بين الوعود والتنفيذ.. هل يكسر كوب 30 جمود العمل المناخي؟
تاريخ النشر: 30th, October 2025 GMT
عندما وُقع اتفاق باريس للمناخ عام 2015، بدا أن العالم يتجه نحو ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية. ولم يُواكب الاستثمار في الطاقة النظيفة الوقود الأحفوري، لكن النمو المُستمر في انبعاثات الكربون تراجع، وأصبحت مصادر الطاقة المتجددة تُولّد 20% من الكهرباء العالمية، لكن التحديات المناخية بقيت قائمة.
ففي النصف الأول من عام 2025، أنتجت مصادر الطاقة المتجددة 34.3% من الكهرباء العالمية، متجاوزةً الفحم لأول مرة. وقد تجاوز نمو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحدهما الزيادة في الطلب على الكهرباء، مما يدل على أن مصادر الطاقة المتجددة بدأت تحل محل الوقود الأحفوري عالميا.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4الأمم المتحدة ترفع مخصصات الدول الفقيرة لحضور مؤتمر المناخ بالبرازيلlist 2 of 4رئاسة مؤتمر المناخ بالبرازيل تدعو لتسريع تنفيذ اتفاق باريسlist 3 of 4منظمات عالمية تطالب مؤتمر الأطراف بمعالجة الجذور التاريخية لأزمة المناخlist 4 of 4170 دولة لم تحدّث أهدافها المناخية قبل مؤتمر الأطرافend of listوفي العام الماضي، تجاوز الإنفاق العالمي على الطاقة النظيفة الإنفاق على الوقود الأحفوري بنسبة ضعفين إلى واحد. أُنفق أكثر من تريليوني دولار على الحلول منخفضة الكربون، لكن هناك فجوة استثمارية هائلة، إذ يحتاج العالم إلى إنفاق ما يقارب 3 أضعاف هذا المبلغ لمواكبة طموحات اتفاق باريس للمناخ.
ومع ذلك تستمر الانبعاثات في الارتفاع، وإن كان بمعدل أبطأ من المعدل الذي حدث قبل عام 2015، لكن تحديات متعددة، تبقى ماثلة، حسب الخبراء، أبرزها ضعف الثقة بين الدول المتقدمة والنامية بسبب محدودية التمويل، وصعوبة توحيد الجهود في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، وتراجع أولوية قضايا المناخ على الأجندة السياسية العالمية.
ويفترض أن تركز قمة المناخ "كوب 30" التي ستعقد في البرازيل الشهر المقبل على تسريع العمل المناخي وتأمين التمويل اللازم، وتعزيز العمل المشترك لخفض الانبعاثات، لضمان بقاء ارتفاع درجة الحرارة العالمية أقل من 1.5 درجة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
تشير معظم التقارير إلى أنه تم اختراق جميع الحدود الكوكبية التسعة التي تشكل وجودا آمنا على الأرض، باستثناء اثنين، والآن أصبحت نقاط التحول المناخي التي حذر منها علماء المناخ لعقود من الزمن على الأبواب.
إعلانفقد اقتربت أنظمة بيئية حساسة مثل الغطاء الجليدي في غرينلاند، وحوض الأمازون، والتيارات المحيطية الرئيسية، من عتبات ستُغيرها جذريا. كما يشير الموت الواسع النطاق للشعاب المرجانية في المياه الدافئة، التي تعتمد عليها الحياة البحرية وملايين البشر إلى أنها تجاوزت بالفعل نقطة تحولها.
وتلوح كل هذه المؤشرات الحمراء، في وقتٍ يتصدع فيه الإجماع العالمي بشأن العمل المناخي، إذ تشتت الحروب والتوترات التجارية الانتباه، وتنسحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمرة الثانية، ولم تكتفِ إدارة الرئيس ترامب بتفكيك آلياتها الخاصة لمعالجة تغير المناخ، بما في ذلك إلغاء مشاريع الطاقة المتجددة، بل تسعى جاهدة إلى عرقلة جهود الدول الأخرى.
وفي ظل هذه التراجعات، وافقت أوروبا على شراء المزيد من الوقود الأحفوري الأميركي، وهي بصدد الحد من نطاق التشريعات الهادفة إلى تعزيز ممارسات الأعمال المستدامة أو تأجيلها.
وقبل مؤتمر المتاخ العالمي، لم تُقدّم سوى 62 دولة -تُغطي 31% من الانبعاثات العالمية- خططها. وكانت الصين والهند من بين الدول التي لم تُقدّم خططها، مع أن الرئيس الصيني شي جين بينغ صرّح للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول بأن بلاده ستُخفّض انبعاثاتها بنسبة تتراوح بين7 و10% عن مستويات الذروة بحلول عام 2035.
وفي ظل هذه الظروف، يتساءل متابعون عن مدى قدرة مؤتمر بيليم للمناخ على أن ينتزع العمل المناخي من براثن الجمود. ويقول يوهان روكستروم، مدير معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ، خلال إطلاق تقرير حدود الكوكب لهذا العام في سبتمبر/أيلول: "يمكننا أن نحتفل بأنه لم يعد هناك ما يستدعي التفاوض، الآن هو وقت المساءلة والتنفيذ".
