الجزيرة:
2026-07-24@16:00:05 GMT

لماذا ينقلب مسيحيو أميركا ضد إسرائيل؟

تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT

لماذا ينقلب مسيحيو أميركا ضد إسرائيل؟

في 11 أغسطس/آب الماضي، بث المؤثر الأميركي الشهير تاكر كارلوسون، المحسوب على صفوف أقصى اليمين في الولايات المتحدة، حلقة غير عادية من برنامج "البودكاست" الأسبوعي الخاص به "تاكر كالرسون شو".

في تلك الحلقة استضاف كارلسون الراهبة المسيحية الأميركية "الأم أغابيا ستيفانوبلوس"، وهي راهبة أرثوذكسية أميركية تعود جذورها إلى عائلة يونانية، فهي ابنة القس اليوناني الأرثوذكسي روبرت ج.

ستيفانوبولوس، الذي كان شخصية بارزة في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بالولايات المتحدة لفترة طويلة. لاحقا، أصبحت أغابيا راهبة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (خارج روسيا).

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الكلمات المتوحشة.. الفاشية المتفجّرة على لسان نتنياهوlist 2 of 2قناع الغرب الذي نعرفه يسقط ووجهه "القبيح" يوشك أن يظهرend of list

بحلول عام 1996، انتقلت ستيفانوبلوس إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وتعمَّقت في جذور وتفاصيل القضية الفلسطينية وامتزجت بها، ودافعت عن المجتمع المسيحي الفلسطيني لسنوات طويلة، ساعيةً إلى تعريف العالم بما يحدث للمسيحيين في الأراضي المحتلة على يد الصهاينة، بما في ذلك تقييد حركتهم ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم وتصعيب وصولهم إلى أماكنهم الدينية المقدسة وممارستهم لشعائرهم وعباداتهم.

وفي عام 2005، وجَّهت أغابيا رسالة صارمة إلى أعضاء الكونغرس الأميركي شرحت فيها كيف انفصلت القدس الشرقية فعليا بفعل السياسات الإسرائيلية عن بقية الضفة الغربية، وتوقعت أن الأمر مسألة وقت فقط "قبل أن يعجز المسيحيون والمسلمون عن البقاء ثقافيا واقتصاديا". وأفادت الراهبة بأن أسوار الخرسانة الإسرائيلية، التي يبلغ ارتفاعها 9 أمتار، "حطمت المجتمعات المسيحية"، وانتقدت في رسالتها سياسة الولايات المتحدة التي رأت أنها "انخدعت بالدعاية الإسرائيلية".

في لقائها مع تاكر كارلسون الذي لقي صدى واسعا للغاية في العالم الغربي وجلب عليها انتقادات شديدة من الموالين لإسرائيل، تحدثت الراهبة المهيبة صاحبة النبرة الهادئة من زاوية جديدة نسبيا على المستمع الغربي المسيحي المتدين، وهي زاوية دينية محضة. لقد أخبرت أغابيا المسيحيين الأميركيين المتدينين أن دعمهم لإسرائيل لا يعني فقط دعم الممارسات الاستعمارية الصهيونية ضد المسلمين في فلسطين، ولكنه يعني أيضا مناصرة "دولة احتلال تعادي المسيحيين وتقهرهم".

إعلان

تحدثت الراهبة بحكم معيشتها الطويلة في المنطقة عن كون المسيحيين الفلسطينيين يتشاركون مع نظرائهم المسلمين المآسي التي يسببها الاحتلال، منوهة أن الفلسطيني المسيحي يقابل عقبات كبيرة إذا ما أراد فقط زيارة الأماكن المسيحية المقدسة أو حتى زيارة أحد أقاربه في منطقة قريبة.

وحكت عن قصص عاينتها بنفسها لرجال دين مسيحيين مرضى رفضت سلطات الاحتلال منحهم التصاريح لزيارة المستشفى من أجل الفحوصات والعلاج. تحدثت الراهبة أيضا عن كيف تقلصت أعداد المسيحيين في البلاد منذ أن تأسست دولة الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948 بسبب هذه الممارسات التمييزية الممنهجة.

