في عصر يزداد فيه التوتر والقلق كل يوم بين الملايين من البشر، يبحث الكثيرون عن وسائل بسيطة، متاحة وفعّالة، للتعافي النفسي والتحسُّن. وفي واحد من هذه الأساليب التي عادت إلى الواجهة في الآونة الأخيرة، العلاج بالقراءة أو "بيبليوثيرابي" (Bibliotherapy)، حيث يتم استخدام الكتب والمواد المقروءة كوسيلة علاجية مساعدة لتخفيف الأعراض، وتحفيز اكتساب المهارات الحياتية الجديدة للمواجهة والتأقلم، وتطوير الشعور بالمعنى والانتماء.

ولكن كيف يمكن للكتب أن تفعل كل هذا؟ وهل يمكنها أن تغنيك فعلا عن زيارة الطبيب النفسي؟

ما هو العلاج بالقراءة؟

العلاج بالقراءة هو شكل من أشكال العلاج بالفنون الإبداعية، حيث يُستخدم الأدب لتحسين حياة المصابين من خلال توفير المعلومات والدعم والتوجيه والمساندة، وأحيانا القصة أو السياق لتعزيز الشعور بالأُنس والمشاركة، وذلك من خلال قراءة الكتب والقصص والأعمال الأدبية المختلفة.

وترجع فعالية هذه التقنية إلى قدرة الكتب، وغيرها من المواد المكتوبة، أن تؤثر على المشاعر الإنسانية، إذ توفر الحكمة والتواصل العاطفي والبصيرة والراحة والشعور بالتشارك والعون والانتماء.

وعند التعامل مع حالات مثل القلق والاكتئاب أو المعاناة من الحزن، قد يكون من الصعب أحيانا فهم ما يحدث في عقلك وجسدك، خاصة إذا لم تكن لديك أي تجربة أخرى للمقارنة بها. لذلك يكون العلاج بالقراءة هو وسيلة للمساعدة في سد هذه الفجوة. وعادة ما تتحقق النتيجة المثلى عند مزج هذا الخيار بالعلاج النفسي المتخصص مع خبير في الصحة النفسية والعقلية.

إذ يُعتقد أن قراءة أعمال أدبية محددة، والتحدث عنها مع المعالج النفسي (أو في جلسات العلاج الجماعي)، يساعد المرضى على فهم وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرهم، وفهم الماضي الصعب أو الأعراض المزعجة، أو الشعور بالأمل والرضا والتعاطف. وبشكل أعم، يُعتقد أيضا أن القراءة تُحسّن احترام الذات والوعي الشخصي بالنفس والشعور بالكفاءة والقيمة والمعنى.

العلاج بالقراءة يعد مفيدا بشكل خاص لمن يجدون التواصل اللفظي أكثر صعوبة (بيكسلز)أنواع العلاج بالقراءة

هناك أنواع عديدة من العلاج بالقراءة يُمكن استخدامها، سواء بترشيح ومتابعة من الأطباء النفسيين، أو بصورة فردية ومستقلة. وهي:

إعلان

1- العلاج الإبداعي بالقراءة: والذي يُجرى غالبا في إطار جماعي، مثل نادي القراءة والكتاب، حيث تُقرأ القصص والروايات وتُناقش من قِبل المجموعة، مما يسهم في فهم واستنباط المشاعر والمخاوف والأفكار.

2- العلاج التنموي بالقراءة: والذي يُستخدم في البيئات التعليمية، وكذلك من قِبل الآباء أحيانا لشرح قضايا الطفولة والمراهقة لأطفالهم بشكل عميق وسلس، مثال: عندما يمنح الأبوان طفلهما المراهق كتيبا عن البلوغ أو التنمر وغير ذلك.

3- العلاج الوصفي بالقراءة: والذي يستخدم كتب المساعدة الذاتية والتحليل النفسي، سواءً في بيئة سريرية مع متخصص صحة نفسية أو بشكل فردي في المنزل، للمساعدة في تعديل أنماط التفكير والمشاعر والأفعال وتغيير أنماط السلوك.

