الثورة نت:
2026-06-03@00:01:05 GMT

الاقتصاد الأمريكي “المتسول القادم بعناد”

تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT

 

 

قالها جوزيف ستيغلتز: “إن الاقتصاد الأمريكي، كالسفينة الضخمة، لا يغرق فجأة، بل يبدأ بالتصدّع من داخله حين تنفصل السياسة عن المنطق”، فحكومة لا تصرف رواتب موظّفيها، وتحاصر اقتصادها بالشلل، تخبرنا أكثر مما يقول خطابها: لقد خسرت القدرة على إدارة نفسها.
تلك “ماما أمريكا”، وشعبويتها الترامبوية في أسوأ أزمة داخلية تعانق ضعف الدولة ونضوب أدواتها الحكوميّة، ليكون الإغلاق الحكومي لمدار 36 يوماً متواصلة، سبباً لكشف هوية حرافيش البيت الأبيض ولكن بصورتهم الهمجية التي أعاقت خلالها عجلة الاقتصاد، وارتدت نتائجه التي تعكس فشلاً في إدارة الشأن الداخلي على خريطة السياسة الخارجية والمكانة الدولية.

بدءاً من بداية النزاع المالي بين الحزبين (الجمهوريين والديمقراطيين) حول تمويل الإنفاق، متحولاً بسرعة الشخصنة إلى اختبار يوميّ لكفاءة المؤسسات، وثقة المواطنين، واستقرار الدولار، بل وللقدرة الأمريكية على أن تكون “الدولة العاملة” التي وعدت بها يوماً.
لقد تراكمت الأرقام وبياناتها في قلب هذا الإغلاق الحكومي لتؤكّد الانهزام القاطه وكأنه إنهيار الحادي من سبتمبر وبرجي التجارة العالمي، بتقديرات تفيد بأن الاقتصاد يفقد ما بين 10 و30 مليار دولار أسبوعياً نتيجة توقف الإنفاق الحكومي، وتعطّل الرواتب وتأجيل الخدمات. لتأخذ خسارة النمو شكل انحدار تدريجي. فمثلاً حينما تتوقف أجهزة الدولة، يتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وينكمش الطلب الداخلي المؤسس لاقتصاد يعتمد على حركة المواطنين. كما أن الدولار الأمريكي بدأ يفقد جزءاً من مكانته كـ (دبلرة) عملة الملاذ العالمية، بعدما ظهر للمستثمرين أن الولايات المتحدة عاجزة حتى عن تشغيل مؤسّساتها، فما بالك بإدخال العالم في لعبة الاقتصاد الواهم وحبارير الموت؟..
ومن الداخل كان الكابوس منذ تولي ترمب البيت الأبيض انهار سوق العمل، بوضوح بفصل نحو 670 ألف موظف فيدرالي تعرضوا للإجازة القسرية بلا أجر، فيما نحو 730 ألفاً – في قطاعات حيوية مثل الأمن والمطارات والجيش حتى صار الإضراب في حركة 40 مطار – واصلوا العمل من دون تقبّض رواتبهم. وهنا نري من الأرقام “دورة مقلوبة”: (موظفون بلا دخل، وخسارة للانفاق، وركود في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة). ليس هذا فحسب، بل إن جمود التوظيف الحكومي أعاق فرص التوظيف الجديدة