كما عبَّرت الراهبة المسيحية بصراحة عن موقفها مما سمّته "نظام الأبارتايد" الذي تقيمه دولة الاحتلال الإسرائيلي في الأرض المحتلة، ووصلت جرأتها إلى حد الدفاع المبطن عن المقاومة الفلسطينية، إذ قالت إن ما يحدث في الأراضي المحتلة لا يُعد "إرهابا إسلاميا" كما يسميه البعض في الولايات المتحدة، وإن على الجماهير المسيحية في البلاد الغربية أن يتوقفوا عن تصور الأمر كما يُقدَّم لهم أنه صراع بين الإسلام واليهودية.

الراهبة الأم أغابيا ستيفانوبولوس في "تاكر كارلسون شو"، وهي تتحدث بهدوء عن معاناة المسيحيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، ودعوتها للمسيحيين الأميركيين إلى إعادة التفكير في دعمهم لإسرائيل من منطلقٍ إيماني وأخلاقي. (مواقع التواصل)

وانتقدت أغابيا عن واقع الحياة في غزة وكيف تحول إلى سجن مفتوح منذ عشرين عاما، فبات ممنوع عليهم بموجب الحصار الإسرائيلي أن يقوموا بتنمية مجتمعهم اقتصاديا بأي طريقة، وحتى سكان غزة الذين يحصلون على منح تعليمية في الغرب تمنعهم دولة الاحتلال من الذهاب.

بصوتها الهادئ أيضا ذكَّرت الراهبة الأميركية المواطن الأميركي المسيحي أن كثيرا مما يقال له عن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية هو من قبيل السخف، إذ إن ما يحاولون إقناعه به هو أن تلك المقاومة إذا ما قضت على إسرائيل فسيكون عدوها التالي هو المواطن الأميركي، في حين أن حركة حماس، وكذلك بقية حركات المقاومة الفلسطينية، لم تصوب سلاحها أبدا تجاه مواطن في الولايات المتحدة. كما نفت الراهبة تماما عن المقاومة الفلسطينية التهمة التي يلصقها بها الإعلام الأميركي حول أنها مقاومة ذات عقيدة "جهادية متطرفة"، وأشارت أيضا إلى أنه لا يوجد في فلسطين مَن يريد أن يغير عقيدة المسيحيين بالعنف، وأن دافع أفراد حركة حماس الأساسي هو مقاومة الاحتلال وحماية أهلهم وأراضيهم.

ولم تنسَ الراهبة أيضا أن تُذكِّر مشاهديها المسيحيين في الولايات المتحدة الأميركية بأن المسلمين يؤمنون بعيسى بصفته نبيا ويعظمونه، وأنها من خلال حياتها مع المسلمين في فلسطين قد وجدتهم من أكثر الناس في العالم تعلقا بالله، وهذا ما يجعلهم قادرين بحسبها على تحمل المصائب التي تنزل بهم، والقتل والتشريد من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ثقب الفقاعة

أحدث كلام الراهبة على بساطته تأثيرا كبيرا في صفوف مستمعي البرنامج، حيث أمكن رصد الكثير من التعليقات المكتوبة من مواطنين أميركيين على الحلقة من قبيل: "لا أصدق أنني عشت كل هذا العمر أصدق الأكاذيب الإسرائيلية"، و"هذه الحلقة ستتمنى جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية أن تدفنها بعيدا عن الناس"، وهي تعليقات غير مألوفة خاصة وسط هذه الفئة من الجماهير.

إعلان

ولكن ربما أكثر ما أزعج وسائل الإعلام المؤيدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي في تلك الحلقة هو أنها كانت بمنزلة رصاصة مباغتة، فمشاهدها التقليدي هو المواطن الأميركي الأبيض المحافظ العادي الذي ينتمي أكثر إلى مربع اليمين السياسي، وها هو يجد راهبة مسيحية أميركية، ذات مكانة دينية مرموقة وترتدي غطاء على رأسها، وليست من جماعات "المراهقين اليساريين" الذين يمقتهم، وهي تقول له إن كل ما يخبرك به اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية ليس صحيحا، وإن عدو المسيحيين الحقيقي في الأراضي المقدسة ليس المسلمين بأي حال وإنما دولة الاحتلال التي يدعمها، بل وتقول له إن حركة المقاومة الإسلامية حماس ليست إرهابية ولا متطرفة دينيا.