4- العلاج بالمراجع العلاجية: والذي يُستخدم مع أنواع العلاج النفسي المتخصصة (مثل التحليل النفسي والعلاج السلوكي المعرفي) لإدارة المشكلات النفسية مع الطبيب أو المراجع.

كيف يمكن الاستفادة؟

لطالما ارتبطت القراءة بالتأثير الإيجابي على المزاج والصحة النفسية بشكل عام، وابتداء من القرن الـ20، بدأ علماء النفس بإجراء أبحاث حول الفوائد المحتملة للعلاج بالقراءة بشكل خاص.

ووجدت الدراسات أن قراءة الكتب – وخاصة تلك التي تُقدم منظورا جديدا أو تُخرج القارئ من منطقة راحته – تُعزز التعاطف والتسامح مع الآخرين، وتُنمّي مهارات التعامل مع الآخرين، مثل القدرة على فهم مشاعرهم.

ففي السياق العلاجي، يُنظر إلى العلاج بالكتب على أنه فعال لأنه يُتيح للمرضى منفذا إضافيا للتغلب على مشاكلهم، ويُساعد الفرد على إدراك أنه ليس وحيدا في صراعاته، خاصة وأن معظم من يعانون من الاكتئاب والقلق يعتقدون أنهم يعانون بشكل فريد وأنهم يعانون من خطب ما لا يشاركهم فيه سواهم.

لذلك يمكن تطبيق العلاج بالكتب على المرضى الذين يعانون من القلق، أو الاكتئاب، أو اضطرابات المزاج الأخرى، أو أولئك الذين يعانون من الصدمات النفسية أو الإدمان، أو أولئك الذين يمرون بتجارب حزن، أو طلاق، أو تحديات أخرى متعلقة بالعلاقات.

على سبيل المثال، قد يوصي المعالج المتخصص في الصدمات النفسية برواية تتناول شخصية عانت من إساءة معاملة في طفولتها. بعد ذلك، يقرأ المريض الكتاب في وقت فراغه، وعند العودة إلى العلاج، يُناقش الكتاب أو التمرين ويُستخدم كنقطة انطلاق لاستكشاف آليات التأقلم عند الشخص وكيف يمكن تطويرها، والتاريخ الشخصي للصدمات، أو عوامل أخرى ذات صلة بالتجربة العلاجية والكتاب معا.

كذلك، يمكن للعلاج بالقراءة أن يساعد في إعادة الهيكلة المعرفية. إذ من خلال قراءة قصص تواجه فيها الشخصيات تحديات معينة، أو تتعلم آليات التكيف، أو تكتشف وجهات نظر جديدة، يمكن للناس اكتساب رؤى جديدة حول حياتهم.

وبالتالي قد يساعد العلاج بالقراءة على تغيير أنماط التفكير، خاصةً عندما تُقدم كتب المساعدة الذاتية تقنيات سلوكية معرفية أو إستراتيجيات لليقظة الذهنية.

هل هو بديل للعلاج النفسي المتخصص؟

العلاج بالقراءة ليس بديلا عن العلاج المهني، لكنه قد يكون ممارسة تكميلية مثالية وفعالة. فقد أظهرت الأبحاث أن القراءة يمكن أن تساعد الأفراد على التعامل بشكل أفضل مع الصدمات والضغوط والتحديات اليومية من خلال تشجيعهم على الاستفادة من نقاط قوتهم، وتعزيز شعورهم بهويتهم الذاتية، وتقوية شبكات الدعم الاجتماعي لديهم.

إعلان

أظهرت دراسة أجريت عام 2021 على طلاب الجامعات بأميركا، أنه يمكن استخدام القراءة كنهج علاجي للصحة النفسية، حيث يمكن أن يقلل من أعراض الاكتئاب ويحسن الرفاهية العامة.

كما يُعد العلاج بالقراءة مفيدًا بشكل خاص لمن يجدون التواصل اللفظي أكثر صعوبة. فالقراءة توفر طريقة أكثر خصوصية وشخصية لاستكشاف المشاعر الصعبة.

