إنّ افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد حدث ثقافي أو سياحي، بل هو إعلان رمزي عن عمق حضارة هذا الوطن وامتداد جذوره التاريخية وقدرته على تقديم قيمة حضارية خالدة للعالم. وفي الوقت نفسه يأتي الحدث متزامنًا مع الانتخابات البرلمانية التي أثارت طريقة تنظيمها وطبيعة هندستها السياسية قلقًا عامًا بشأن مستقبل الحياة النيابية، نتيجة الاعتماد على المال بوصفه معيارًا أساسيًا للترشح سواء عبر القائمة المطلقة أو النظام الفردي تحت شعار “الحفاظ على الدولة”.

هذا التلازم بين حدث حضاري عالمي، وبين مشهد سياسي مثير للقلق، يفتح الباب للتأمل في السؤال الجوهري: ما الذي يمنح الدولة قوتها الحقيقية؟
الدولة القوية لا تُبنى من فوق الشعب، بل من داخله.
عندما تُغيب إرادة المواطنين أو يُختزل دورهم في دور متلقٍّ أو متفرج، تصبح الدولة جسدًا ضخمًا بلا روح. أما حين يُشرك الشعب في حمل هموم الوطن وصناعة مستقبله، تتحول الدولة إلى كيان صلب يستند إلى توافق اجتماعي وثقة عامة واستعداد جماعي للدفاع عنها في لحظات الخطر.
التاريخ يقدم نموذجًا واضحًا
شاء القدر أن يعيد الحدث الحالي إلى الذاكرة مثالًا تاريخيًا على دولة كانت تحت الاحتلال الإنجليزي، ولكنها امتلكت من القوة ما مكّنها من حماية آثارها وصون إرثها. فقد تمكن وزير الأشغال في حكومة الوفد، مرقص باشا حنا، من الحفاظ على مقبرة الملك توت عنخ آمون من محاولات الاستيلاء والنهب البريطانية بعد اكتشافها. رغم الضغط السياسي والإعلامي الهائل الذي قادته الصحافة البريطانية، وعلى رأسها صحيفة "التايمز"، فإن الوزير لم يتراجع. شدد الحراسة ومنع دخول المقبرة دون تصريح رسمي، وأمر بتسجيل كل قطعة ونقلها تحت حماية مشددة إلى المتحف المصري بالقاهرة.
وعندما حاولت بريطانيا استصدار حكم قضائي يمنحها حق التصرف في نصف محتويات المقبرة، رفضت حكومة سعد زغلول تنفيذ الحكم الصادر من المحاكم المختلطة، وانتزعت انتصارًا قضائيًا نهائيًا يؤكد ملكية المصريين لإرثهم التاريخي.
السؤال هنا:
ما الذي منح تلك الحكومة القدرة على المواجهة رغم الاحتلال؟
الجواب واضح: كانت حكومة ولدت من رحم الأمة، تمثل الشعب لا الأجهزة، وتحمل تفويضًا حقيقيًا للدفاع عن مصالحه.
على النقيض من ذلك
عندما يُختزل العمل السياسي في تحالف المال والنفوذ، وتُهندَس الحياة النيابية وتُفرَّغ التعددية من مضمونها، تتكون شبكات مصالح مغلقة تنتهي إلى فساد اقتصادي واجتماعي. هذا ما عاشته مصر قبل 2011 عندما أدى تزاوج السلطة بالمال إلى الخصخصة العشوائية، وتعطيل قانون المنافسة، واحتكار السوق، والاستيلاء على شركات وطنية، واستغلال الأراضي، وتشكيل مجموعات نفوذ اقتصادية حمت مصالحها بعيدًا عن مصالح الشعب.
ولذلك فإنّ الشعب حين خرج، لم يخرج لهدم الدولة أو مؤسساتها، بل خرج ليواجه الحزب الأوحد ومنظومة النفوذ المالي الاحتكاري التي عطلت الإرادة العامة.
الدروس واضحة:
الدولة القوية تُبنى على شرعية شعبية حقيقية.
البرلمان القوي هو الذي ينتج عن تعددية حزبية تنافسية حقيقية لا عن ترتيبات مسبقة أو هندسة انتخابات محددة النتائج سلفا.
الوطنية لا تُترجم بالشعارات، بل بصيانة الحقوق العامة ومنع احتكار القرار السياسي أو الاقتصادي
إن الثقة في القيادة السياسية قائمة، والإدراك بأن الدولة تعي أخطاء الماضي موجود، لكن عندما تعود ممارسات هندسة المشهد السياسي تحت ستار الوطنية، يجب دق جرس الإنذار.
لأنّ الوطنية الحقيقية لا تُقصي الشعب، بل تجعله شريكًا كاملًا في بناء المستقبل.
خلاصة القول:
قوة الدولة لا تأتي من قدرتها على فرض الإرادة، بل من قدرتها على التعبير عن إرادة الأمة.
وحين يختار الشعب ممثليه بحرية، يصبح البرلمان درعًا للوطن لا عبئًا عليه، وتصبح الدولة ملكًا لمواطنيها لا لمراكز النفوذ.
هذه هي الدولة القادرة على حماية آثارها كما حمت مقبرة توت عنخ آمون.
وهذه هي الدولة القادرة على حماية مستقبلها.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: افتتاح المتحف المصري الكبير الاحتلال الإنجليزي الإرادة العامة

