مفتاح الثقافة والعلم هو التعليم، وهما معا يسيران يتقاطعان ويتوازيان للارتقاء بالإنسان والمجتمع؛ فهذا الفهم تخطيطا وتنفيذا سيشكل ليس فقط خلاص التعليم ومعافاته بل المجتمع والأوطان.

حسنا جمع التعليم العالي بالبحث، وحسنا حين يجمع التعليم العام وبالتعليم العالي، وحسنا حين تكون عيون العاملين في التعليم بنوعيه والبحث، ناظرة نحو مجالات العلم والثقافة في بلادنا، ضمن منظومة المعرفة، وحسنا حين ننتمي إلى حداثة هذا العلم، فنكون جزءا بما يجب أن يكون، محتفظين بخصوصياتنا.

في ربيع هذا العام، نشرت منظمة الألكسو، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "خطة استشرافية لتطوير وتجويد التعليم في الوطن العربي"، والتي حظيت بنقاشات داخل الأطر الأكاديمية ووزارات التربية والتعليم العرب، ونشرت أدبيات تتعلق بالموضوع، كذلك ساهمت في كتابة مقالين عن الموضوع، من منطلق الاهتمام الفعلي بتطوير التعليم كونه أحد أهم مفاتيح نهوضنا العلمي والثقافي والاجتماعي.

وسواء أكان نشر الخطط أو التوصيات، فإنا نلاحظ أن متابعة ذلك، لا يحظى فعلا باهتمام كاف، والأمل معقود أن يتم تطوير المتابعة، من خلال طاقم رديف يتميز بالشغف والفاعلية، لما للتعليم من أهمية تستحق الرعاية والعناية.

أما تنفيذ ما يتم استخلاصه، وتوصيته فهو أمر فردي لكل دولة على حدة، أكان ذلك منطلقا من التأثر بأدبيات مؤتمرات التعليم أو نابعا من اهتمام مجموعة عمل تربوية في هذه الدولة أو تلك تحظى بتشجيع المستوى السياسي بل ودعمه.

ولأنه لا يمكن بناء ثقافة أدبية وفنية منقطعة عن التعليمين العام والعالي، فإن من تابع توصيات المؤتمر التاسع عشر للوزراء المسؤولين عن التعليم العالي والبحث العلمي في الوطن العربي، سيجد ليس فقط اللغة الإنشائية فقط، بل لغة غير حازمة تبدأ عباراتها بـ: تشجيع وحثّ ودعوة، وتكرار ذلك على مدار 10 توصيات.

وليس هذا فقط ما يراه المهتم، بل يرى الانقطاع شبه التام بين التعليمين العام والعالي، باعتبار أن التعليم العام هو المؤسس للتعليم العالي.

أما تتبع التوصيات، التي بدأت "بتبني وتعزيز وتنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي" فيقودنا إلى ما حدث في عالمنا العربي قبل أكثر من ثلاثة عقود، مع دخول شبكة المعلومات الإنترنت، والتي أغرقت النشء بالمعلومات، دون القدرة على اختيار الملائم وتوظيفه. ولم نكد نتعافى من ذلك حتى داهمنا الذكاء الاصطناعي، الذي يتم استخدامه سريعا، دون تهيئة بنيوية تضمن الاستخدام الأمثل، حيث لاحظنا جميعًا استسهال الاستخدام دون تمحيص وبحث كافيين.

إننا وفي ظل هذه الحداثة التكنولوجية، بحاجة أولا إلى ضمان تمكن طلبة المدارس، باعتبارهم مخرجات التعليم العام ومدخلات التعليم العالي من مهارات التمكن من اللغة، خاصة فهم المقروء، فكيف سيتمكن الطلبة من فهم صفحات كثيرة إن لم يتمكنوا من فهم الفقرة الواحدة والصفحة الواحدة؛ فقد دلت مسوح القراءة عربيا على نقص حادّ في فهم المقروء. وعليه فإن أولوية تعليم اللغة العربية كلغة قومية، أمر في غاية الأهمية، فلا يمكن إجراء بحث صغير من قبل طالب ينقل المعلومة دون فهم كاف لها.

ولعل طغيان الحديث عن الذكاء الاصطناعي، يدفعنا إلى إعادة الحديث عما ينقصنا من تربية النشء أولا على التفكير النقدي في عوالم التعليم والتثقيف والإعلام، فالتفكير النقدي يعني في جوهره الفهم أولا، بل الفهم العميق، ومراكمة الفهم في موضوع معين، بناء على الاستزادة من المعلومات، وحين يكون الطالب واقفا على أرض صلبة، عندها ستكون له القدرة على المحاججة، ما يعني توفر شرط البحث، الذي لا يقوم فقط على تجميع المعلومات، كما نراه في الرسائل الأكاديمية، والتي يمكننا من العنوان معرفة النتائج.