في القطاعين العام والخاص، وبدأت بعض الشركات تأجيل خطط التوظيف خوفاً من بيئة غير مستقرة، ما يزيد من احتمال ارتفاع معدلات البطالة خلال الربع الأول من 2026. لكن هذا الإغلاق ضرب ثقة هذه الأسر بعنقها. توقف الرواتب أدى إلى تقليص الاستهلاك، وهو أحد الأعمدة الثلاثة للنمو الأمريكي. وعلى الرغم من ذلك والحكومة الفيدرالية لم تكتفِ بإيقاف صرف الرواتب، بل عطّلت أيضاً برامج الدعم الاجتماعي وبرنامج المساعدة الغذائية (SNAP) وتأخر دفع مساعداته مع دخول الشتاء، ما وضع أرباب الأسر في مواجهة مباشرة مع ارتفاع التكاليف وتقليص الخيارات. وهو ما انعكس سلباً على ملايين الأمريكيين حتى ممن أعطوا أصواتهم لترامب وحزبه الهابط، ليجدوا أنفسهم فجأة في دائرة حرمان وخوف، ما يولّد توتّراً اجتماعياً إلى جانب التدهور الاقتصادي.
أما في قطاع التأمين الصحي، فالأزمة صارت أكثر عمقاً لنحو 20 مليون أمريكي، بتأجيل صرف هذه الإعانات مما زاد من تكاليف التأمين بشكل مباشر للمواطن، وفقدان القدرة على التخطيط المالي الأسري. وأدى لتراجع ثقة المستهلكين في الاقتصاد فانخفضت عمليات الشراء، وتأخّر الاستثمار في الأُسَر الصغيرة، وبدأت معنويات السوق تتراجع.
وخارجياً كانت الطامة انعكاساً لإغراق البيت الأمريكي، ففشلت الإدارة الأمريكية في تسيير الحكومة، فكيف تستطيع تسيير السياسة الخارجية؟ هذا التناقض انعكس سلباً على الثقة بمصداقية واشنطن، وقلق الشركاء الدوليين من قدرة الدولة على الوفاء. بل وجعل ضعف أداء الاقتصاد وانحدار الدولار قدّما مؤشّراً بأن مكانة الولايات المتحدة كقائد اقتصادي عالمي لم تعد مفروغة منه ضمنياً، بل أصبحت محلّ تساؤل أو (المتسول القادم).
إن الإغلاق الحكومي الأمريكي ليس مجرّد أزمة مؤقتة، بل إعلان بأن آليات الحكامة، الميزانية، والإنفاق في أكبر اقتصاد في العالم والبيت الأبيض بإدارته وحرافيشه، يمرّ بمرحلة ترنّح. وقد تكون النقد الأمريكي والعملة الاحتياطية العالمية أول من يشعر بهذا التذّبذَب الخطير لتآكل التوافق السياسي الذي كان يوماً ما ركيزة صلابة الاقتصاد الأمريكي، وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الأزمات المالية لا تبدأ من الأسواق، بل من عجز الأنظمة عن اتخاذ القرار.
وأخيراً: “إن الأمة التي تفقد القدرة على تشغيل مؤسّساتها تبدأ بفقدان القدرة على قيادة العالم كونها حبارى لعوب”. و”حين يصبح التعطيل السياسي أداة للحكم، يتحول الاقتصاد إلى رهينة، والمواطن إلى رقم في معادلة المساومة” – بول كروغمان.
* كاتب مصري