العمل مع معالج مُدرّب على العلاج بالقراءة يساعد في اختيار مواد القراءة الأنسب لك (بيكسلز)كيف تبدأ؟

إذا كنت مهتما بتجربة العلاج بالقراءة، فهناك عدة طرق للبدء. يمكنك البدء مثلا بتصفح الكتب التي تركز على مواضيع ذات صلة باحتياجاتك العاطفية أو النفسية.

على سبيل المثال، إذا كنت تعاني من القلق، فقد تجد كتابا للمساعدة الذاتية حول تقنيات الاسترخاء، أو رواية ذات شخصية تتغلب على تحديات مماثلة مناسبا لك.

أو يمكنك العمل مع معالج مُدرّب على العلاج بالقراءة، والذي يُمكنه مساعدتك في اختيار مواد القراءة الأنسب لك. إذ يُدمج العديد من المعالجين العلاج بالقراءة في ممارساتهم، مُقدّمين توصيات مُخصصة للقراءة كجزء من خطة علاجية أوسع.

كما يُمكن أن تُفيدك الموارد الإلكترونية، بما في ذلك المدونات والمنتديات المُتخصصة في العلاج بالقراءة، في اكتشاف الكتب المُتعلقة بتشخيص مُعين، أو في المُشاركة في نقاشات حول تأثير الأدب على الصحة النفسية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات یعانون من کیف یمکن والذی ی ی ستخدم من خلال

إقرأ أيضاً:

هل تؤثر السوشيال ميديا على سلوك الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية؟

تناولت حلقة جديدة من برنامج «صباح الخير يا مصر» عددًا من الملفات المتنوعة التي تمس الشأن الصحي والاجتماعي والرياضي، حيث استعرض البرنامج مستجدات فيروس إيبولا، وحقيقة المخاوف المرتبطة بانتشاره مجددًا، مع التركيز على المعلومات العلمية الدقيقة وطرق الوقاية والتعامل مع أي بؤر إصابة محتملة.

"أطباء بلا حدود" تحذر من الانتشار السريع لفيروس "إيبولا" في الكونغو الديمقراطيةتايلاند تنفي الأنباء المتداولة حول تسجيل إصابة بفيروس إيبولا

كما سلطت الحلقة الضوء على تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للشباب والمراهقين، في ظل تزايد الجدل العالمي حول انعكاسات الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية، مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن الرقمي داخل الأسرة.

وفي الشأن الرياضي، ناقش البرنامج نهائي دوري أبطال أوروبا، بعد تتويج باريس سان جيرمان باللقب، مستعرضًا أبرز الجوانب الفنية وردود الفعل الجماهيرية حول المباراة.

وتزامنًا مع اليوم العالمي لمكافحة التدخين، خصص البرنامج فقرة للحديث عن مخاطر التدخين بمختلف أشكاله، وتأثيراته الصحية، إلى جانب استعراض خطوات الإقلاع عنه.

واحتفت الحلقة بعيد الإعلاميين الموافق 31 مايو، من خلال استعادة محطات بارزة من تاريخ الإذاعة والتلفزيون المصري، وتسليط الضوء على دور ماسبيرو في تشكيل الوعي والثقافة، إلى جانب استعراض خطط التطوير والتحديث داخل المؤسسات الإعلامية المصرية.

طباعة شارك الأولي الأطفال والمراهقين صحتهم النفسية حياة الأطفال

مقالات مشابهة

  • تقنية روسية مبتكرة لاختيار ألوان المباني وفق الخصائص النفسية للسكان
  • كيف يدمّر الضغط النفسي صحة البشرة دون أن تلاحظ؟
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • غروسي: لا يمكن إنهاء حرب إيران دون رقابة صارمة على الاتفاق النووي
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • الكنيست الإسرائيلي يصادق بالقراءة الأولى على حل نفسه
  • صابرين النجيلي لـ صدى البلد: الأغنيات الدرامية تجذبني.. ولعبة القلوب عمل إنساني
  • العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط
  • هل تؤثر السوشيال ميديا على سلوك الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية؟