتدخلات عاجلة ومستدامة. ورغم كل التحديات يظهر الشباب العربي قدرة ملحوظة على الإبتكار والتكيف من خلال مشاريع صغيرة لإعادة الإعمار ومنصات تعليمية رقمية ومبادرات نفسية مجتمعية تثبت أن الإستثمار في الشباب ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمعات قادرة على التعافي والمقاومة وتحويل هذه المبادرات إلى برامج مؤسسية يمكن أن يكون الفارق بين مجتمع محطم وآخر قادر على الصمود. ولا يمكن أن تتحقق أي إصلاحات حقيقية دون تدخل الدولة بجدية ووضع سياسات واضحة لدعم الصحة النفسية للشباب في مناطق النزاع من خلال توفير الموارد وتدريب المختصين ووضع برامج استباقية، فالمستقبل لن يُبنى إلا إذا أصبح الشباب محور أي إستراتيجية للتنمية والسلام.

وأضيف من خلال هذا السياق ، أنه لابد من التعاطف التام مع أجيال الحروب، فالشباب الذين نشأوا في مناطق النزاع لم يعرفوا طفولة طبيعية أو استقرارًا نفسيًا وإجتماعيًا. 
فهم بحاجة إلى فهم عميق لدواخلهم والتقدير لمعاناتهم اليومية، وليس مجرد تقديم حلول سطحية. التعاطف الحقيقي يعني توفير الدعم النفسي والفرص التعليمية والمساحات الآمنة للتعبير عن الصدمات والمخاوف ليتمكنوا من استعادة شعورهم بالكرامة والأمل وبناء مستقبلهم الشخصي والإجتماعي بعيدًا عن دائرة الخوف واليأس.

فالشباب العربي هم المستقبل وصوتهم وصمودهم يمثلان الأمل الحقيقي في عالم ملأته الحروب والفوضى. ولا يمكن إعادة بناء المجتمعات أو كسر دائرة العنف دون الإستثمار الفعلي في قدراتهم النفسية والإجتماعية والتعليمية. ومسؤوليتنا الجماعية أن نمنحهم الدعم و الإستماع والفرص ليصبحوا قادة التغيير فكل جيل يتجاوز آلام الحروب هو خطوة نحو السلام والإستقرار والتنمية وكل لحظة اهتمام بهم اليوم تزرع أسسًا لمجتمع أكثر قوة 
وتماسكًا غدًا.

مدرس بكلية الآداب ـ جامعة المنصورة.

طباعة شارك الشباب العربي الضغوط النفسية اضطرابات الصحة النفسية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الشباب العربي الضغوط النفسية اضطرابات الصحة النفسية فی مناطق النزاع الشباب العربی الصحة النفسیة

إقرأ أيضاً:

"أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان

 

 

 

 

 

مسقط- الرؤية

تستحضر أمواج في كل ابتكار تقدمه شيئًا من ملامح سلطنة عُمان؛ من روحها وجوهرها، وتنوّع طبيعتها، وذاكرتها وإرثها العريق. وحتى حينما تمتد مصادر الإلهام إلى أماكن بعيدة، يبقى لعُمان حضورها البارز في لغة الدار وهويتها العطرية. ويظهر ارتباطها بموطنها جليًا في مجموعة الخلطات العطرية، حيث يستلهم كل إبداع موقعًا في عُمان، ربما لا يعرفه الكثيرون، ليكشف عن شخصيته الخاصة من خلال العطر. واليوم، ها هي الدار تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية مع "سويد عبري" و"تونكا مسفاة" كامتداد لرحلة لا تكتفي بالمكان، بل تبحث في إحساسه، وملامحه، وما يتركه في الذاكرة.

وقال رينو سالمون، المدير الإبداعي في أمواج: "لطالما ألهمني استكشاف التنوع الجغرافي في عُمان. وأجد في القيادة بين مدنها ومناطقها وتضاريسها طريقة مثالية للانغماس في هذا التنوع، حيث تتبدل الأشكال والألوان من مكان إلى آخر".

ومن هذا الشغف بالتنقل بين ملامح عُمان المختلفة، جاءت فكرة رحلة تبدأ في عبري وتنتهي في مسفاة العبريين؛ رحلة تستكشف ما يختزنه هذا التنوع من تباين وثراء. وأضاف: "جذبتني فكرة التنقل من عبري إلى مسفاة العبريين في الرحلة نفسها. كنت أعرف أن لكل منهما حضوره، فعبري تستقبل زائرها بسكينة مترسخة في التاريخ، بينما تكشف مسفاة العبريين عن وجه أكثر حيوية، وأردت أن أختبر هذا الاختلاف مباشرة، وأن أرى كيف تتضح ملامحه عند الانتقال من أحدهما إلى الآخر. ورغم أن المسافة بينهما لم تتجاوز نحو 150 كيلومترًا، فإن ما حملته الرحلة كان أوسع بكثير من الطريق نفسه".

