عقد الجامع الأزهر، مساء الثلاثاء، ندوته الأسبوعية ضمن «ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة» تحت عنوان: «ردُّ الغارة على اللغة العربية»، وذلك بحضور عدد من العلماء والباحثين وروَّاد الجامع، وبمشاركة: الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، والدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات المساعد بجامعة الأزهر، وبإدارة الإعلامي إسماعيل دويدار، رئيس إذاعة القرآن الكريم.

الجامع الأزهر يعقد ملتقى القراءات للختمة المرتلة برواية الإمام قالون عن الإمام نافع.. اليوم البروفيسور جيفري ساكس: الجامع الأزهر واحد من أكثر أماكن العبادة تفرّدًا وخصوصية

وأوضح الدكتور إبراهيم الهدهد، أن الحديث عن اللغة العربية يبدأ من خصوصية عظيمة ميّزها الله تعالى بها، فهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، واصطفاها الله لتكون وعاء رسالته الخاتمة إلى العالمين. وبيّن أن من أولى النعم التي اختص الله بها نبيه المصطفى ﷺ ما ورد في قوله: «فضلت على الأنبياء بست»، وفي رواية: «أوتيت جوامع الكلم»، وهي دلالة واضحة على أن العربية تملك قدرة فريدة على جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، مما يسهل حفظها وتناقلها، ويجعلها أقدر اللغات على حمل الخطاب الرباني الموجّه للإنسانية كلها.

وأضاف الدكتور الهدهد أن العرب عُرفوا بإيجاز يُحفظ عنهم، وإطناب يُفهم عنهم، موضحًا أن مقام الحفظ يقتضي اختصارًا، بينما يقتضي مقام الإفهام بسطًا، ولذلك جاءت العربية بخصائص تجعلها أصلح اللغات للتبليغ والهداية. وأشار إلى أن اختيار الله لهذه اللغة دون غيرها لتكون لغة القرآن دليل على ما فيها من طاقة بيانية وإمكانات دلالية واسعة، فهي لغة قادرة على مخاطبة جميع الناس، واستيعاب المعاني الدقيقة في قوالب محكمة، كما دلّ عليه استعمال النبي ﷺ لجوامع الكلم وأسلوب القرآن المعجز.

وأشار إلى أن أوسع دليل على تميّز العربية هو أرقام مفرداتها؛ فاللغة –بوصفه– «عملة فكرية» تُبنى منها الجمل والنصوص، وكلما اتسعت العملة اتسع البناء. وذكر مثالًا بقاموس «لسان العرب» بوصفه معجمًا متوسط الحجم يقع في 8 مجلدات، يحتوي كل مجلد منها على نحو 800 صفحة من القطع الكبير، في مقابل أوسع معجم إنجليزي وهو «أكسفورد» الذي لا يتجاوز ألف صفحة، وكذلك القواميس الفرنسية التي تدور في الحدود نفسها. وخَلُص إلى أن العربية –وفق هذا القياس– تتفوّق على اللغات العالمية بما لا يقل عن ستة أضعاف في ثراء مفرداتها، مما يعكس مكانتها كلغة قادرة على استيعاب العلوم والمعارف وحمل الرسالة الخالدة عبر العصور.

من جانبه، قال الدكتور ربيع الغفير إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تعبير أو أداة تواصل، بل هي هوية هذه الأمة وعماد هذا الدين؛ فهي القرآن والسنة، وهي اللسان الذي اصطفاه الله تعالى ليكون وعاء الوحي ولسان الدستور الخالد الذي يضيء للإنسانية طريق الهداية إلى يوم القيامة. وبيّن أن الدفاع عن العربية ليس ترفًا ثقافيًّا ولا ميلًا لغويًّا، بل هو دفاع عن أصل الدين نفسه؛ إذ كيف يمكن لمسلم أن يفهم آية من كتاب الله أو حديثًا من سنة نبيه وهو غافل عن اللغة التي نزل بها الوحي؟ واستشهد فضيلته بكلام الإمام الواحدي في مقدمة تفسيره «البسيط» بقوله: «من أراد أن يفسر القرآن فليتعلم النحو والأدب»، وهو نفسه ما قرره أبو حيان في «البحر المحيط»، والسيوطي في «الإتقان»، حين عدّ علوم اللغة العربية في مقدمة العلوم التي لا غنى عنها لفهم القرآن والسنة.

وأكّد الدكتور الغفير أن ضعف العربية يؤدي بالضرورة إلى ضعف الفهم عن الله ورسوله، فمن لا يميّز الفاعل من المفعول ولا يعرف دلالات التقديم والتأخير ولا أسرار البيان، لا يسعه إدراك المعنى الحقيقي لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ولا فهم نصوص المفسرين والفقهاء عبر التاريخ. وشدّد على أن إجادة العربية ليست مهارة لغوية فحسب، بل هي طريق لفتح أبواب التدبر في كتاب الله، واستشعار تجليات معانيه، وفهم أسرار الخطاب الشرعي كما أراده الله تعالى. وأشار إلى أن كل علم من علوم الشريعة—تفسيرًا كان أو فقهًا أو حديثًا—لا يُدرَك إدراكًا صحيحًا إلا من خلال إحكام أدوات اللغة العربية.