ماذا تعني مثلا التوصية الثانية "التشجيع على تبني وتعزيز وتنظيم أساليب التعلم المرن لتوسيع فرص الوصول للطلبة"؟ في ظل وجود كتب مدرسية وجامعية لا يتم تدريسها بشكل كاف، كما أن التوصية تغفل ما تم إنجازه من التوسع في التعليم عن بعد أيضا.

ثمة توصيات تتعلق "بربط التطوير بالتبادل والتعاون البيني والدولي وإقامة شراكات". لكن ماذا عن جدية التعليم نفسه في المؤسسة؟ هل تقوم المؤسسات فعليا بالاطمئنان على مستوى خريجيها؟ فكيف سننفذ التعاون إن لم يكن التعامل نديا؟ إن إعادة اعتبار المؤسسات مدارس وجامعات لنفسها، من خلال قيام المعلم ومدرس الجامعة بدوره الحقيقي هو جوهر التطوير، وحال المؤسسات التعليمية وتقصي مستويات الخريجين، تدلنا على أن هناك نقصا في جدية المتعلم والمعلم معا. أما الاستدامة فهي ليست شعارا وكلمات تقال، بقدر ما هي منهج وسيرورة تقع في نية العمل، أما الدعوة إلى "تشجيع الابتكار وريادة الأعمال"، فإن ذلك أصلا هو نتيجة لتعلم جيد، كذلك فإن "تطوير برامج التعليم في ضوء المهارات التي تتطلبها مهن المستقبل" إن لم يكن نابعا من مواكبة المؤسسة الأكاديمية نفسها، بدعم من صناع القرار، فإن الحال سيبقى على ما هو عليه، ولعل إمعان النظرة في برامج الجامعات يجد من كان مواكبا في ذلك من منطلق استقطاب الطلبة لتلك التخصصات أو من منطلق القناعة بالفعل.

ولعلنا نختتم بتذكر أن التعليم علم وثقافة، فإذا كان المتعلمون الصغار أو المتخصصون في المجالات العلمية بحاجة إلى ثقافة، كحاجة دارسي الثقافة للعلم خاصة في هذا الزمن، فإننا جميعا مدعوون لتأمل عالم المعرفة العظيم الذي إن دخلنا أفرادا وجماعات بقوة وثبات، فإننا سننقل مجتمعنا العربي من مجتمع فيه نخب، إلى مجتمع النخبة.

وأخيرا، وربما هذا مستخلص المقال، فإن الثقافة والفنون لم تعد منقطعة عن العلم ونتائجه، من باب ارتباط حقول المعرفة معا، وفي ظل ما يعرف بالمعرفة البينية، فقد صار الاهتمام بالتخطيط التربوي أمرا استراتيجيا يخصّ تطور بلادنا وأمنها معا. وعليه لعلنا نتحرر من الإنشاء وتكرار الجاهز باتجاه الذهاب إلى ما ينبغي الذهاب إليه من جذور التعامل مه الجوهر، لأن ما سيظهر من ساق وفروع وأوراق وثمر، مرتبط تماما بما يتعلق بالجذور.

وليس في ذلك اكتشافا، إنما يدفعنا ذلك إلى الفعل الحقيقيّ، بدلا من هذا التشتت، فلا بناء قويا ثابتا يتحقق إلا إذا كانت الحجارة التي نبني عليها ثابتة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التعلیم العالی

إقرأ أيضاً:

الرئيس السيسي يتابع رؤية تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي

اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث العلمي.


وصرح المُتحدث الرسمي باِسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيس تابع خلال الاجتماع رؤية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وخطة عملها خلال المرحلة المُقبلة والمُتمثلة في تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بما يُسهم في بناء اقتصاد المعرفة وجذب الطلاب والباحثين من جميع أنحاء العالم، حيث أشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي إلى وجود 129 جامعة في مصر، ما بين حكومية وخاصة وأهلية وتكنولوجية، وجامعات ذات طبيعة خاصة، وأفرع للجامعات الأجنبية.

 وفي هذا الإطار، أكد الرئيس أهمية استمرار جهود تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي باِعتبارها ركيزة أساسية في بناء الإنسان المصري وتحقيق التنمية المستدامة، فضلًا عن تعزيز الدور المحوري للجامعات في تعزيز برامج التدريب وتطوير المهارات لتلبي احتياجات سوق العمل.