 

 

 

سويد عبري

وعلى بُعد 250 كيلومترًا غرب العاصمة مسقط، يحتفظ الموقع الأثري في عبري بسكينة تبدو وكأنها تسري في المكان بأكمله. فعلى مدى أكثر من خمسة آلاف عام، شهدت هذه الأرض تعاقب حضارات، إذ تضم قبور خلايا النحل الأثرية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، والتي تُعد من أبرز الشواهد الباقية على حضارة عُمان القديمة. كما كانت عبري مركزًا للتجارة والعلم، ولا تزال قادرة على استحضار ذلك التاريخ أمام الزائر، محتفظةً بحضور يتجاوز الزمن. وقد عرفت عبري عبر تاريخها تنوعًا ثقافيًا غنيًا، اجتمعت فيه جماعات من أصول مختلفة، تقاسمت المكان وأسهمت في تشكيل ملامحه عبر الأجيال.

وللتعبير عن هذا الحضور العريق وما يميّز عبري من طابعٍ متفرّد، استعان سالمون بمبتكر العطور ثيو بيلماس، الذي اختار أن يقرأ شخصية عبري من خلال لقاءٍ بين البنفسج وجلد السويد. وقال سالمون: "يمكن للجلد أن يتخذ وجوهًا متعددة في العطر. وقد أردنا في هذه الخلطة العطرية أن نقترب من جانبه الأكثر نعومة ورهافة، لما يحمله من قدرة على التعبير عن عراقة عبري وما يميزها من انفتاح تاريخي على ثقافات مختلفة".

وفي "سويد عبري"، يجمع بيلماس بين الطابع الزهري للبنفسج ونعومة جلد السويد، ليقدم خلطة عطرية بالغة الأناقة. ومع لمسات الزعفران والعنبر، يتحقق توازن دقيق بين الدفء والعمق، في قراءة معاصرة لأحد أعرق العوالم في صناعة العطور.

 

تونكا مسفاة

وعلى سفوح جبال الحجر، شرق عبري، تبدو مسفاة العبريين من بعيد كامتداد أخضر بين الصخور، قبل أن تتكشّف للزائر قريةً معلّقة على صخر الجبل، بأزقتها المرصوفة بالحجر وأبوابها الخشبية الملوّنة. وفي قلب هذا المشهد، تجري الأفلاج التي يعود تاريخها إلى نحو ألفي عام، ولا تزال تمدّ أهل القرية بالمياه العذبة من أحد الينابيع القريبة، شاهدةً على قدرة الإنسان على العيش بتناغم مع الطبيعة.

في هذا العالم، وجد رينو سالمون ملامح خلطة عطرية تحمل دفء المكان وسخاءه، فاختار أن تتولى سوزي لو هيلي ابتكار "تونكا مسفاة". وفي حبوب التونكا، بطابعها الذهبي الخشبي وما تحمله من دفء يقترب من اللوز والفانيلا، وجدت ما يعكس الكرم الذي يميز هذا المكان. وقال سالمون: "قلّما نجد مادة عطرية تحمل هذا القدر من الألفة مثل التونكا. وقد شعرنا بأنها الأنسب للتعبير عن ذلك الدفء الذي يملأ أجواء مسفاة العبريين".

وفي "تونكا مسفاة"، تجمع سوزي لو هيلي بين حبوب التونكا والزعفران والباتشولي والفانيلا في خلطة عطرية دافئة وغامرة تستحضر المحطة الأخيرة من رحلة سالمون؛ ذكرى نابضة بالحياة من مكانٍ هادئ، يتجلى فيه انسجام الإنسان مع الطبيعة.

مقالات مشابهة

  • كيف يدمّر الضغط النفسي صحة البشرة دون أن تلاحظ؟
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • تكريم الأمهات المثاليات بالإدارات الصحية في الجيزة (صور)
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • "أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان
  • 23 يونيو الحكم.. دفاع سائق سيارة علم اسرائيل: 5 من الضحايا تصالحوا لحالة المتهم النفسية
  • باحثون: قضاء 15 دقيقة يوميًا في الطبيعة قد يحسن الصحة النفسية
  • العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط
  • هل تؤثر السوشيال ميديا على سلوك الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية؟