كذلك فإن مَن استضاف الراهبة ليس إعلاميا ذا هوى يساري أو تقدمي، وإنما هو مؤثر مشهور يخاطب المسيحيين المتدينين اليمينيين الذين تعدهم دولة الاحتلال وأنصارها حجر زاوية أساسيا في الدعم الأميركي للممارسات الصهيونية، فتاكر كارلسون كان يعمل في قناة "فوكس نيوز" اليمينية المتطرفة الشهيرة منذ عام 2016 وحتى عام 2023، وهو بالنسبة للكثير من الأميركيين ليس فقط رمزا لليمين العادي وإنما لأقصى التشدد اليميني المعادي للهجرة والمهاجرين، وهو يؤكد دائما حقيقة كونه مسيحيا متدينا، ما يعني أن رعايته لهذا الخطاب المعادي للصهيونية بمنزلة ثقب لفقاعة الرواية الموالية لإسرائيل التي هيمنت على الخطاب السائد وسط صفوف اليمين الأميركي.

ففي السنوات الأخيرة، بات واضحا للباحثين المتخصصين في شؤون الولايات المتحدة أن الأفكار المسيحية الصهيونية تُعد واحدة من أهم الركائز التي جعلت السياسة الأميركية منحازة دائما للمصالح الإسرائيلية، حتى على حساب المصالح الأميركية في بعض الأحيان.

وتتمحور تلك الأفكار بحسب الموسوعة البريطانية "بريتانيكا" حول ضرورة دعم المسيحيين لدولة الاحتلال الإسرائيلي باعتبار هذا الدعم السياسي للدولة العبرية يُمثل تنفيذا لخطة الرب التي ستنتهي بالقدوم الثاني للمسيح، ومن ثم فإن الدفاع عن أرض دولة الاحتلال، بل وتوسعها، يُعد دفاعا عن الخطة التي وضعها الرب للعالم.

تمتلك الجماعات الدينية الإنجيلية المؤمنة بهذه الأفكار تأثيرا كبيرا في السياسة الأميركية وفي صياغة تصورات المسيحيين الأميركيين منذ عقود، وهي تضغط بشدة في سبيل تحقيق مصالح دولة الاحتلال، ولها علاقات وثيقة ونفوذ على مراكز صنع القرار الأميركي، وقد باتت تلك الأفكار الصهيونية المسيحية شديدة التأثير في النخبة السياسية اليمينية بالولايات المتحدة الأميركية إلى حد أن رموز تلك النخبة لا يخجلون من التعبير عن تلك الأفكار باعتبارها حججا سياسية يقدمونها للرد على الأسئلة الصعبة الخاصة بدولة الاحتلال الإسرائيلي.

على سبيل المثال، صرَّح مايك جونسون رئيس مجلس النواب الأميركي في أبريل/نيسان 2024 قائلا: "أعتقد أن معظم الناس يتفهّمون ضرورة تمويلنا لإسرائيل. إنهم يقاتلون من أجل وجودهم. بالنسبة لنا نحن المؤمنين، هناك توجيه في الكتاب المقدس بأن نقف إلى جانب إسرائيل، وسنفعل ذلك بلا ريب، وسينتصرون ما دمنا معهم".

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون (الفرنسية)

وبالمثل، صرح وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو في عام 2019 أن "من الممكن" أن يكون الله أرسل ترامب "لإنقاذ إسرائيل من إيران". ولاحقا في عام 2023 زعم بومبيو أن إسرائيل لا تحتل أي أراضٍ فلسطينية، وأنه بصفته مسيحيا إنجيليا ومن خلال قراءته للكتاب المقدس، يؤمن أن هذه الأرض "هي الوطن الشرعي للشعب اليهودي".

بعبارة أكثر صراحة، استشهد تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية تيكساس، بسفر التكوين لتبرير دعمه لإسرائيل. وفي مناظرة مع تاكر كارلسون في وقت سابق من العام الحالي، صرّح قائلا: "كوني مسيحيا، نشأتُ في مدرسة الأحد، تعلمتُ من الكتاب المقدس أن مَن يبارك إسرائيل يباركه الرب، ومَن يلعنها يلعنه الرب".