وتُدرك الرئاسة البرازيلية للمؤتمر العالمي للمناخ هذا الأمر. ويستند برنامج عملها إلى أسس الالتزامات التي قُطعت في مؤتمرات الأطراف السابقة، مثل مضاعفة استخدام مصادر الطاقة المتجددة 3 مرات، ومضاعفة كفاءة الطاقة، والتحول عن الوقود الأحفوري، من خلال إشراك الجهات الفاعلة التي لا تجلس على طاولة المفاوضات، بل تُسهم في تحقيق النتائج.
ويقول روكستروم: "ما نود رؤيته هو منتدى تنفيذ سنوي يكون جزءا من مؤتمر الأطراف، لا يتورط في المفاوضات والمناقشات، بل يعرض حقا ما يبدو جيدا، وما هو قابل للتطوير، وأين توجد الثغرات، وما يمكن القيام به لمعالجة تلك الثغرات".
من جهتها، تقول أراثي راو، مديرة مشروع سياسة المناخ العالمية في جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: "أعتقد أن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقي باريس أوضح أن الاعتماد فقط على الإجماع العالمي أمر صعب، وأننا نحتاج حقا إلى المضي قدما مع تحالفات من البلدان الراغبة في القيادة بشأن المناخ".
ويوضح تقرير صدر مؤخرا، كيف يمكن لتحالف طوعي من البلدان المتفقة على توحيد أسعار الكربون أن يعمل على خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وجمع مليارات الدولارات للتخفيف والتكيف.
إعلانوقد وضعت البرازيل هذا الاقتراح على جدول أعمالها في مؤتمر الأطراف الـ30، كما دعت الدول المتحالفة إلى عقد جلسات فنية لمناقشته في إطار التحضير للاجتماع في مدينة بيليم الأمازونية.
ومع التركيز الأولي على القطاعات كثيفة الكربون مثل الصلب والأسمنت والألمنيوم والأسمدة، فإن أعضاء التحالف الذين يتفقون على وضع حد أدنى لسعر الكربون يمكن أن يخفض الانبعاثات بنحو 7 أضعاف المسارات السياسية الحالية، كما تشير النماذج، في حين قد يجمعون أكثر من 180 مليار دولار سنويا من خلال تسعير الكربون داخل الدولة.
وأسست اتفاقية باريس الهدف العالمي للتكيف، بهدف وضع التكيف على قدم المساواة مع التخفيف، إلا أن التقدم المحرز في الاتفاق على أهداف قابلة للقياس، والأهم من ذلك، في توفير التمويل اللازم لتحقيقها، والذي كان بطيئا. ومن المفترض أن ينتهي هذا الغموض بحلول مؤتمر الأطراف الـ30.
وقد عمل المفاوضون على بلورة إطار عمل مستهدف مُتفق عليه في مؤتمر الأطراف الـ28 في دبي، لوضع مؤشرات لتتبع التقدم، والأهم من ذلك، تمويله، من خلال خارطة طريق "باكو إلى بيليم".
ويُؤطِّر تقرير جديد كيف يُمكن للتكيُّف أن يكون قصة نمو، مُسلِّطا الضوء على العوائد الاقتصادية والاجتماعية للاستثمار في القدرة على التكيُّف مع تغيّر المناخ. وتشير مجموعة من المنظمات البحثية إلى أن فوائد الاستثمار في التكيُّف تفوق تكاليفه بنحو 4 أضعاف، وأن توسيع نطاق التدخلات يُمكن أن يُوفِّر أكثر من 280 مليون وظيفة خلال العقد المُقبل.
وفي حديثه خلال إطلاق التقرير في الاجتماع السنوي للبنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول، قال نيك ستيرن، رئيس معهد غرانثام للأبحاث، إن الاستثمار في التكيف يحقق "معدل عائد هائل". ويدور النقاش الآن حول كيفية الاستثمار بطريقة تجعل الاقتصادات أكثر مرونة وتكيفا مع المتغيرات المناخية وكيف تُهيئ الظروف المناسبة لهذا الاستثمار.
ويُقدّر الباحثون أن هناك حاجة إلى 350 مليار دولار بحلول عام 2035 من أجل العمل المناخي، أما اليوم، فننفق أقل من 50 مليار دولار. وستواجه أكبر الشركات في العالم خسائر قدرها 1.2 تريليون دولار بحلول عام 2050 بسبب ارتفاع درجات الحرارة وفقدان الطبيعة البكر، في حين قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد على 18% بحلول عام 2050، على مستوى العالم.
