بلدٌ ينجو فيه المستثمر من “وحوش الخارج”… ويقع فريسة لـ“تعقيدات الداخل”!
تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT
بلدٌ ينجو فيه #المستثمر من “ #وحوش_الخارج ”… ويقع #فريسة لـ“ #تعقيدات_الداخل ”!
بقلم: أ.د محمد تركي بني سلامة
في عالم الأعمال، توجد ثلاث درجات من الصعوبة:
الأولى… أن تنافس.
الثانية… أن تنجح.
الثالثة… أن تحاول الاستثمار في أماكن تُدار فيها الإجراءات مثل الأحجيات، وتتحرك فيها المعاملات بسرعة سلحفاة تعاني التهاب المفاصل!
ولأن السخرية أحيانًا أبلغ من الجد، دعونا نبدأ القصة من رجل اسمه زياد المناصير… رجل صنع ثروته في أسواق خارجية لا ينقصها الشراسة، وواجه فيها من “الضغوط” ما يكفي لكتابة مسلسل من خمسة أجزاء.
ومع ذلك… نجا، ونجح، وتفوّق.
لكن المفاجأة ليست هنا.
المفاجأة الحقيقية أنه حين عاد ليستثمر في وطنه، اكتشف أن أصعب المعارك ليست هناك… بل هنا!
فمن كان يظن أن كل تلك التجارب الخارجية التي تجاوزها الرجل ستبدو، مقارنة ببعض تفاصيل بيئة الاستثمار المحلية، أشبه بـ… “رحلة استجمام في منتجع خمس نجوم”؟
يا لها من مفارقة تستحق الضحك… لو لم تكن مؤلمة.
فنحن لا نتحدث عن مافيات ولا عصابات، بل عن نظام إداري إذا حاولت فهمه، فإما أن تفقد صبرك، أو أن تحتاج خريطة ومرشد سياحي ودليل إرشادات طارئ.
قرارات تتغير بالطقس، وإجراءات تختلف من نافذة لأخرى، وتعليمات لا يفهمها إلا من كتبها… وربما حتى هو غير متأكد منها!
وإذا جرّب مستثمر كبير أن يفتح مشروعًا، يدخل في متاهة تبدأ بـ “تعال بكرة”، وتمرّ بـ “الملف عند فلان”، ثم “راح فلان”، ثم “ارجع بعد العيد”، وتنتهي بأن يشعر المستثمر أن الاستثمار خارج البلاد… أكثر استقرارًا من الاستثمار فيها!
والمضحك المبكي أن ما يقوله المناصير اليوم لا يفاجئ أحدًا.
فالناس يعرفون، والقطاع الخاص يعرف، ومن حاول فتح مشروع بسيط يعرف… ويعرف جدًا.
لأن القصة ليست قصة رجل واحد، بل قصة وطن يخسر—وبسخرية القدر—مئات الفرص التي يمكن أن تتحول إلى مصانع، وشركات، ومشاريع، وآلاف الوظائف.
لكنها تضيع… ليس بسبب نقص الأموال، بل بسبب نقص الوضوح.
ليس بسبب ضعف المستثمرين، بل بسبب قوة التعقيد.
وليس بسبب صعوبة الخارج، بل بسبب سهولة “تعطيل الداخل”.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
بلدٌ يملك موقعًا استراتيجيًا، وعقولًا نادرة، وطاقات بشرية هائلة… ثم يخسر الاستثمار لأن “معاملة” تُعرقل أو “صلاحية” تتداخل أو “إجراء” يُساء فهمه.
وكأننا نقول للمستثمر:
“ابدأ مشروعك… إن استطعت!”
السؤال الذي يطرح نفسه—ساخرًا وموجعًا في آن واحد—هو:
إذا كان من تجاوز عقبات بيئات أعمال شرسة يجد الاستثمار في وطنه أصعب… فماذا سيقول المستثمر العادي؟
أليس هذا وحده كافيًا لندرك أننا بحاجة إلى إصلاح جذري… لا تجميل سطحي؟
إن الأردن لا تنقصه الفرص… بل تنقصه القدرة على عدم قتل الفرص.
ولا ينقصه المستثمرون… بل ينقصه حماية المستثمر من الغرق في ورق لا ينتهي.
ولا ينقصه الطموح… بل ينقصه نظام يعامل الاستثمار كطوق نجاة لا كمعاملة تحتاج عشرة أختام وثلاثة توقيعات ومزاجًا رائقًا.
فهل نضحك… أم نبكي؟
ربما نفعل الأمرين معًا.
فالواقع يضحكنا من شدّة الألم، ويؤلمنا من شدّة السخرية.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: المستثمر فريسة تعقيدات الداخل
إقرأ أيضاً:
العلويون بين الداخل والخارج!!