إعلان

وعندما تحدّاه كارلسون، متسائلا عما إذا كان هذا يعني أن الأميركيين "مأمورون بوصفهم مسيحيين بدعم إسرائيل"، أجابه كروز مؤكدا أن دعم إسرائيل قائم على الاعتقاد بأن "معظم الناس يفهمون هذا السطر في سفر التكوين على أنه يشير إلى الشعب اليهودي، شعب الله المختار"، وفق زعمه.

لقد باتت حجة "نحن مأمورون من الكتاب المقدس بدعم إسرائيل" دارجة على ألسنة السياسيين الجمهوريين اليمينيين من النخب الحاكمة في الولايات المتحدة للرد على الأسئلة المحرجة المتعلقة بطبيعة الاحتلال والانتهاكات التي يرتكبها، وهم يبررون ذلك غالبا وفق تفسير مستحدث لعبارة من سفر التكوين في العهد القديم موجَّهة للنبي إبراهيم تقول: "سأبارك أولئك الذين يباركونك، ومَن يلعنك سألعنه"، لكن هذه العبارة تلاعبت المسيحية الصهيونية بتفسيرها لتستبدل بإبراهيم إسرائيل الحديثة، دون أدلة معتبرة تدعم هذا التفسير.

ومن ثم بات المشهد السائد والتقليدي في الولايات المتحدة الأميركية هو أن المسيحي اليميني المحافظ هو داعم بالضرورة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وباتت الصورة العامة هي أن النخبة اليمينية المحافظة المسيحية تُوجِّه الجماهير المؤيدة لها بأفكار داعمة لدولة الاحتلال، وتقنع هذه الجماهير بأن الدفاع عن سياسات دولة الاحتلال هو في جوهره دفاع عن الولايات المتحدة، بل عن المسيحية نفسها.

لكن مؤخرا، منذ بداية الحرب الأخيرة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت أصوات خافتة داخل اليمين المسيحي المحافظ الأميركي تتمرد على تلك النغمة السائدة وتطرح أمام الجماهير اليمينية طرحا جديدا مناصرا للقضية الفلسطينية ومعاديا لسياسات دولة الاحتلال، وقد اجتذبت تلك الأصوات المعاكسة للتيار السائد مساحات متزايدة من جمهور اليمين الأميركي المسيحي المحافظ التي بدأت تتشكك في الرواية النخبوية اليمينية السائدة الداعمة لإسرائيل.

مسيحية معادية للصهيونية

رغم أن تلك الأصوات المؤثرة داخل اليمين تُعد جريئة في مخالفتها للتيار السائد، فإن هناك أرضية منحتها صوتا مسموعا، خاصة وسط المسيحيين اليمينيين الأصغر سِنًّا، فمنذ بداية فترة حكم ترامب الثانية بات واضحا أن الشارع الأميركي ينقلب ضد إسرائيل.

وبحسب تقرير لمركز "بيو" للأبحاث بعنوان "كيف ينظر الأميركيون إلى إسرائيل والحرب بين إسرائيل وحماس في بداية ولاية ترامب الثانية؟"، كانت نظرة الشعب الأميركي لدولة الاحتلال قد صارت سلبيةً في معظمها بالفعل، إذ بات أكثر من نصف البالغين الأميركيين (53%) لديهم رأي سلبي حول دولة الاحتلال.

يعكس استطلاع آخر نُشرت نتائجه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن صورة إسرائيل وسط صفوف الأميركيين استمرت في التدهور، حيث انخفضت نسبة الأميركيين الذين يؤيدون التعامل العسكري الإسرائيلي مع غزة إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وبات 39% منهم يرون أن إسرائيل "ذهبت بعيدا جدا" في عملياتها العسكرية في غزة، بينما ارتفعت نسبة مَن ينظرون إلى حكومة إسرائيل سلبيا إلى 59%، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ بدء استطلاعات مركز "بيو" بهذا الصدد.

وفيما يبدو، فإن انهماك الولايات المتحدة الأميركية بقيادة ترامب في مساندة دولة الاحتلال في حرب الإبادة التي تشنّها على قطاع غزة، وتبنّي ترامب نفسه للرواية الإسرائيلية مهما بلغ تهافتها، قد أثار استياء قطاع من جماهير الداعمين اليمينيين الذين صوَّتوا لترامب وكانوا يظنون أنه سيركز على نهوض الولايات المتحدة وكيفية جعلها "عظيمة من جديد"، كما وعد، وسيبتعد بها عن الحروب، فإذا بهم يجدونه وقد دخل حلبة الصراع بكل قوة من أجل إسرائيل.