وفي حين يتم تسطيح أجندة صافي صفر من قبل الأحزاب الشعبوية واليمينية، يمكن أن يفعل مؤتمر الأطراف أجندة عمل مناخية حقيقة. فالعالم يشهد الآن، ولو بدرجات متفاوتة، حرائق وفيضانات وجفافا، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية، وهو ما يجعل استنباط الحلول وتفعليها في مؤتمر الأطراف أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات مبادرات بيئية مصادر الطاقة المتجددة الوقود الأحفوری مؤتمر الأطراف العمل المناخی اتفاق باریس بحلول عام فی مؤتمر ر المناخ
إقرأ أيضاً:
تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا
باريس "أ.ف.ب": أفاد فريق دولي من العلماء اليوم الخميس بأن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري فاقم موجة الجفاف الشديد التي تجتاح أوروبا، مشيرا إلى أن درجات الحرارة القياسية وليس نقص هطول الأمطار، هي السبب الرئيسي لهذه الأزمة.
وتجتاح القارة موجة جفاف شديد، وتواجه دول من فرنسا إلى رومانيا، جفاف أنهار وقيودا على استهلاك المياه وحرائق غابات مدمرة، وذلك عقب موجة حر تاريخية ضربت المنطقة في يونيو.
وأظهرت دراسة جديدة أن المناخ الأكثر حرا في الوقت الراهن سرّع من فقدان الرطوبة في تربة أوروبا وبحيراتها وأنهارها، ما يزيد من احتمال حدوث ظروف جفاف شديد.
وأشارت مريم زكريا، وهي إحدى المشاركات في إعداد الدراسة التي أجرتها مجموعة World Weather Attribution، إلى أن أجزاء واسعة من أوروبا شهدت معدلات هطول أمطار دون المتوسط خلال فصل الربيع، إلا أن الحرارة الناجمة عن تغير المناخ هي التي جعلت الجفاف "أكثر حدة".
وأوضحت الباحثة في إمبريال كوليدج لندن لصحافيين "عموما، تظهر نتائجنا أن هذا الجفاف ليس مجرد قصة شح في الأمطار بالدرجة الأولى، بل هو نتاج غلاف جوي أشد حرارة يتسبب في زيادة العجز الرطوبي في الأرض".
وأضافت "وهذا يعني أنه حتى في المناطق التي لم تشهد تغيرات كبرى في كمية المتساقطات أو التي يتوقع فيها زيادة الأمطار موسميا، فإن مخاطر الجفاف تواصل الارتفاع".
ويعود ذلك إلى أن الغلاف الجوي الأكثر دفئا يمكنه حبس حوالي 7% إضافية من بخار الماء مع كل ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية، وفق العلماء.
وارتفعت حرارة الأرض 1,4 درجة مئوية تقريبا منذ الفترة بين عامَي 1850 و1900، ويعود ذلك أساسا إلى حرق الفحم والنفط والغاز.
ويقول العلماء إن تغير المناخ يجعل الظواهر المدمرة، مثل موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحر، أكثر تكرارا وشدة، وإن أوروبا هي القارة الأسرع احترارا في العالم.
وأفاد مرصد "كوبرنيكوس" الأوروبي بأن الشهر الماضي كان أكثر أشهر يونيو حرا على الإطلاق في أوروبا الغربية حيث تسببت موجة حر شديدة في آلاف الوفيات الإضافية.
وقال دومينيك شوماخر الذي شارك في وضع الدراسة من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زوريخ لصحافيين، إن الحرارة كانت شديدة لدرجة أن المناطق التي شهدت شتاء رطبا نسبيا جفت تماما بعد أشهر قليلة.
وتابع "عندما يزداد الهواء سخونة، فإنه يمتص الرطوبة من التربة ويجففها. حينها، تزداد درجات الحرارة ارتفاعا وتصبح التربة أكثر جفافا"، مشيرا إلى أن هذا الجفاف السريع هيأ الأرض أيضا لاندلاع حرائق الغابات.
وفي هذه الدراسة، استخدم علماء من أوروبا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة بيانات طقس ونماذج حاسوبية لمقارنة موجة جفاف في عالم اليوم الذي يشهد ارتفاعا في درجات الحرارة، بمناخ كانت درجات الحرارة فيه أقل بمقدار 1,4 درجة مئوية.
ووجدوا أن احتمال حدوث تربة شديدة الجفاف في الوقت الراهن تزيد بمقدار خمس مرات في أوروبا الغربية مقارنة بعالم خال من تغير المناخ، وبمقدار 11 مرة في أوروبا الشرقية.
وأصبح احتمال تسجيل المستويات المرتفعة للغاية من الطلب البخاري، وهو قدرة الغلاف الجوي على امتصاص الرطوبة من التربة والنباتات، التي شهدتها أوروبا الغربية بين أبريل ويونيو، أعلى بحوالي 80 مرة بسبب تغير المناخ.
وقالت مريم زكريا "بما أن الغلاف الجوي أصبح أكثر عطشا للماء الآن، فإن العجز في هطول الأمطار الذي ربما لم يكن ليسبب جفافا في مناخ ما قبل الثورة الصناعية، يمكنه اليوم أن يؤدي إلى كارثة أكثر شدة".