أطباء بلا حدود لـعربي21: ندعو دول الرباعية لتحرك فوري لإيقاف أزمة السودان
تاريخ النشر: 8th, November 2025 GMT
دعت مديرة المكتب الإعلامي الإقليمي لمنظمة "أطباء بلا حدود"، جنان سعد، دول "الرباعية" التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، إلى "التحرك الفوري عبر استخدام نفوذها السياسي والدبلوماسي لوقف العنف وإنقاذ المدنيين في السودان"، قائلة: "يجب الضغط من خلال جميع السبل الممكنة لفتح ممرات إنسانية آمنة وضمان وصول المساعدات الطبية والغذائية".
وقالت سعد، في مقابلة خاصة مع "عربي21": "نطالب قوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها بوقف استهداف المدنيين فورا والسماح لهم بمغادرة الفاشر والوصول إلى مناطق آمنة"، منوهة إلى أن "الوقت ينفد، والوضع الإنساني يزداد سوءا يوما بعد يوم".
وشدّدت مديرة المكتب الإعلامي الإقليمي لمنظمة "أطباء بلا حدود"، على أن "الوضع الإنساني في مدينة الفاشر كارثي بكل المقاييس"، مؤكدة أن "فرق المنظمة تلقت شهادات مروّعة من الناجين والجرحى الذين وصلوا إلى طويلة، حيث تحدثوا عن عمليات قتل جماعي واستهداف على أساس عرقي، واختطاف وتعذيب واحتجاز مقابل فدية، بل وحتى دهس بالمركبات".
وذكرت أن "بعض الشهادات تشير إلى مقتل مئات المدنيين أثناء محاولتهم الفرار من المدينة، بينما لا يزال عدد كبير منهم في عداد المفقودين حتى الآن"، مشيرة إلى أن "هذه الشهادات تثير قلقا بالغا بشأن نمط من العنف الممنهج ضد مجموعات بعينها من المدنيين".
وأوضحت سعد أن "منظمة أطباء بلا حدود لا تعمل حاليا داخل الفاشر بسبب انعدام الأمن، وأن وجودها الطبي يتركز في مدينة طويلة على بُعد نحو ستين كيلومترا، بعد أن أُجبرت على تعليق أنشطتها في الفاشر منذ آب/ أغسطس الماضي نتيجة سلسلة من الهجمات على المرافق الصحية".
وبيّنت أن "الوضع الطبي في الفاشر انهار بالكامل تقريبا؛ إذ توقفت المستشفيات عن العمل بعد تعرضها لهجمات متكررة، ولم تعد الخدمات الطبية متاحة سوى في نطاق محدود داخل طويلة التي تشهد اكتظاظا كبيرا في مرافقها"، موضحة أن "الأطفال والبالغين الذين وصلوا إلى هناك يعانون من سوء تغذية حاد وحالات صدمة نفسية شديدة، فضلا عن أن بعض الناجين قالوا إنهم اضطروا إلى أكل علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة".
ومنذ نيسان/ أبريل 2023، يشهد السودان حربا بين الجيش و"قوات الدعم السريع" بسبب خلاف بشأن المرحلة الانتقالية، ما تسبب في مجاعة ضمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، وفي مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص.
وفي 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، استولت "قوات الدعم السريع" على مدينة الفاشر مركز ولاية شمال دارفور غربي السودان، وارتكبت مجازر بحق مدنيين بحسب منظمات محلية ودولية، وسط تحذيرات من تكريس تقسيم جغرافي للبلاد.
ومن أصل 18 ولاية بعموم البلاد، تسيطر "قوات الدعم السريع" حاليا على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس غربا، عدا بعض الأجزاء الشمالية من ولاية شمال دارفور لا تزال في قبضة الجيش الذي يسيطر على معظم مناطق الولايات الـ13 المتبقية بالجنوب والشمال والشرق والوسط، وبينها العاصمة الخرطوم.
ويُشكّل إقليم دارفور نحو خمس مساحة البلاد، غير أن معظم السودانيين البالغ عددهم 50 مليونا يسكنون في مناطق سيطرة الجيش.
وأدناه نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
بدايةً، كيف تصفون الوضع الإنساني الراهن في مدينة الفاشر بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها؟
الوضع الإنساني في الفاشر كارثي بكل المقاييس. المدينة كانت مُحاصرة منذ أكثر من سبعة عشر شهرا، ومع سيطرة قوات الدعم السريع عليها أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تفاقم الوضع بشكل مأساوي. آلاف المدنيين حاولوا الفرار، لكن معظمهم ما زالوا عالقين داخل المدينة أو في محيطها. مَن تمكن من الوصول إلى منطقة طويلة، حيث تعمل فرقنا، والواقعة على بُعد ستين كيلومترا، وصل في حالة صدمة، جوعى ومنهكون، وكثير من الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد.