هذه المقدمات، وغيرها، ربما تكون مهَّدت الطريق للأصوات المسيحية اليمينية المعادية للصهيونية لتظهر وتلقى تأثيرا بين الجماهير اليمينية الشابة التي بات لديها العديد من علامات الاستفهام حول سياسة بلادها المنخرطة بشدة في دعم وحماية كيان أجنبي تتناقض ممارساته بشكل صارخ مع جميع القيم المسيحية. وهنا برز صوتان مؤثران للغاية لإعلاميين مسيحيين يمينيين استطاعا أن يؤثرا بشدة في قطاع ليس صغيرا من الجماهير المسيحية اليمينية بأفكارهم المعارضة لدولة الاحتلال، وهما تاكر كارلسون وكانداس أوينز.

فمع تطورات الحرب الحالية، تبنَّى تاكر كارلسون صوتا مختلفا عن السائد في اليمين الأميركي، داعيا الولايات المتحدة إلى أن تكون أكثر حيادية في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، وألا تؤجج نيران الحرب هناك بدعمها المنحاز تماما لدولة الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ بداية صيف 2025 بدأ تاكر يركز في لقاءات برنامجه على استضافة شخصيات داعمة للقضية الفلسطينية ومنتقدة بشدة لإسرائيل، وعلى رأس تلك اللقاءات كان لقاؤه مع عالِم السياسة البارز جون ميرشايمر.

إعلان

بدأ تاكر يُظهر من خلال مداخلاته وأسئلته إلى ضيوفه المدافعين عن فلسطين تعاطفا واضحا مع القضية الفلسطينية، وانتقادا لاذعا ليس فقط لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بل لليمين الأميركي المحافظ نفسه، وعلى رأسه الرئيس دونالد ترامب بسبب موقفه الداعم لإسرائيل، وبسبب سوء تأويل اليمين الأميركي -بحسب تاكر- لآيات الكتاب المقدس على نحو يُظهرها وكأنها تدعو إلى دعم إسرائيل أيًّا يكن ما تفعله.

والأهم، شرع تاكر في طرح أسئلة صعبة كانت تُعَدُّ في نطاق المحظور في الإعلام الأميركي حتى وقت قريب، تتعلق بالدور الذي تلعبه جماعات الضغط الصهيونية في صناعة القرار الأميركي، وإلى أي حد يعمل اليمين الأميركي ونخبته الحاكمة لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي أكثر من عملهم لصالح الدولة الأميركية ذاتها.

وخلال لقائه الذي حظي بشهرة كبيرة مع عضو مجلس الشيوخ الأميركي اليميني تيد كروز، حاجج تاكر ضيف حلقته دينيا وأحرجه بشأن تفسيره لآيات العهد القديم على نحو سياسي يُخرجها عن سياقها ويُقنع من خلالها المسيحيين الأميركيين أن دعم دولة الاحتلال واجب ديني على كل مسيحي. كذلك عمل تاكر في حلقاته المختلفة على توضيح حقيقة اضطهاد المسيحيين من قِبَل دولة الاحتلال في فلسطين لجمهوره اليميني.

بل وصل تاكر إلى حد القول إن جيفري إبستين، رجل الأعمال المدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال وإدارة شبكة للاتجار الجنسي بالقاصرات، كان يعمل لصالح الحكومة الإسرائيلية، بل وأكد الإعلامي اليميني الأميركي أن كل شخص في واشنطن العاصمة يعرف هذا الأمر، داعيا صراحة إلى سحب الجنسية الأميركية عن أي أميركي خدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي أو أي جيش أجنبي آخر.