إقرأ أيضاً:

100 سنة غنا يجمع صوت الحجار وأعمال الشريعى بالمسرح الكبير

تستمر رحلة دار الأوبرا المصرية فى المشروع الفنى 100 سنة غنا المقام بالتعاون مع النجم على الحجار حيث تعقد أمسية لنخبة من مؤلفات الموسيقار الراحل عمار الشريعى بمصاحبة الأوركسترا بقيادة المايسترو أحمد عاطف.

 وتستضيف الفنانين حسن فؤاد وأمانى سمير ومن إخراج أحمد فؤاد وذلك فى السابعة والنصف مساء الجمعة 5 يونيو على المسرح الكبير  .

داليا مصطفى تطلق مبادرة للتبرع بصدقة لروح سهام جلال والراحلينتشييع جنازة الفنانة سهام جلال.. صور

يروى العرض المشوار الفنى للموسيقار عمار الشريعى من خلال مجموعة مختاره من ألحانه الخالدة التى رسخت فى وجدان أجيال منها الشهد والدموع، انتى طلعتيلى منين، ماتمنعوش الصادقين، لو مش حتحلم معايا، اتنين، ليلى ويا ليلى، موسيقى هالة والدراويش - نصف ربيع الآخر - حلمت، على يا على، دويتو حبيبتى من ضفايرها، الرحايا، مبسوطين، أرابيسك، يا لولا دقة ايديكى، راحل، على كتف صاحبى، حديث الصباح والمساء، مسلسل الأيام، الحدود ، هنا القاهرة ومن الرباعيات صوتك معايا، بعد الظلام ، من الساعة دى .

يذكر أن المشروع الفنى 100 سنة غنا يضم سلسلة من العروض التى ترصد تاريخ الموسيقى والغناء العربى وتطوره خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مع تناول أهم الموسيقيين خلال تلك الفترة فى شكل يجمع الغناء بالدراما والإستعراض ويهدف إلى تأكيد ريادة مصر الفنية وتعريف الأجيال الجديدة بالتراث والتعبير عن التحولات الإجتماعية والسياسية التى مر بها المجتمع إلى جانب إكتشاف ومنح الفرصة للمواهب والأصوات الشابة وإلقاء الضوء على قدراتهم الإبداعية .

طباعة شارك رحلة دار الأوبرا المصرية الأوبرا المصرية النجم على الحجار على الحجار

مقالات مشابهة

  • الموزة المنهوبة للمرة الثانية
  • حكومة الاحتلال تغذي إرهاب المستوطنين وآن عقابها
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • 100 سنة غنا يجمع صوت الحجار وأعمال الشريعى بالمسرح الكبير
  • الشيباني يطالب حكومة الوحدة بإعلان الرفض العلني للتوطين