ثم تناول فضيلته تاريخ «الغارة على اللغة العربية» ووجّه الحضور والمستمعين إلى كتابٍ يُعدّ من أهم ما كُتب في هذا الباب، وهو «تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر» للدكتورة نفوسة زكريا. وبيّن أن الشيخ محمود شاكر قال عن هذا الكتاب: «لو استطعت أن أجعل نسخة منه في كل بيت لفعلت»، لما يكشفه من حقائق خطيرة حول محاولات إضعاف العربية منذ بدايات القرن الماضي. وأوضح أن دعاة هدم الهوية أدركوا أن ضرب العربية هو أقرب طريق لضرب الدين، وهو ما نبّه إليه الإمام الشاطبي في «الموافقات» حين جعل فهم العربية شرطًا للاجتهاد الفقهي، مؤكدًا أن الحفاظ على العربية واجب على كل من ينتسب إلى هذا الدين ويتشرف بالنطق بلسانه.

وفي ختام الملتقى، أكّد الإعلامي إسماعيل دويدار، رئيس إذاعة القرآن الكريم، أن العربية هي الوعاء الحافظ لحضارة الأمة ومخزونها الثقافي، وأنها لغة الوحي والتنزيل، المحفوظة بحفظ كتاب الله. وأضاف أن العربية أقدم اللغات الحية، وأن الدفاع عنها دفاع عن هوية الإسلام ذاته، داعيًا إلى تعزيز حضورها في التعليم والإعلام والأسرة، وإلى دعم مثل هذه الملتقيات التي تُعيد الاعتبار للسان القرآن وتواجه موجات التهميش التي تستهدفه.

يأتي ذلك وفق توجيهات الإمام الأكبر الدكتور  أحمد الطيب شيخ الأزهر، وباعتماد الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر، وبإشراف الدكتور عبد المنعم فؤاد المشرف العام على الأروقة الأزهرية، والدكتور هاني عودة مدير عام الجامع الأزهر.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الجامع الأزهر الأزهر ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة اللغة العربية الإمام الأكبر الجامع الأزهر اللغة العربیة أن العربیة إلى أن

إقرأ أيضاً:

الله أكبر.. عباس شومان يعلن إنهاء خصومة ثأرية في أسيوط استجابة لشيخ الأزهر

أعلن الدكتور عباس شومان، رئيس اللجنة العليا لمصالحات الأزهر، استجابة قبيلة آل عمار بقرية السوالم بأبنوب في أسيوط لدعوة الأزهر الشريف بإنهاء خصومة ثأرية وتقبلها التصالح فيها، لتعلن عفوها لوجه الله عن فقيدها إكراما للأزهر وتتقبل العزاء، مشيرا إلى أن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وجه لهم الشكر والتقدير.

عباس شومان يعلن إنهاء خصومة ثأرية في أسيوط استجابة لشيخ الأزهر

وكتب الدكتور عباس شومان، عبر حسابه الشخصي على فيسبوك، "الحاج منصور من أولاد على بأبنوب يعفو عن دم ابنته وابنها لوجه الله إكراما للأزهر ،ويتلقى اتصالاً من الإمام الأكبر لشكره.فالحمد لله كثيرا".

10 أمور تساعدك على الخشوع في الصلاة.. الأزهر للفتوى يوضحهاالملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم والكفالة والضمان أدوات حمايته

وكان الدكتور عباس شومان، رئيس اللجنة العليا لمصالحات الأزهر، قد زار مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، على رأس وفد أزهري، لتقديم واجب العزاء لأسر ضحايا الحادث، وزيارة المصابين، وذلك نيابة عن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.

وعقد الدكتور عباس شومان، سلسلة من الاجتماعات، بدأها بمقر جامعة الأزهر، حيث ناقش دور الأزهر في إنهاء الخصومات الثأرية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، مشيرًا إلى رصد عدد من النزاعات الجاري العمل على حلها، كما التقى أعضاء لجنة المصالحات في أسيوط وأبنوب استعدادًا للتحرك الميداني.

وتوجه الوفد إلى أسر الضحايا الذين سقطوا في الحادث الذي أودى بحياة عشرة من أبناء المركز، لتقديم التعازي والمواساة، والتأكيد على دعم الأزهر الكامل للعائلات المنكوبة.

وأكد أن لجنة المصالحات بالتعاون مع مديريات الأمن تبذل جهودًا كبيرة لنشر ثقافة العفو والتسامح، بدعم مستمر من الإمام الأكبر، موجهًا الشكر للعائلات التي تُفضل الصلح وتنبذ العنف لما له من آثار مدمرة على المجتمع.

طباعة شارك الدكتور عباس شومان عباس شومان رئيس اللجنة العليا لمصالحات الأزهر الأزهر إنهاء خصومة ثأرية

مقالات مشابهة

  • سفراء القرآن.. مسيرة الشيخ أبو العينين شعيشع مع كتاب الله
  • أهمية الذكر في القرآن الكريم والسنة النبوية
  • هدية خادم الحرمين الشريفين من المصاحف الشريفة ترافق الحجاج المغادرين
  • في ذكري رحيله.. محطات من حياة العالم الجليل الشيخ محمد الراوي
  • ميش عزام والصوت الدولي لموسيقى البوب العربية المعاصرة
  • الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر يناقش "بقية المبشرين بالجنة من الصحابة"
  • الله أكبر.. عباس شومان يعلن إنهاء خصومة ثأرية في أسيوط استجابة لشيخ الأزهر
  • رئيس الدولة: رحم الله المربي والمعلم الفاضل الدكتور محمود أحمد القيسية