ما أبرز الانتهاكات أو الفظائع التي وثّقتها فرق "أطباء بلا حدود" خلال الأيام التي تلت سقوط الفاشر؟
أولا، يهمّنا التأكيد أننا ندين الفظائع الجماعية المروّعة وعمليات القتل، سواء كانت عشوائية أو قائمة على أساس عرقي، التي بلغت ذروتها في الأسابيع الماضية في الفاشر والمناطق المحيطة بها في السودان. وقد تلقينا شهادات صادمة من الجرحى والناجين الذين وصلوا إلى طويلة، حيث تتواجد فرقنا.
هؤلاء تحدثوا عن عمليات قتل جماعي، واستهداف مدنيين على أساس عرقي، واختطاف واحتجاز مقابل فدية، وضرب وتعذيب، بل وحتى دهس بالمركبات. بعض الشهادات تشير إلى أن مئات المدنيين قُتلوا أثناء محاولتهم الفرار من المدينة، فيما لا يزال آخرون مفقودين حتى الآن.
هل تمكنت فرقكم الطبية من الوصول إلى الفاشر أو محيطها بعد تصاعد أعمال العنف، أم ما زال الوصول إليها محظورا؟
لا نعمل حاليا داخل الفاشر نفسها. وجودنا الطبي يتركّز في طويلة، على بُعد نحو ستين كيلومترا من المدينة. أُجبرنا على تعليق أنشطتنا في الفاشر منذ آب/ أغسطس الماضي بعد سلسلة من الهجمات على المرافق الصحية. المعلومات التي نشاركها اليوم تأتي من شهادات المرضى والناجين الذين وصلوا إلينا في منطقة طويلة.
ما التحديات التي تواجه طواقم "أطباء بلا حدود" في تقديم المساعدات أو إجلاء المصابين من مناطق القتال؟
أبرز التحديات هي القيود المفروضة على حركة المدنيين، وصعوبة وصول الجرحى إلينا بسبب نقاط التفتيش والعنف المستمر. كما أن تكرار الهجمات على المرافق الطبية جعل من الصعب جدا العمل بأمان. الحصار الطويل أدى إلى نقص حاد في الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، ما يعيق الاستجابة الإنسانية بشكل عام.
هل هناك تقديرات محدثة لأعداد القتلى والجرحى أو المفقودين منذ سيطرة "الدعم السريع" على الفاشر؟
حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025، استقبل مستشفانا في طويلة نحو 400 جريحا، وأجرينا أكثر من 60 عملية جراحية، لكن لا توجد تقديرات شاملة لأعداد القتلى أو المفقودين داخل الفاشر نفسها؛ إذ لا يمكن الوصول إلى المدينة، ولا تزال مناطق واسعة معزولة تماما عن أي تواصل.
إلى أي مدى تدهورت الخدمات الطبية داخل المدينة، وهل المستشفيات والمراكز الصحية ما زالت تعمل؟
الوضع الطبي في الفاشر انهار بالكامل تقريبا. حتى قبل سقوطها، كانت المستشفيات تعمل في ظروف يائسة، بلا أدوية أو مستلزمات، وبعض الجراحين كانوا يجرون عمليات بأدوات بدائية. بعد الهجمات التي طالت المرافق الصحية، توقفت معظم الخدمات بشكل كامل، ما جعل الوصول إلى العلاج أمرا شبه مستحيل.
كيف تصفون الوضع الغذائي في الفاشر والمناطق المحاصرة، خاصة مع ورود تقارير عن مجاعة حقيقية تضرب السكان؟
الوضع الغذائي مأساوي للغاية. الفاشر والمناطق المحيطة بها تعاني من سوء تغذية منذ أكثر من عام. الأسواق دُمّرت، والأسعار ارتفعت بشكل هائل، والمساعدات الإنسانية لا تصل. من بين الأطفال الذين وصلوا إلى طويلة، يعاني ثلاثة أرباعهم من سوء تغذية حاد، وأكثر من ربعهم في حالة حرجة. بعض الناجين قالوا إنهم كانوا يعيشون على علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة.