البحث عن موقع جديد في شرق أوسط ما بعد المحاور
لم تعد التحولات الجارية في الشرق الأوسط تقتصر على إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، بل تمتد آثارها إلى الجماعات والطوائف التي ارتبطت تاريخيًا بمشروعات سياسية أو بتحالفات إقليمية كبرى. ومن بين هذه الجماعات تبرز الطائفة العلوية التي تواجه اليوم مرحلة فارقة من تاريخها السياسي والاجتماعي، في ظل تراجع الدور الإيراني في عدد من ملفات المنطقة، وانتهاء مرحلة سياسية طويلة ارتبطت بالنظام السوري السابق.
تاريخيًا، عاش العلويون بين حالتين متناقضتين، التهميش السياسي والاجتماعي في بعض المراحل، والصعود إلى مركز السلطة في مراحل أخرى. ففي تركيا ظلوا لعقود يطالبون بالاعتراف الكامل بهويتهم الدينية والثقافية، بينما ارتبط حضورهم في سوريا بصعود الدولة المركزية منذ سبعينيات القرن الماضي.
غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين أفرزت واقعًا مختلفًا. فقد أصبحت الطائفة، سواء أرادت ذلك أم لا، جزءًا من معادلات الصراع الإقليمي، وهو ما جعلها تتحمل أعباء سياسية وأمنية تفوق حجمها الديموغرافي الحقيقي.
وفي الداخل السوري تبدو المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا. فالتحدي الرئيسي أمام العلويين لم يعد مرتبطًا بالحفاظ على النفوذ السياسي بقدر ما أصبح مرتبطًا بضمان الأمن المجتمعي وإعادة الاندماج في إطار الدولة الوطنية. فسنوات الحرب أفرزت وقائع جديدة، وأضعفت قدرة أي مكون منفرد على فرض معادلات سياسية مستقلة عن التوازنات الوطنية الشاملة.
ومن المرجح أن يتجه جزء كبير من النخب العلوية خلال السنوات المقبلة إلى تبني خطاب يقوم على المواطنة والشراكة الوطنية بدلاً من الارتباط بالاستقطابات الطائفية التي أثبتت محدوديتها وخطورتها على جميع الأطراف. كما أن الأجيال الجديدة تبدو أقل ارتباطًا بالخطابات الأيديولوجية التقليدية وأكثر اهتمامًا بقضايا الاقتصاد والتنمية والاستقرار.
أما في تركيا، فمن المتوقع أن يستمر العلويون في المطالبة بمزيد من الاعتراف المؤسسي بحقوقهم الدينية والثقافية، مع تعزيز حضورهم في الحياة السياسية عبر الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. ويمنحهم حجمهم السكاني وتأثيرهم الانتخابي فرصة للحفاظ على دور سياسي معتبر في المشهد التركي.
وفي أوروبا، وخاصة ألمانيا، تبدو الصورة مختلفة. فقد نجحت الجاليات العلوية في بناء مؤسسات ثقافية وتعليمية مستقرة، وأصبحت جزءًا من الحياة العامة. كما أسهم المناخ الديمقراطي في نقل الاهتمام من قضايا البقاء والهوية إلى قضايا التوثيق الأكاديمي والحفاظ على التراث الثقافي والديني.
سياسيًا، لا يبدو أن مستقبل العلويين سيكون مرتبطًا كما كان في السابق بمحور إقليمي واحد.فالتغيرات التي تشهدها المنطقة تشير إلى تراجع قدرة أي قوة منفردة على احتكار النفوذ أو توفير مظلة حماية دائمة لحلفائها. ولذلك فإن الرهان على الدولة الوطنية ومؤسساتها قد يصبح الخيار الأكثر واقعية لجميع المكونات الاجتماعية والدينية.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الطائفة العلوية تتجه نحو مرحلة إعادة تعريف الذات، من جماعة ارتبط حضورها في الوعي السياسي الإقليمي بمراكز السلطة والصراعات العسكرية، إلى مكون اجتماعي يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن معادلات أكثر توازنًا واستقرارًا.
ويبقى مستقبل العلويين مرهونًا بقدرتهم على التكيف مع المتغيرات الجديدة، وبقدرة دول المنطقة على بناء نظم سياسية تستوعب التنوع الديني والعرقي بعيدًا عن منطق الغلبة والإقصاء. فالتجارب التاريخية أثبتت أن استقرار الدول لا يتحقق عبر هيمنة طائفة أو جماعة، بل من خلال عقد وطني يضمن الحقوق والواجبات لجميع المواطنين على قدم المساواة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة إعادة تشكيل شاملة، ولن يكون السؤال الأساسي فيها من يملك النفوذ، بل من يستطيع بناء دولة قادرة على استيعاب جميع مكوناتها. وفي هذا السياق، تبدو الطائفة العلوية أمام فرصة تاريخية للانتقال من موقع الدفاع عن الوجود إلى المشاركة في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا، سواء في الداخل السوري أو في مجتمعات الشتات المنتشرة عبر العالم!!
اقرأ أيضاًماذا عن سوريا اليوم…؟
إسرائيل.. والحكم الجديد في سوريا
في ظل التداعيات المأساوية لـ«شعارات» الديمقراطية وحقوق الإنسان.. «الأسبوع» تجيب عن أسئلة حرجة في سوريا