لجريدة عمان:
2026-06-03@02:35:23 GMT

الحكاية الشعبيّة: حمّالةُ الرموز واهبة الإمتاع

تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT

لم يكن لنا في فضائنا الجامعيّ العالِم في عموم وطننا العربيّ عناية بالحكاية الشعبيّة التي شكّلت أساسًا متينًا لحياة القصص، ومثّلت مظهرًا من مظاهر الوجود التي بها يُعرَّف الإنسان على أنّه كائن حكّاء. الحكاية الشعبيّة التي رافقت الإنسان على تغاير العصور، وصاحبته في مختلف المحن والأزمات وفي شتّى الأفراح والمسرّات، هي أصلٌ منغرس في عمق ثقافات الشعوب، يضعون فيها أساطيرهم ومعتقداتهم وأحلامهم وحنوّ الواقع وقسوته عليهم، غير أنّ هذا التراكم للحكاية الشعبيّة وهذا الأثر المرافق للإنسان العربيّ منذ يفاعته وبدايات اكتشافه للكون لم يلقَ من الذهن العربيّ العالِم، من العقل المُدرّس، ومن الفضاء الباحث، دروسًا دقيقة وبحوثًا عميقة.

فقد بقيت دراسة الحكاية الشعبيّة مستهجنة، لا يقبلها العقل العربيّ العالِم، وإن حاول البعض من الدراسين الخوض فيها والتخصّص في بنائها ومقامها وأثرها، غير أنّها جهود بسيطة تلاقي في أغلب الأحيان رفضًا من قبل عصبة العلماء في جامعاتنا العربيّة. وأذكر جيّدًا أنّه لمّا قدّم عبد العزيز الراشدي مشروع دراسته للحكاية العربيّة في الجامعة لاقى رفضًا، وفرضنا موضوعه فرضًا، ناهيكم بأنّ أغلب القائمين على العلم في تلك الجامعة لا يعتبرون الأدب الشعبيّ أدبًا.

صحيح أنّ جهودًا عديدة توجّهت إلى تجميع التراث اللامادي، ومن ضمنه الحكايات الشعبيّة المتوزّعة في مناطق مترامية والمحفوظة في الذاكرة الشعبيّة، ولكن مع تغيّر نمط الحياة وانشغال الناس بشكل جنوني، بدأت الأمهات الحكّاءات والجدّات الراويات يفقدن موقعهنّ، وبدأت الحكايا الشعبيّة تميل إلى الضياع. دراسة هذه الحكايات لا يمكن أن تكون شبيهة بدراسة القصص العالِم، وإنّما هي حاملة في أثنائها وأحشائها تواريخ شعوب وثقافات واعتقادات. فالحكاية الشعبيّة حمّالة مقاصد ومتشرّبة أعماقًا ومبنيّة على رموز، ولها أوجه وأقفية، ومطواعة للتوجيه والتقصيد والتكييف حسب مقتضيات الأحوال.

وقد حفّزني اليوم باحث عميق على إثارة موضوع الحكاية الشعبيّة العربيّة وضرورة النظر فيها بأدواتٍ تتجاوز التسطيح وتنفذ إلى أعماقها، إذ منها نُدرك جوانب الإنسان التي لا يعرض لها التاريخ ولا ينصرف إليها المؤرّخون. وهذا الباحث هو الأنتروبولوجي العربي محمد الجويلي، الذي خصّص قسمًا هامًّا من مجاله البحثي لدراسة الحكاية الشعبيّة من منظور علم الإناسة، وهو الأوّل في عالمنا العربي الذي تشرّب الأنتروبولوجيا من مظانّها وأعملها على الحكاية الشعبيّة، رغم أنّ الرجل خرّيج قسم اللّغة العربيّة بالجامعة التونسيّة، إلاّ أنّه واصل دراسته في فرنسا جامعًا بين لغة العرب وعلوم الفرنجة، وقد أثمر هذا الجمع إثراءً وإغناءً للثقافة الشعبيّة العربيّة، ممّا رشّحه لإفادة الجامعة التونسيّة وللإشعاع على جامعات خليجيّة وأمريكيّة بدروس ومقاربات ومباحث أعتقد أنّها على جانب كبير من الأهميّة.

وقد تناول في البداية الحكاية الشعبيّة التونسيّة من منظور أنتروبولوجي في كتاب مُؤسّس حمل عنوان "أنتروبولوجيا الحكاية: دراسة أنتروبولوجية في حكايات شعبيّة تونسيّة"، خاض فيه الأبعاد الاجتماعيّة والدلالات الرمزيّة لمحتويات الحكاية الشعبيّة في تونس من خلال الصدور من بعض الحكايا الرائجة والشائعة في الوسط الشعبي، تلقّط هذه الحكايا من أفواه الجدّات، واشتغل على دلالاتها الممكنة ومضامينها الظاهرة والباطنة وحمولتها الرمزيّة التي شُحنت بها، في وقت كانت الجامعة التونسيّة تُقدّس الدراسة البنيويّة المحايثة للقصص.

ولكن الجميل في هذه العلاقة بين الدرس البنيوي الذي يفصل القصّة عن واقعها وصاحبها، وبين الدرس الأنتروبولوجي للأدب الذي ينغرس في التأويل وفي البحث عن الدلالات والرموز، أنّ مقدّم كتاب الجويلي هو رأس الشكلانيّة في تونس والأستاذ الأوّل الذي نشر البنيويّة الأدبيّة وأعملها في تحليل النصوص، وهو توفيق بكّار الذي يقول في فاتحة الكتاب:

"كأنّما وُلد محمّد الجويلي ليكون أنتروبولوجيا. هيّأته منذ الطفولة لهذا العلم مدينته، جنوبيّة على الحدود، وككلّ الثغور، مقامٌ للنّاس ومَعْبَر، ينزلها أصيل ووافد. مزيج أهلها من الألوان والأديان ونواطق اللّسان ، بيضٌ وسُود، ومسلمون ويهود وغيرهما، ولهجات تلتقي وتفترق نغماتها، ونشَّأته أسرته على عريق العادات والتقاليد من أصناف المآكل والألبسة، ومواكب الأعياد وطقوس الأعراس. وزوَّد ذاكرته الكبارُ من جدّةٍ وأمٍّ بِذُخر من الأساطير والخرافات تُذْكي الخيال وتبعث على الاعتبار..."

ومن هذه الأرضيّة الجنوبيّة الصحراويّة الثريّة تغذّى الجويلي بثراءٍ من الحكايات الشعبيّة التي تضمّنت العادات والتقاليد والمعتقدات والأوهام والأحلام. وقد أبان الجويلي في مقدّمة كتابه ارتباطه بهذا العالم الذي حفّزه إلى تتبّع الحكايات والعادات والطقوس وما يحفّ بالإنسان من أفعال وأقوال وأعمالٍ في مسار حياته، والذي كيّف تخصّصه وحمله إلى دراسة علم الإناسة أو علم الإنسان في ثقافته ومحيطه وقبيلته.

وقد تضمّن الكتاب بيانًا لحكاية الباحث مع الأنتروبولوجيا، وتحليلًا للأمثال التي تختصر في الأصل حكاياتٍ رائجة بين النّاس وحاملة لرموز قابلة للتفكيك والتأويل، وتحليلًا أيضًا لـ"الخرّاف"، وهي العبارة الشعبيّة التونسيّة التي تُطلق على الحكايات الشعبيّة، ولعلّ القارئ يُدرك صلتها اللفظيّة والدلاليّة بالعبارة الفصيحة التي منها استُقيت، وهي "الخُرافة" ليقف على تفكيك جملة من الحكايات الشعبيّة التونسيّة ونظر فيها بعين الأنتروبولوجي العارف بتحليل نصوص الأدب، المدرك لجهود الغربيين والعرب في تحليل القصص عامّة والقصص الشعبيّ خاصّة. ومن هذه الأرضيّة أيضًا تتبّع الباحثُ حكايات الأمّهات، في جمعٍ لحكايات شعبيّة تعهّد طلبته بتقصّيها من جهات مختلفة من البلاد التونسيّة، فكان كتاب "الأمّ الرسولة: رسالة الأمّ في الحكاية الشعبيّة العربيّة: دراسة أنثروبولوجيّة نفسيّة" نتاج هذا الجمع وحصيلة الدرس الذي أدّاه الأستاذ بالتشارك مع طلبته.

ولم يقتصر الجويلي على هذين الكتابين في تحليل الحكاية الشعبيّة، بل تفتّحت دراسته على الحكاية الشعبيّة الخليجيّة، وخاصّة الحكاية الشعبيّة في البحرين والسعوديّة وعُمان، في دروس ومحاضراتٍ وبحوث وكتب. ولنا أن نذكر على سبيل المثال كتاب "من الحطب إلى الذهب" الذي أهداه إلى المرأة السعوديّة والخليجيّة المعطاءة الحكّاءة، وركّز فيه التحليل على حكاية سعوديّة شعبيّة، هي حكاية الغول مع الإخوة الثلاثة، قارنها بحكاية شعبيّة فرنسيّة عالميّة هي حكاية "الإصبع الصغير"، مبيّنًا جذور التواصل بين الثقافات والروابط العميقة بينها.

وأذكر جيّدًا أنّ الباحث عبد العزيز الراشدي عندما شرع في 2009 تقريبًا في جمع الحكايات الشعبيّة في عُمان والإمارات ليكوّن مدوّنة تشكّل أرضيّة ومصدرًا لإنجاز بحث الماجستير في الحكاية الشعبيّة، وجد حكاية "الإصبع الصغير" بروايات مختلفة وقد تعمّنت، بل واتّخذت ألبسة حسب المناطق والجهات.

وأختم في شأن جهود محمد الجويلي في دراسة الحكاية الشعبيّة بذكرِ كتابٍ عنونه ب"الرجل" الذي حبل: السلطة، الولادة وتأنيث الوجود من خلال الحكاية الخرافية الشعبيّة العربيّة"، وفيه تتبّع حكاية شعبيّة تحمل النوى نفسها، وتتبعها الباحث في صيغ مختلفة بروايات مصريّة وتونسيّة ومغربيّة وفلسطينيّة وسعوديّة وإماراتيّة ويمنيّة وعُمانيّة. ومفاد الحكاية أنّ رجلًا يحبل بعد أكله مأكولًا (تفاحة أو سمكة أو ترنجة) مخصّصًا لمعالجة العقم وتحقيق الحمل، خطأً عوض زوجته العاقر، فيحصل الحمل. وتكون الحكاية بكلّ حمولتها الرمزيّة إنسانيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا، يعالجها الباحث بأدوات أنتروبولوجيّة توسّع آفاق المقاربة وتحرّر الدراسة من الإرث النصّي الضيّق.

وجب أن نشير في نهاية هذا المقال إلى أنّ بحوثًا واعدة كان مؤمّلًا أن تُنجز في دراسة الثراء الحكائي الشعبي في سلطنة عُمان، ووصل هذه الحكايات بآفاقها الكونيّة من جهة، وبمقاماتها الرمزيّة والكنائيّة من جهة أخرى، ولكن أغلب هذه البحوث انتهى إلى الإجهاض بسبب النظرة الدونيّة أوّلًا إلى الأدب الشعبيّ، وبسبب عدم العناية بالدرس الأنتروبولوجي في أقسام الأدب التي ظلّت أدواتها بائدة باهتة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ة الحکایة الشعبی ة الحکایات الشعبی ة الشعبی ة العربی ة ة التونسی ة الرمزی ة العال م ة التی

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • باحث بالشأن الأمريكي: الولايات المتحدة وضعت نفسها في مأزق بسبب حرب إيران
  • الحشد الشعبي يقتل 3 دواعش غربي نينوى
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الغمري: محاولات لإضعاف مؤسسات الدولة المصرية خلال فترة ما بعد 2013
  • الأهلي السعودي ينقذ الزمالك من إيقاف الفيفا التأديبي| إيه الحكاية؟
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • ريال مدريد يجهز ثورة ما بعد الانتخابات.. بيريز يقترب من حسم أولى صفقات المشروع الجديد .. إيه الحكاية؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