ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة: العربية لغة الوحي والهوية والكتاب الخالد
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
عقد الجامع الأزهر، مساء الثلاثاء، ندوته الأسبوعية ضمن «ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة» تحت عنوان: «ردُّ الغارة على اللغة العربية»، وذلك بحضور عدد من العلماء والباحثين وروَّاد الجامع، وبمشاركة: الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، والدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات المساعد بجامعة الأزهر، وبإدارة الإعلامي إسماعيل دويدار، رئيس إذاعة القرآن الكريم.
وأوضح الدكتور إبراهيم الهدهد، أن الحديث عن اللغة العربية يبدأ من خصوصية عظيمة ميّزها الله تعالى بها، فهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، واصطفاها الله لتكون وعاء رسالته الخاتمة إلى العالمين. وبيّن أن من أولى النعم التي اختص الله بها نبيه المصطفى ﷺ ما ورد في قوله: «فضلت على الأنبياء بست»، وفي رواية: «أوتيت جوامع الكلم»، وهي دلالة واضحة على أن العربية تملك قدرة فريدة على جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، مما يسهل حفظها وتناقلها، ويجعلها أقدر اللغات على حمل الخطاب الرباني الموجّه للإنسانية كلها.
وأضاف الدكتور الهدهد أن العرب عُرفوا بإيجاز يُحفظ عنهم، وإطناب يُفهم عنهم، موضحًا أن مقام الحفظ يقتضي اختصارًا، بينما يقتضي مقام الإفهام بسطًا، ولذلك جاءت العربية بخصائص تجعلها أصلح اللغات للتبليغ والهداية. وأشار إلى أن اختيار الله لهذه اللغة دون غيرها لتكون لغة القرآن دليل على ما فيها من طاقة بيانية وإمكانات دلالية واسعة، فهي لغة قادرة على مخاطبة جميع الناس، واستيعاب المعاني الدقيقة في قوالب محكمة، كما دلّ عليه استعمال النبي ﷺ لجوامع الكلم وأسلوب القرآن المعجز.
وأشار إلى أن أوسع دليل على تميّز العربية هو أرقام مفرداتها؛ فاللغة –بوصفه– «عملة فكرية» تُبنى منها الجمل والنصوص، وكلما اتسعت العملة اتسع البناء. وذكر مثالًا بقاموس «لسان العرب» بوصفه معجمًا متوسط الحجم يقع في 8 مجلدات، يحتوي كل مجلد منها على نحو 800 صفحة من القطع الكبير، في مقابل أوسع معجم إنجليزي وهو «أكسفورد» الذي لا يتجاوز ألف صفحة، وكذلك القواميس الفرنسية التي تدور في الحدود نفسها. وخَلُص إلى أن العربية –وفق هذا القياس– تتفوّق على اللغات العالمية بما لا يقل عن ستة أضعاف في ثراء مفرداتها، مما يعكس مكانتها كلغة قادرة على استيعاب العلوم والمعارف وحمل الرسالة الخالدة عبر العصور.
من جانبه، قال الدكتور ربيع الغفير إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تعبير أو أداة تواصل، بل هي هوية هذه الأمة وعماد هذا الدين؛ فهي القرآن والسنة، وهي اللسان الذي اصطفاه الله تعالى ليكون وعاء الوحي ولسان الدستور الخالد الذي يضيء للإنسانية طريق الهداية إلى يوم القيامة. وبيّن أن الدفاع عن العربية ليس ترفًا ثقافيًّا ولا ميلًا لغويًّا، بل هو دفاع عن أصل الدين نفسه؛ إذ كيف يمكن لمسلم أن يفهم آية من كتاب الله أو حديثًا من سنة نبيه وهو غافل عن اللغة التي نزل بها الوحي؟ واستشهد فضيلته بكلام الإمام الواحدي في مقدمة تفسيره «البسيط» بقوله: «من أراد أن يفسر القرآن فليتعلم النحو والأدب»، وهو نفسه ما قرره أبو حيان في «البحر المحيط»، والسيوطي في «الإتقان»، حين عدّ علوم اللغة العربية في مقدمة العلوم التي لا غنى عنها لفهم القرآن والسنة.
وأكّد الدكتور الغفير أن ضعف العربية يؤدي بالضرورة إلى ضعف الفهم عن الله ورسوله، فمن لا يميّز الفاعل من المفعول ولا يعرف دلالات التقديم والتأخير ولا أسرار البيان، لا يسعه إدراك المعنى الحقيقي لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ولا فهم نصوص المفسرين والفقهاء عبر التاريخ. وشدّد على أن إجادة العربية ليست مهارة لغوية فحسب، بل هي طريق لفتح أبواب التدبر في كتاب الله، واستشعار تجليات معانيه، وفهم أسرار الخطاب الشرعي كما أراده الله تعالى. وأشار إلى أن كل علم من علوم الشريعة—تفسيرًا كان أو فقهًا أو حديثًا—لا يُدرَك إدراكًا صحيحًا إلا من خلال إحكام أدوات اللغة العربية.