ما نوع الإصابات والحالات التي تستقبلونها في مرافقكم بمدينة طويلة أو في النقاط الطبية القريبة من الفاشر؟
نستقبل يوميا جرحى بطلقات نارية، وإصابات بالضرب والتعذيب، وكسورا وجروحا ملتهبة. كما نرى حالات سوء تغذية حاد بين الأطفال والبالغين، وحالات صدمة نفسية شديدة بعد ما مرّ به الناس في الفاشر.
ما حجم الطاقة الاستيعابية الحالية لمرافق أطباء بلا حدود في طويلة، وهل هي قادرة على التعامل مع تدفق جديد من النازحين؟
الوضع صعب للغاية. المستشفى في طويلة مكتظ، لكننا وسّعنا قسم الطوارئ وفتحنا نقطة طبية على مدخل المدينة لفحص الوافدين الجدد وتحويل الحالات الحرجة مباشرة إلى المستشفى. فرقنا تعمل بأقصى طاقتها للتعامل مع الأعداد المتزايدة من المصابين والنازحين.
ما صحة التقارير التي تتحدث عن عمليات قتل على أساس عرقي واعتقالات وتعذيب بحق المدنيين الفارين من الفاشر؟
الشهادات التي تصلنا من مرضانا الذين فرّوا من الفاشر تؤكد وجود عمليات قتل واستهداف على أساس عرقي، بالإضافة إلى حالات اختطاف وتعذيب واحتجاز مقابل فدية. ما نسمعه من المرضى والناجين يثير قلقا بالغا بشأن نمط من العنف الموجّه ضد مجموعات بعينها من المدنيين.
كيف تقيّمون استجابة المجتمع الدولي حتى الآن تجاه النداءات المتكررة الصادرة عن "أطباء بلا حدود"؟
نوجّه نداءً عاجلا إلى قوات الدعم السريع والجماعات المسلحة المتحالفة معها لوقف استهداف المدنيين والسماح لهم بالفرار إلى مناطق آمنة. كما نحثّ جميع الأطراف الدبلوماسية، بما في ذلك ما يُعرف بـ"الرباعية" التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، على استخدام نفوذها لوقف إراقة الدماء.
ما الإجراءات العاجلة التي تطالبون بها من قوات الدعم السريع والأطراف الإقليمية لوقف الكارثة الجارية؟
نطالب قوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها بوقف استهداف المدنيين فورا والسماح لهم بمغادرة الفاشر والوصول إلى مناطق آمنة. كما ندعو جميع الأطراف، بما في ذلك مجموعة الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)، إلى استخدام نفوذها لوقف المجزرة وتمكين المساعدات الإنسانية من الوصول إلى السكان.
هل تتلقون أي دعم أو تنسيق من المنظمات الأممية أو السلطات المحلية لتأمين ممرات إنسانية آمنة؟
حتى الآن، لا توجد ترتيبات فعّالة تضمن ممرات آمنة أو تنسيق واضح يسمح بإجلاء الجرحى والمدنيين. نواصل الدعوة إلى توفير تلك الممرات وضمان احترامها من جميع الأطراف، لأن العالقين داخل المدينة في حاجة ماسة إلى الإغاثة والرعاية الطبية.
كيف يتعامل طاقم "أطباء بلا حدود" الميداني في طويلة مع موجات النزوح الجديدة ومحدودية الموارد المتاحة؟
فرقنا الطبية تعمل ليلا ونهارا. أنشأنا نقطة طبية جديدة لاستقبال الوافدين من الفاشر، ونوفر الرعاية الجراحية والطارئة والغذائية لهم. كثير من زملائنا يحاولون علاج الناس والبحث عن ذويهم في الوقت نفسه.
ما الرسالة التي توجهها المنظمة إلى "مجموعة الرباعية" لوقف المجزرة الجارية؟
ندعو مجموعة الرباعية إلى التحرك الفوري لاستخدام نفوذها السياسي والدبلوماسي لوقف العنف وإنقاذ المدنيين. يجب الضغط من خلال جميع السبل الممكنة لفتح ممرات إنسانية آمنة وضمان وصول المساعدات الطبية والغذائية. الوقت ينفد، والوضع الإنساني يزداد سوءا يوما بعد يوم.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية مقابلات أطباء بلا حدود السودان الدعم السريع الفاشر الجيش السودان الجيش أطباء بلا حدود الدعم السريع الفاشر المزيد في سياسة مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة قوات الدعم السریع الذین وصلوا إلى الوضع الإنسانی أطباء بلا حدود على أساس عرقی سوء تغذیة حاد من سوء تغذیة الوصول إلى عملیات قتل من الفاشر فی الفاشر فی طویلة حتى الآن إلى من
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.