التحول المُنتظر

إلى جانب تاكر، هناك مؤثرة أخرى لعبت دورا كبيرا في جذب أنظار قطاعات يمينية مسيحية متدينة للقضية الفلسطينية، وهي كانداس أوينز. وأوينز إعلامية وناشطة سياسية أميركية ذات شعبية كبيرة في الأوساط اليمينية، وقد لعبت أوينز دورا بارزا في الدعم الإعلامي لدونالد ترامب منذ ولايته الأولى، غير أنها اتخذت موقفا ناقدا بقوة ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الحرب، والأهم أنها بَنَت هذا الموقف على فكرة أنها مسيحية صلبة مفادها أن سلوكيات دولة الاحتلال لا يمكن أن يدعمها مسيحي متدين.

منذ الشهر الأول للحرب الإسرائيلية في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كتبت كانداس بوضوح مُعلِّقةً على قصف دولة الاحتلال الإسرائيلي لكنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس في مدينة غزة قائلة: "لقد شعرت بالاشمئزاز من مروجي الدعاية الذين يتظاهرون أن كنيسة مسيحية لم تُقصف. لقد قُتل مسيحيون، لا ينبغي لأي مسيحي أن يلتزم الصمت".

أسهمت كانداس أيضا في توعية الجمهور الأميركي بأن معاداة السامية باتت تهمة جاهزة يستخدمها مؤيدو الصهيونية لينعتوا بها كل مَن يتجرأ على انتقاد الانتهاكات الإسرائيلية، وهاجمت بشدة الفكرة القائلة إن الولايات المتحدة الأميركية "تحتاج" إلى أن تدعم إسرائيل. وقد تسبب انتقادها الحاد لدولة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الصراع في طردها من منصة "ديلي واير" بعد تزايد الخلاف بينها وبين المذيع النافذ في المنصة "بن شابيرو" الذي يُعد من أبرز الأبواق الإعلامية المدافعة عن الاحتلال الإسرائيلي.

كانداس أوينز تتحدث خلال مؤتمر العمل السياسي للمحافظين (CPAC) في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا. (رويترز)

ركَّزت كانداس بعد ذلك على عملها بالإعلام المستقل، واستمرت في التعبير عن رأيها الداعم لفلسطين والمنتقد لدولة الاحتلال الإسرائيلي والمنتقد لدور الإدارة الأميركية في دعم حرب الإبادة بغزة والمؤكِّد أن القيم المسيحية تتنافى تماما مع دعم السلوكيات الإسرائيلية، سواء في برنامجها الخاص أو حين كانت تُستضاف في البرامج العالمية في الولايات المتحدة أو في أوروبا.

خلال هذه الحوارات، صعَّدت كانداس من لهجتها المناهضة لإسرائيل إلى درجة أنها وصفت الأعمال الإسرائيلية في غزة بأنها ليست فقط إبادة، وإنما "هولوكوست حقيقي"، وهو ما جلب لها اتهامات متصاعدة بمعاداة السامية، بل وصلت إلى حد توجيه انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأميركي ترامب أثناء ظهورها مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان في يونيو/حزيران الماضي، قائلة إنها تشعر بالحرج وخيبة الأمل أنها طلبت من الناس التصويت له، ومنتقدة قرار توجيه ضربات أميركية إلى إيران، قائلة لم يكن قرار ترامب، ولكن قرار نتنياهو.

تُسلِّط مواقف تاكر كارلسون وكانداس أوينز وغيرهما الضوء على الانقسامات المتصاعدة وسط صفوف اليمين الأميركي بسبب إسرائيل، حيث تبرز اليوم الحركة المسيحية المناهضة للصهيونية ليس فقط بوصفها ردَّ فعلٍ عاطفيا على الدعم الأميركي غير المحدود للجرائم الإسرائيلية، ولكن بوصفها تيارا يمتلك خطابا لاهوتيا مستقلا يرفض تطويع النصوص المسيحية المقدسة لخدمة إسرائيل، ويجادل أن الوفاء للإنجيل يتطلب التضامن مع الفلسطينيين الذين يعانون تحت الاحتلال.

ومع ذلك، يواجه المسيحيون المناهضون للصهيونية عقباتٍ كبيرة: على رأسها الاتهامات "المعلبة" بمعاداة السامية، ومحدودية النفوذ السياسي والمالي مقارنة بالتيارات وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

غير أن التحولات الجيلية في صفوف المسيحيين الإنجيليين تُبشِّر بوجهات نظر أكثر إنصافا بشأن الصراع في فلسطين، بعد أن بدأت تُطرح لأول مرة أسئلة جوهرية حول ما يتطلبه الإيمان المسيحي من تحقيق العدالة للفلسطينيين وإعادة التفكير في "التفسيرات الكتابية" التي طالما استُنِد إليها لتبرير الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل.

