إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
تتكرر في الخطاب العربي عبارة مفادها أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة وهي جملة ليست مجرد شعار عاطفي بقدر ما هي خلاصة عقود من التجربة السياسية والعسكرية في المنطقة.
فكلما حاولت الأطراف العربية اختبار مسارات التهدئة أو تقديم مقاربات دبلوماسية لاحتواء الصراع، كانت النتيجة تثبت أن ميزان القوة وحده هو الذي يفرض الإيقاع على الطرف الإسرائيلي وأن الحسابات الاستراتيجية في تل أبيب لا تتغير إلا تحت ضغط حقيقي يهدد مكاسبها أو يربك منظومتها الأمنية.
يتجلى مفهوم القوة هنا بمعناه الواسع، فلا يقتصر على الأبعاد العسكرية البحتة، بل يشمل القدرة على فرض معادلات جديدة سواء كانت سياسية أو قانونية أو اقتصادية أو أخلاقية.
فإسرائيل، التي شكلت لنفسها رواية قائمة على التفوق الأمني والدعم الدولي، لا تقدم على مراجعة سياساتها إلا عندما تواجه لحظة كشف حقيقية تظهر حدود هذا التفوق. وفي كل مرة تظهر فيها هذه الحدود تتسع مساحة النقاش العالمي حول عدالة القضية الفلسطينية وتتعاظم الانتقادات الدولية للممارسات الإسرائيلية ويتراجع التأييد غير المشروط الذي اعتادت تل أبيب اعتباره ضمانة دائمة.
ومع ذلك فإن لغة القوة في سياق الصراع لا تعني الانزلاق إلى منطق العنف وحده بل توظيف عناصر التأثير كافة في معادلة واحدة متماسكة. فالقوة هنا هي أيضاً قوة الرواية التي تكشف حجم الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني وقوة الصمود الشعبي الذي يواجه سياسات القمع وقوة المواقف القانونية التي تستند إلى الشرعية الدولية وقوة التحالفات التي يمكن أن تغير شكل التوازنات الإقليمية.
هذه العناصر مجتمعة تظهر لإسرائيل أن العالم لم يعد كما كان وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية لم يعد خيارا قابلا للاستمرار.
كما أن متغيرات السنوات الأخيرة، أثبتت أن الساحة الإسرائيلية نفسها، لم تعد كتلة صلبة، فالتصدعات الداخلية تتسع والصراعات السياسية تتعمق والنقاشات الأخلاقية حول كلفة الاحتلال تزداد حضورا داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. كل ذلك يشكل شكلا آخر من أشكال الضغط الذي يعيد صياغة مفهوم القوة ويضعه في إطار أكثر تعقيدا مما اعتادت عليه المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
وحين تجد تل أبيب نفسها أمام واقع قوامه التحديات الخارجية والداخلية معا، يصبح تغيير السلوك أمرا مرجحا لا نتيجة قناعة، بل استجابة لحقائق لا يمكن تجاهلها.
إن جوهر الرسالة التي يكررها الواقع هو أن الصراع لا يمكن أن يحسم بسياسة الأمر الواقع وأن تجاهل الحقوق المشروعة لشعب بأكمله ليس قدرا محتوما. فالقوة التي تفهمها إسرائيل ليست مجرد ضغط عسكري، بل منظومة أوسع قادرة على إعادة التوازن وفرض احترام القواعد الأساسية للعدالة. ومع كل تطور جديد يتضح أن الطريق نحو حل عادل لا يمر عبر الاستسلام للأمر الواقع، بل عبر امتلاك عناصر القوة التي تفرض على الطرف الآخر أن يصغي وأن يفكر وأن يدرك أن استمرار الصراع على النحو القائم لم يعد ممكنا مهما طال الزمن.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.