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!

من المؤكد أنه لا إيران ولا أحد في المنطقة يريد الحرب، والحروب الأمريكية الصهيونية هي التي فرضت على إيران وأجبرتها على المواجهة للدفاع عن النفس وهو حق مشروع..
ومع ذلك وحين تمارس إيران حق الدفاع عن النفس عسكرياً أو سياسياً تفاوضياً، يبرز من يستهدف إيران  ليطرح مثلاً أن إيران هي من تريد الحرب أو الحروب وقد يطرح أن موقف إيران في التعامل مع اليورانيوم المخصب أو حتى القوة الصاروخية هو تشدد وتطرف بمثابة استدعاء أو دعوة للحرب.
المتأمركون والمتصهينون لا يقبلون بأي موقف إيراني سوى استسلام إيران ولو قبلت إيران بذلك فسيسمون ذلك أنه السلام بل وقد يقبلون بعد استسلام إيران منحها عناوين إنجازات وانتصارات، فذلك لا يضر ما دامت إيران قبلت بالاستسلام..
ما يحدث مع إيران يعيدني إلى حرب ١٩٧٣م بين العرب وإسرائيل وهذه الحرب انتهت بوقف إطلاق نار ثم وساطة أو وسيط أمريكي “كيسنجر” ومفاوضات بإشراف أمريكي، والطريف أن مصر رفعت شعار أنها انتصرت وكانت تحتفل ولا زالت تحتفل في ٦ أكتوبر باعتباره عيد نصر وإسرائيل تؤكد أنها من انتصر في هذه الحرب وتحتفل بطريقتها، وبالتالي فالنصر الذي جاء من المفاوضات وبتفعيل أمريكي هو الأهم وفي سيناء مثلاً فالسيادة اعتمدت لمصر ولكن الأمن في سيناء هو لصالح إسرائيل فمنحت مصر السيادة شكلياً ولا معنى لها أو قيمة في ظل منح الأمن في سيناء لإسرائيل والواضح من هذا أن أمريكا منحت النصر لإسرائيل من خلال سيطرتها على سيناء أمنياً..
هكذا يراد استسلام إيران من خلال المفاوضات وستجد مُنظِّراً عربياً في الفضائية الروسية يقول بتسليم إيران لليورانيوم المخصب لأمريكا وقبول شروط أمريكا في المسألة النووية ومعالجة مسألة قوتها الصاروخية ومدى صواريخها، ستحقق مكاسب كبيرة وكثيرة، بل ويقدم ذلك على أنه انتصار لإيران، ومثل هذا ظل يقال لمصر والنتيحة واقعياً كحال مصر غير ما قيل وما ظل يقال مصرياً وأمريكياً..
المعضلة الكبرى وفي حالة عالمية تختلف، هي أن إيران ترفض رفضاً قاطعاً الإستسلام لا على الطريقة المصرية العربية وربطاً بها الليبية والعراقية وذلك ما يجعل ترامب أمريكا في تخبطات وتوهان وإنفعالات وتناقضات يصعب فهمها ويصعب قياسها خاصة وأمريكا طرف أساسي وأصيل في العدوان على إيران، وما تريده أمريكا مثلاً هو أن تمنح السيادة على مضيق هرمز لإيران، فيما الأمن والحركة في المضيق لأمريكا في محاكاة حالة سيناء، وأرى أن مثل هذا تم تجاوزه عالمياً أو دولياً..
أمريكا مترددة بين استحقاقات السلام في المنطقة، بل وفي العالم وبين خيار الحرب الذي باتت نتائجه بالأوضح والأرجح في غير صالح أمريكا، وقد يدفعها إلى وضع أشد صعوبه إما بطريقة فيتنام أو إفغانستان..
ترامب منذ مجيئه وصل به الحال إلى القول: «إن الله هو الذي اختاره ليعيد العظمة لأمريكا أو يعيد أمريكا إلى عظمتها”..
ما دام ترامب جيء به ليعيد العظمة لأمريكا أو يعيد أمريكا لعظمتها، فهو بوضوح يعترف أن أمريكا لم تعد العظمى أو العظيمة وكان يعنيه وعليه أن يتعامل مع العالم بواقعية وعقلانية هذا الإعتراف، ولكنه -بدلاً من ذلك- سار في كل أشكال الغطرسة والبلطجة وزج به زجاً إلى العدوان على إيران من أجل الكيان الصهيوني وتناسى إعادة العظمة لأمريكا وحتى شعار “أمريكا أولاً” ليتم اقتياده إلى شعار “إسرائيل أولاً”..
إذا الصهيونية فرضت على ترامب السير في خط “إسرائيل أولاً”، فوضع اللا حرب واللا سلم فرضه واقع ومتغيرات العالم فرضت ذلك فرضاً عليه، لأنه بات كفاقد القدرة على السير في خيار واستحقاقات السلم والسلام وهو يكذب وسيواصل في تهديدات، فيها هو فاقد القدرة على السير في خيار لحرب الذي يهدد به..
أمريكا لم تفقد في العهد “الترامبي” فقط العظمة أو العظمى، بل فقدت الهيبة والمهابة، بالرغم من كونها لا زالت حقيقة بين القوى العظمى وستظل بين أقطاب العالم متعدد الأقطاب!!.

مقالات مشابهة

  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • “الفيفا” يقر 6 قواعد تحكيمية جديدة في المونديال
  • “التنمية الأسرية” تستقبل حجاج الدولة من كبار المواطنين وأسرهم
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • تيطراوي على أبواب “البريميرليغ”
  • “الصحة” بغزة :استشهاد 119 فلسطينيا في شهر مايو
  • سياحة اليخوت وتحلية المياه والزراعة التصديرية.. مصر تفتح أبواب فرص النمو
  • الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
  • أسعار “البرقوق” تقفز 86% خلال شهر في إسطنبول
  • الدولار مع الإغلاق .. بغداد بلا تغيير وانخفاض في أربيل