من المرجح أن تستمر هذه الأسئلة في تشكيل التفاعل المسيحي الأميركي مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لسنوات قادمة، وهو أمر ستكون له تداعيات عميقة على الولايات المتحدة، والعالم بأسره.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: شفافية غوث حريات دراسات فی الولایات المتحدة الأمیرکیة لدولة الاحتلال الإسرائیلی دولة الاحتلال الإسرائیلی المقاومة الفلسطینیة الیمین الأمیرکی الکتاب المقدس تاکر کارلسون دعم إسرائیل فی فلسطین منذ بدایة من خلال فی عام إلى حد فی غزة

إقرأ أيضاً:

إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟

يمر الصراع الإيراني الأمريكي بمنعطف هو الأخطر منذ سنوات؛ حيث انتقل المشهد من المناوشات المحدودة إلى الحشود الإستراتيجية، إلى جانب ترقب إيراني لإنزال أمريكي محتمل في 4 جزر في مضيق هرمز وهم أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة خارك، وفق مراقبين.

وفي هذا السياق أشار مراسل الجزيرة في طهران نور الدين الدغير إلى وجود تقديرات وتحركات عسكرية إيرانية ترتبط باحتمالية دخول بري عسكري أمريكي إلى جزر إيرانية خلال المرحلة القادمة.

وهو الأمر الذي دفع الجانب الإيراني لإعادة انتشار القوات في تلك المناطق التي يتوقع أن يكون الجانب الأمريكي قد حددها كأهداف للاقتحام البري.

قائد القوات البرية للحرس الثوري الإيراني: القوات المسلحة مستعدة للرد على أي أعمال عدائية (وكالة الأنباء الإيرانية)

لكن من وجهة نظر عسكرية فإن هذا الخيار مستبعد، بحسب الخبير العسكري العقيد نضال أبو زيد، الذي أكد أن طبيعة التضاريس الجبلية في إيران تصعب من العملية البرية، مشبها إيران بـ "القلعة الطبيعية"، كما أن "اتساع مساحة الحدود بمختلف تضاريسها لن تصب في مصلحة أي قوة مهاجمة" بحسب تصريحات الخبير العسكري لقناة الجزيرة .

وتابع أبو زيد أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن "التوغل في العمق" سيعني مواجهة مباشرة مع بيئة جغرافية معادية وقوات برية إيرانية (الجيش والبسيج) التي "أعدت نفسها لعقود لمثل هذا اليوم".

لذا، فإن الإنزال البري الكلاسيكي بآلاف الجنود والدبابات يظل خيارا مستبعدا في المطبخ العسكري الأمريكي.

السيناريو البديل

ويطرح العقيد نضال أبو زيد السيناريو الأكثر ترجيحا وهو "الخيار البري المحدود والمرافق" بمعنى الخيار البري الذي يدعم الحركات الانفصالية، معتبرا أن هذا الخيار يهدف إلى:

فتح ممرات برية: لا سيما في الزاوية الجنوبية الغربية القريبة من الحدود الباكستانية. دعم الحركات الانفصالية: مثل "جيش العدل" في منطقة سيستان وبلوشستان. تكتيك "الوكيل المحلي": بدلا من أن يقاتل الجندي الأمريكي في الجبال، تقوم واشنطن بتقديم الإسناد الناري (عبر قاذفات بي-1 لانسر والمدمرات) والإسناد الاستخباري لجماعات معارضة مسلحة تتولى المهمة البرية تحت غطاء جوي أمريكي كثيف. ضربة أمريكية لموقع إيراني قرب مضيق هرمز (رويترز)رؤى الجانبين

ولفهم المشهد وفق التقديرات العسكرية وتصريحات واشنطن وطهران، فيتضح أن المشهد الحالي يدار بعقيدتين متصادمتين:

إعلان واشنطن (عقيدة الكتلة النارية): والتي تعتمد على حشد "كمي" هائل للطائرات والمدمرات جوا وبحرا ولوجستيا وذلك بعد تقدم المدمرة آرلي بيرك في مسرح العمليات والمدمرة تايسون وحاملات الطائرات، بهدف خلق حالة من الشلل التام للقدرات الإيرانية عبر قصف إستراتيجي يمهد لتلك "الممرات البرية المحدودة" وهو ما يحدث منذ عودة التصعيد مرة أخرى، وفق الخبير العسكري.