ثم تناول فضيلته تاريخ «الغارة على اللغة العربية» ووجّه الحضور والمستمعين إلى كتابٍ يُعدّ من أهم ما كُتب في هذا الباب، وهو «تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر» للدكتورة نفوسة زكريا. وبيّن أن الشيخ محمود شاكر قال عن هذا الكتاب: «لو استطعت أن أجعل نسخة منه في كل بيت لفعلت»، لما يكشفه من حقائق خطيرة حول محاولات إضعاف العربية منذ بدايات القرن الماضي. وأوضح أن دعاة هدم الهوية أدركوا أن ضرب العربية هو أقرب طريق لضرب الدين، وهو ما نبّه إليه الإمام الشاطبي في «الموافقات» حين جعل فهم العربية شرطًا للاجتهاد الفقهي، مؤكدًا أن الحفاظ على العربية واجب على كل من ينتسب إلى هذا الدين ويتشرف بالنطق بلسانه.
وفي ختام الملتقى، أكّد الإعلامي إسماعيل دويدار، رئيس إذاعة القرآن الكريم، أن العربية هي الوعاء الحافظ لحضارة الأمة ومخزونها الثقافي، وأنها لغة الوحي والتنزيل، المحفوظة بحفظ كتاب الله. وأضاف أن العربية أقدم اللغات الحية، وأن الدفاع عنها دفاع عن هوية الإسلام ذاته، داعيًا إلى تعزيز حضورها في التعليم والإعلام والأسرة، وإلى دعم مثل هذه الملتقيات التي تُعيد الاعتبار للسان القرآن وتواجه موجات التهميش التي تستهدفه.
يأتي ذلك وفق توجيهات الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وباعتماد الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر، وبإشراف الدكتور عبد المنعم فؤاد المشرف العام على الأروقة الأزهرية، والدكتور هاني عودة مدير عام الجامع الأزهر.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الجامع الأزهر الأزهر ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة اللغة العربية الإمام الأكبر الجامع الأزهر اللغة العربیة أن العربیة إلى أن
إقرأ أيضاً:
ورشة إقليمية موسعة حول "مقياس جودة تعليم العربية للناطقين بغيرها"
نفّذ مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم أمس ورشة إقليمية موسّعة عبر الاتصال المرئي، خُصصت للتعريف بالإطار المفاهيمي والمرجعي لمشروع مقياس جودة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
واستمرت الورشة أربع ساعات شهدت مشاركة واسعة من خبراء وأكاديميين ومختصين من دول عربية وإقليمية ودولية، وسط تفاعل لافت أظهر اهتمامًا كبيرًا بالمشروع وأبعاده ودوره في تطوير تعليم العربية عالميًا.
افتتحت مساعد المدير العام للمركز الدكتورة فاطمة رويس فعاليات الورشة بكلمة رحّبت فيها بالمشاركين، مؤكدة تقدير المركز للدعم المستمر من المؤسسات التعليمية العربية والدولية.
وأوضحت أن المشروع يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز حضور اللغة العربية في المشهد التعليمي الدولي، من خلال وضع معايير دقيقة وجديدة للتميز في تعليمها للناطقين بغيرها.
وقدّم مدير المشروع ورئيس اللجنة العلمية بالمركز أ.د. أحمد النشوان عرضًا تفصيليًا تناول فيه أهداف المشروع، مشيرًا إلى أنه يسعى إلى ترسيخ معايير جودة وابتكار جديدة في تعليم العربية، إلى جانب بناء شبكة تعاون عربية وإقليمية ودولية مستدامة تخدم هذا المجال الحيوي.
كما تطرّق رئيس الفريق العلمي أ.د. فهد العليان إلى أهمية وجود مقياس موحد لجودة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، لما له من دور محوري في دعم السياسات التعليمية، وتسهيل تنسيق الجهود بين المؤسسات العاملة في هذا الحقل.
وفي إطار توضيح الخلفيات النظرية للمقياس، شارك عضوا الفريق د. أنور بدوي ود. سعاد عبدالواحد في استعراض الرؤى العلمية المؤسِّسة لتطوير المقياس ضمن السياق العربي. تلا ذلك عرض الخلفيات النظرية في السياقات الأجنبية، بما أتاح مقاربة مقارنة بين التجارب العربية والدولية، وأسهم في بناء تصور أكثر شمولًا لمعايير الجودة المطلوبة.
تخللت الورشة مداخلات علمية ونقاشات موسّعة تناولت المنهجية المعتمدة في إعداد المقياس، وآليات التحكيم، إضافة إلى شرح مفصل لمكوناته ومجالاته ومحاوره ومعاييره. كما خُصصت الجلسة الختامية لعرض المنصّة الإلكترونية الخاصة بالمشروع، والتي ستتيح للمؤسسات التعليمية أداة عملية لتطبيق المقياس وتقييم برامجها وفق معايير موحدة وشفافة تعزّز جودة التعليم والمساءلة.
وأكدت الدكتورة فاطمة رويس أن المركز يعمل على خطوات مستقبلية لضمان الاستفادة المثلى من المشروع في الدول العربية، خاصة فيما يتصل بتفعيل المنصة الإلكترونية وتمكين الجهات التعليمية من تطبيق المقياس بصورة فعّالة.
وفي ختام الورشة، أُجري نقاش مفتوح بين فريق العمل والمشاركين حول سبل مواءمة المقياس مع اختلاف السياقات المؤسسية والتعليمية، بما يضمن تطويره ومراجعته بصورة مستمرة، ويعزّز مكانة اللغة العربية عالميًا.
ويأتي المشروع في إطار دعم أهداف التنمية المستدامة 2030، وبخاصة الهدف الرابع المعني بتوفير تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع، وترسيخ فرص التعلم مدى الحياة، مما يجعل المقياس خطوة نوعية نحو تعزيز حضور العربية وتنافسيتها في المشهد التعليمي الدولي.