وأضاف السفير محمد الشناوي، المُتحدث الرسمي، أن الاجتماع شهد استعراضاً لمحور بناء قدرات هيئة التدريس وتحسين جودة الأداء الأكاديمي والإداري، حيث أشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي إلى أنه تم تشكيل لجنة تنفيذية للإشراف على مشروع ميكنة نظام إدارة الموارد المؤسسية، للإسراع  بالميكنة الشاملة والتحول الرقمي لمنظومة العمل الإداري، منوهاً إلى أنه جار العمل على إعداد تصور شامل لتطوير أداء مراكز تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس؛ بما يتواكب مع متطلبات العصر وتلبية متطلبات المتدربين من أعضاء هيئة التدريس. ووجه السيد الرئيس، في هذا السياق، بالاهتمام بالشراكة والتعاون مع الجامعات والمؤسسات الدولية الرائدة للاستفادة من خبراتها في تعزيز جودة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

وأشار المُتحدث الرسمي إلى أنه تم خلال الاجتماع أيضاً استعراض الموقف التنفيذي لربط البحث العلمي بالصناعة واقتصاد المعرفة، وأوضح الوزير أن المُستهدف الرئيسي من ذلك هو تحويل الأبحاث الأكاديمية إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، من خلال توطين فكرة أودية التكنولوجيا، وتطوير نظام حوافز للباحثين وأعضاء هيئة التدريس، وربط البحث العلمي بالصناعة.

ونوه المُتحدث الرسمي إلى أن الرئيس تابع خلال الاجتماع كذلك الموقف التنفيذي للمشروعات الصحية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حيث استعرض الدكتور عبدالعزيز قنصوة عددًا من المشروعات الصحية والتي تم افتتاحها، ومنها افتتاح مشروعات التطوير بالمستشفى الرئيسي بجامعة الإسكندرية، وافتتاح أعمال تطوير وحدات بمستشفى المواساة، وتحديث غرف العمليات والمناظير بمستشفى الشاطبي الجامعي للتوليد وأمراض النساء، وكذلك إنشاء فرع لجامعة القاهرة بإريتريا.

وأوضح المُتحدث الرسمي أن الرئيس تابع كذلك ما يتعلق بتصدير التعليم المصري، من خلال وضع نظام لاختيار الجامعات الرائدة، واستهداف الدول والمناطق ذات الأثر الأكبر استراتيجيًا وسياسيًا، والتوسع في البرامج المشتركة مع الجامعات العالمية عالية التصنيف واستضافة بعض البرامج بشراكة أكاديمية. 

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عبد العزيز قنصوه أنه تم تشكيل لجنة من الخبراء المتخصصين بالجامعات لتولي مُتابعة تنفيذ ذلك، كما أنه جار العمل على إبرام اتفاق لإنشاء مؤسسة تمويلية بالتعاون مع البنك المركزي المصري تختص بتمويل المنح الدراسية للطلاب، بما يتيح لهم الحصول على درجات علمية مزدوجة بالتعاون مع جامعات دولية مرموقة.

وأكد الرئيس أهمية تعزيز شراكات التعليم العالي وإنشاء أفرع أجنبية من خلال بناء نموذج حديث للشراكات العابرة للحدود وتعزيز الشراكات المؤسسية التي تهدف إلى بناء القدرات الوطنية، وتعظيم العائد الاقتصادي، ورفع التصنيف الدولي؛ مُوجهاً سيادته بالمضي قدمًا نحو تعزيز تنافسية الجامعات المصرية على المستويين الإقليمي والدولي، ودعم البحث العلمي والابتكار.

طباعة شارك السيسي رئيس مجلس الوزراء التعليم العالي والبحث العلمي رئاسة الجمهورية

مقالات مشابهة

  • اتحاد الكيانات المصرية في أوروبا يختتم مؤتمره بأثينا.. توصيات لدعم الجاليات
  • بعد رفض جوارديولا.. النصر يبحث عن بدائل ومستقبل المدرب الإسباني يثير التساؤلات
  • السد العالي يتصدر .. أكبر 5 لاعبين سنا مشاركة في تاريخ بطولة كأس العالم
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم والنائب الأول لـ"جايكا" يتفقدون معهد الكوزن المصري الياباني
  • عبدالعزيز: أطلعتُ على توصيات مسار الحوكمة في الحوار المهيكل وعلى الليبيين رفضها
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم يتفقدان معهد الكوزن المصري الياباني
  • وزير التعليم العالي يشهد إطلاق أول برنامج ماجستير دولي في الإدارة الرياضية بالشرق الأوسط
  • السيسي يتابع رؤية تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي
  • الرئيس السيسي يتابع رؤية تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي