الهلال الاحمر السوداني واستنهاض الشراكات الإقليمية والدولية ضرورة استراتيجية . تصريحات الأمين العام د. عايدة السيد عبد الله حول الخسائر في الأرواح والأصول وخصوصاً تأثير الحرب على قسم الإمداد، تكشف عمق الضرر الذي أحدثته الحرب، والحاجة الملحة لإعادة تأهيل منظومات الإمداد لتفادي انهيار الاستجابة الإنسانية الوطنية في البلاد.

هذه الحقيقة تأخذ بعدًا عمليًا حين نربطها بالمجهودات المبذولة في جانب التدريب بمقر الأمانة العامة والفروع في بورتسودان، الذي يمثل محاولة لإصلاح السلاسل اللوجستية وتقوية القدرات الفنية وسط محدودية الموارد.

آلاف النازحين الذين يقطعون مئات الكيلومترات هربًا من أماكن الصراع يصلون إلى مخيمات مثل الدبة والعفاض بالولاية الشمالية “مناطق آمنة ” حاملين جراحًا جسدية ونفسية جراء انتهاكات مليشيا الدعم السريع، وفي كثير من الحالات يواجهون فراغًا في التنسيق الدولي أو غيابا لافتا لوكالات متخصصة كانت متوقعةً لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين.

سياسيًا من الواضح أن ثمة فجوة كبيرة بين الأدوار الوطنية ومستويات التدخل الخارجي. إدانة بعض الفعاليات المحلية لغياب وكالات الأمم المتحدة عن معسكرات النازحين، واتهامات بتباطؤ أو انحياز أحيانًا ، تكشف عن أزمة ثقة بين مبادرات الإغاثة الوطنية والمجتمع الدولي.

لذلك تبدو الحاجة إلى شراكات إقليمية ودولية أمرا مهما. الشراكة مع جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية و الصديقة (أوروبية وعربية) والاتحاد الدولي، وتنسيقًا فعّالًا مع وكالات أممية متعددة، لتوفير الموارد الطارئة، و الخبرات التشغيلية وربط سلاسل الإمداد والتموين.

هذه الشراكات يجب أن تُبنى على قاعدة احترام السيادة الوطنية لضمان استدامة العمل الإنساني دون تفريط في استقلالية الفاعل الوطني. كذلك أمن العاملين، يعد محور لا يمكن تجاهله: عمليات القتل والاعتداء على متطوعين وموظفين تؤدي إلى انهيار القدرة على الوصول، وتزيد من كلفة الاستجابة، وترسّخ منطق الخوف الذي يعرقل الخطط الإنسانية.

رصدت منظمات دولية تزايد المخاطر على فرق الإغاثة، مما يجعل حماية الطواقم والامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني شرطًا مسبقًا للعمل. في هذا الجانب الحكومة السودانية تقوم بواجباتها في توفير الحماية اللازمة للعاملين، لذلك يجب أن يضمن ذلك سرعة الاستجابة الانسانية.

سياسيًا أيضاً يلعب الخطاب العام والأحاديث المتعلقة بأجندات خارجية دورًا في تشكيل مناخ الدعم أو المعارضة للمنظمات الدولية. ومن ثم يتحتم على الهلال الأحمر أن يصوغ رسائل موازنة: توضح حاجته للشركاء الدوليِّين، وتؤكد على أهمية حيادها، ويعمل على بناء توازن دبلوماسي بين الخدمة وأهميتها والفاعلية الواجبة لكي تظل المساعدات ذات قبول.

وفي هذا السياق، كشفت تصريحات د. التجاني السيسي، رئيس المسار الدبلوماسي بالمبادرة الوطنية للإسناد، حجم الفجوة بين المبادرات الوطنية وغياب وكالات الأمم المتحدة عن معسكر النازحين مثل العفاض والدبة، مؤكدًا أن هذا الغياب غير مبرر، و أن الوكالات الأممية كان باستطاعتها تقديم المساعدات سريعًا للمتأثرين الفارين من الفاشر.

هذه الفجوة بين المبادرات الوطنية والغياب الأممي يوضح أن العمل الطوعي أضحى مؤشرًا على موقع السلطة في الحرب. فالنجاح في بناء شراكات محلية ودولية مستدامة يعيد للبلاد جزءًا من ثقتها بنفسها، بينما الفشل يترك المشهد مفتوحًا للتدخلات الإقليمية والضغوط السياسية.

وفي ظل تصريحات السيسي التي تسلّط الضوء على الانتهاكات والمعاناة، يتضح أن العمل الإنساني هو اختبار لمدى قدرة المجتمع السوداني على حماية نفسه وإعادة ترميم مؤسسات الدولة غير القادرة على فعل ذلك بمفردها. إن العمل الطوعي في السودان اليوم هو امتحان سياسي وإنساني. نجاحه يعني أن البلاد قادرة على إعادة تنظيم نفسها رغم الحرب وفشله يعني فشل هذه المؤسسات الوطنية .

بذلك يصبح الهلال الأحمر السوداني والمبادرات الوطنية في المجال جسور ثقة بين المواطن والدولة، وبين الداخل والمجتمع الدولي، حيث كل خطوة في الإغاثة تحمل دلالة على القدرة الوطنية على إدارة الأزمة.

يُظهر المشهد أن العمل الطوعي والشراكات المؤجلة تمثل مشروع سياسي-اجتماعي يختبر قدرة الجمعية على مواجهة التحديات وإغاثة المدنيين، واستعادة السيطرة على تداعيات الحرب.

لذلك على الهلال الأحمر السوداني تبنّي رؤية ثنائية المسار، مسار داخلي لتعزيز المرونة المؤسسية ،وتطوير الإمداد، والتدريب، وتوفير المخازن، وإصلاح أسطول المتحركات، وآليات محاسبة واضحة، ومسار خارجي لدبلوماسية إنسانية ذكية وشراكات إقليمية، وتفاهمات مع وكالات أممية، واتفاقيات مع جمعيات صديقة لتسهيل دخول المساعدات وتبادل الخبرات.

عليه ووفقًا لـ #وجه_الحقيقة ، يتبيّن أن التداخل بين السياسي والإنساني أصبح شرطًا لفهم طبيعة الإغاثة وسبل تشغيلها بكفاءة ومسؤولية. فالإغاثة ليست بمنأى عن السياسة، لكنها قادرة أن تتحول إلى فعل منضبط لا يُستغل ولا يُوظَّف خارج مقاصده. وفي هذا الإطار، يمتلك الهلال الأحمر السوداني ، بقيادته الحالية وانتشاره الميداني وشبكة شراكاته، قاعدة صلبة لدفع هذا التحول، متى أحسن توظيفها في بناء القدرات. ويظل تنشيط الشراكات الإقليمية والدولية لا غنى عنها لضمان استمرارية الخدمة.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأحد 23 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

بعد مماتك اجعل لك أثر في مكة           سقيا المعتمرين في أطهر بقاع الأرض            ورّث مصحفا من جوار الكعبة المشرفة

2025/11/23 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة يا نحن يا المليشيا2025/11/23 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الجيش يفكّ القوس.. ويفكّ الجبّارة)2025/11/23 أنعى لكم مكتبتي بمنزلي بامتداد حلة كوكو: حرقوها عن آخرها2025/11/23 لا يكفّ الوليد مادبو عن توريط نفسه في كل حرف يكتبه أو ينطقه2025/11/23 يبدو أن حمدي رزق وهو ينفض الغبار عن ذكرياته القديمة، لم يجر أي تحديث لنظام معلوماته2025/11/23 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حبات العاصفة)2025/11/23شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إبراهيم شقلاوي يكتب: هندسة السلام في السودان و مفاجأة الإسلاميين 2025/11/23

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الهلال الأحمر

إقرأ أيضاً:

«الهلال الأحمر» يقدم خدماته الإسعافية لضيوف الرحمن

البلاد (المدينة المنورة)
تقدّم هيئة الهلال الأحمر السعودي بمنطقة المدينة المنورة خدماتها الإسعافية والإنسانية لضيوف الرحمن، تزامنًا مع توافد الحجاج إلى المسجد النبوي، ومواقع الزيارة بالمدينة المنورة.
وأوضح مدير فرع الهيئة بمنطقة المدينة المنورة الدكتور أحمد بن علي الزهراني، أن الفرق الإسعافية تواصل أعمالها الميدانية على مدار الساعة، لضمان تقديم الرعاية الإسعافية الطارئة للحجاج والزوار خلال فترة وجودهم بالمدينة المنورة من خلال توزيع الفرق الإسعافية في المسجد النبوي وساحاته، والمواقع ذات الكثافة العالية، بما يسهم في سرعة الوصول للحالات الطارئة، وتقديم الخدمة الإسعافية اللازمة. وأفاد أن الخطة التشغيلية تشمل تشغيل الفرق الإسعافية ووحدات التدخل السريع والعربات الكهربائية وعربات القولف لخدمة المستفيدين، إضافة إلى الجاهزية التامة للإسعاف الجوي، بهدف تعزيز سرعة الاستجابة والتعامل مع الحالات الطارئة، وفق أعلى المعايير الإسعافية، مضيفًا أن مركز “الترحيل الطبي” بالمنطقة يواصل استقبال البلاغات الواردة عبر الرقم (997) وتطبيق “أسعفني”، ومتابعة أداء الفرق الإسعافية ميدانيًا؛ لضمان سرعة الاستجابة وجودة الخدمات المقدمة للحجاج والزوار.
وأكد أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع شركاء الاستجابة والجهات ذات العلاقة؛ لتعزيز الجاهزية التشغيلية واستمرار تقديم الخدمات الإسعافية بكفاءة عالية؛ بما يسهم في المحافظة على سلامة ضيوف الرحمن وزوار المدينة المنورة.

مقالات مشابهة

  • الهلال الأحمر الفلسطيني - لبنان دان استهداف المرافق الصحية
  • «الهلال الأحمر» يقدم خدماته الإسعافية لضيوف الرحمن
  • الهلال الأحمر المصري يستقبل الدفعة 45 من المصابين الفلسطينيين
  • منح الوسام الوطني الفرنسي للاستحقاق لرئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني
  • إغلاق المستشفى الإيراني في دبي وتجميد أمواله ومنع رئيسه من السفر
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 206 لدعم الأشقاء الفلسطينيين
  • الهلال الأحمر يطلق قافلة "زاد العزة" بحمولة أكثر من ثلاثة آلاف طن
  • الهلال الأحمر يطلق زاد العزة 206 متضمنة ثلاثة آلاف طن من المساعدات
  • بحمولة 2370 طنا.. انطلاق قافلة المساعدات المصرية الـ 205 إلى غزة
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 204 لدعم الأشقاء الفلسطينيين