ولفت إلى أن أبرز ما يعكس التحول الإستراتيجي العسكري الأمريكي هو إقحام القاذفة بي-1 لانسر وهي قاذفة بعيدة المدى متعددة المهام في معادلة المواجهة.

ويصف أبو زيد هذه القاذفة بأنها "كتلة نارية" هائلة تتجاوز سرعتها سرعة الصوت، وتمتلك قدرة تدميرية استثنائية بحمولة تصل إلى 34 ألف طن من المتفجرات، تشمل قذائف جدام وقنابل جي بي يو الخارقة للتحصينات وصواريخ كروز.

ويؤكد الخبير العسكري أن دخول هذه الطائرة تحديدا  (بي-1 لانسر) يعني أن الأهداف الأمريكية لم تعد تكتيكية أو محدودة، بل انتقلت إلى مرحلة استهداف "الأصول الإستراتيجية الكبرى لإيران"، مما يعكس رغبة واشنطن في إحداث تهشيم واسع للقدرات الإيرانية الحيوية في حال اندلاع الصدام الشامل.

طهران (عقيدة الرد المتماثل):  أما إيران فتكرر اعتمادها إستراتيجية الرد بـ "منشأة مقابل منشأة". فإذا فكرت واشنطن في إنزال بجزيرة خارك، فإن طهران ستضرب سلاسل إنتاج الطاقة في المنطقة برمتها، محولةً الصراع إلى "حرب طاقة عالمية" تدفع بالنفط فوق حاجز الـ 100 دولار، وفق ما ذكره مراسل الجزيرة الدغير. إسرائيل في خط المواجهة

فيما يخص الدور الإسرائيلي، يرى العقيد نضال أبو زيد أن إسرائيل تحولت بالكامل إلى "قاعدة حشد" عسكرية متقدمة ومحصنة في المنطقة، حيث تم تغطيتها بمظلة دفاعية جوية هي الأكثر تعقيدا، تشمل منظومات حيتس ومقلاع داود والقبة الحديدية، بالإضافة إلى منظومة "ثاد" الأمريكية في النقب.

ويشير أبو زيد إلى أن "المطبخ العسكري" الأمريكي، رغم استخدامه التهديد بدخول إسرائيل كأداة ضغط سياسي لدفع طهران نحو المفاوضات، إلا أنه يبدي تحفظا تجاه انخراطها المباشر؛ وذلك بسبب العقيدة القتالية الإسرائيلية التي تؤمن بأن "ما لا يأتي بالقوة، يأتي بمزيد من القوة"، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف هائل للذخائر ورعونة في القرار العسكري تخرج الصراع عن السيطرة.

ومع ذلك، يؤكد أبو زيد أن الجانب الإسرائيلي أتمّ كافة استعداداته، وبات دخوله في خط المواجهة أمرا حتميا ينتظر فقط "الضوء الأخضر" السياسي من واشنطن، في ظل ما وصفه بـ "الخطأ الإيراني" المتمثل في عدم التدخل لتعطيل تلك التحضيرات داخل الأراضي المحتلة.

مقالات مشابهة

  • فلسطين عن إدراج سبسطية على قائمة التراث المهدد بالخطر: إحباط محاولات إسرائيل لتزوير هويتها
  • قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفذ عمليات نسف وإطلاق نار في جنوب لبنان
  • الرئيس عون استقبل سلام وأطلعه على نتائج زيارته الى الولايات المتحدة
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • خبير نووي يتحدث لـعربي21 عن الاتفاق السعودي الأمريكي.. لماذا تعارضه إسرائيل؟
  • إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
  • استخبارات غربية: إيران قد تهاجم إسرائيل استغلالاً لخلافها مع أميركا
  • لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
  • أميركا تبلغ إسرائيل بـالتأهب وبريطانيا: جاهزون
  • الشيوخ الأميركي يعرقل قراراً لوقف حرب إيران