تفنيد الخرافة العرقية في البلاد المغربية نحن الأصلاء وأنتم الدخلاء!؟
تاريخ النشر: 5th, December 2025 GMT
يفتح الدكتور أحمد بن نعمان، الكاتب والباحث الجزائري، في هذا المقال الخاص بـ "عربي21"، ملفاً فكرياً وتاريخياً بالغ الحساسية، متناولاً واحدة من أخطر الأفكار التي ما تزال تجد طريقها إلى وعي بعض أبناء المغرب الكبير، والمتمثلة في أسطورة "العرق الخالص" وتقسيم المجتمع إلى "أصلاء" و"دخلاء".
ومن خلال قراءة نقدية تستند إلى مرجعيات دينية وتاريخية راسخة، وإلى أقوال أعلام النهضة والإصلاح في المنطقة، يعيد الكاتب طرح سؤال الهوية على أسسه الإسلامية والإنسانية والحضارية الصحيحة، بعيداً عن العصبيات الضيقة والقراءات الاستعمارية التي غذّت، عبر عقود، مشاريع التفرقة والتمزيق داخل المجتمعات المغاربية، مؤكداً أن الانتماء الحقيقي تصنعه القيم المشتركة والإيمان والتاريخ الواحد، لا الادعاءات السلالية ولا الأوهام العرقية المصطنعة.
خرافة القومية العرقية
إلى كل أولئك الذين يصفون او يتهمون كل جزائري وطني مسلم غير عنصري بأنه عديم الأصل أو ناكر لأصله الخرافي الشيشناقي المزعوم المنتسب لهوية أنزار وإله النار أو الليل والنهار..!؟ .
إذا كان الذي تقصدونه هو الأصل البيولوجي السلالي، فإن كل بني آدم وجد على هذه الأرض كان وجوده دون اختيار، ولكنه آمن بالله واعتنق دين الحق بكل إرادة ودون إجبار بناء على قول موجد الدين ذاته القائل "لا أكراه في الدين!؟".
وإذا تركنا التفاخر السلالي بالأنساب للحصان بالنسبة لأصحاب ثقافة السلالة (وليس ثقافة الرسالة) واعتمدنا الاعتزاز بالإسلام والإيمان وحده للإنسان، فكيف يؤاخذ من يدعي الإسلام في هذه الديار المجاهدة والمتلاحمة منذ عشرات القرون من التصاهر والامتزاج عبر التاريخ.. كيف لهذا الشخص الذي يدعي أنه ترك وثنية كسيلة ويهودية الكاهنة وتثليث أوغسطين، إلى وحدانية الإسلام المبين كيف يتناقض مع مبدأ هذا الدين الذي يحارب العصبية وخرافة القومية العرقية والعنصرية وهو يقول في نص الكتاب المتعبد به إلى يوم الدين "إن أكرمكم عند الله اتقاكم!؟"
وليس أغناكم أو أذكاكم أو أرقاكم أو أنقاكم ترابا وماء مهينا وزيتا وزيتونا وتمرا وتينا!!؟؟
فكيف للذي يدعي أنه غير ما في قلبه بالإسلام ثم يناقض بتعصبه (القومي أو القبلي والعشائري الجهوري أو اللهجوي) المريب الذي يجعله يتشبث ببعض الأمور الهامشية المتعلقة بالفلكلور المحلي المتوارث خلفا عن سلف دون تناقض مع الدين الحنيف الذي يجبّ كل ما قبله من حياة الجاهلية من تقاليد وعادات وثنية..!؟
ولذا يجب الملاحظة أن الذي خفي عن هؤلاء المعترضين، عن جهل أو عن خبث، في هذه المسألة السلالية والعنصرية الجهوية والعرقية، هو الخلط المتعمد بين واجب التسلسل النسبي الشرعي (الفردي والأسري) حفاظا على شرف ونظافة الأنساب، التي حرم الله من أجلها الزنا واعتبره من الفواحش الكبرى، والنسب الجهوي أو الإقليمي أو الفئوي..!؟
فهنا يكمن الخلط الإنفصالي والحَرْكي الاحتلالي والاستحتلالي الخائن والقاتل!؟ فنظافة النسل على المستوى الفردي ضرورية وواجبة من الدين َبالضورة لمنع اختلاط الأنساب كما أسلفنا، لكن على المستوى الجماعي الإقليمي أو الوطني أو حتى الجهوي، لا يمكن أن تعتبر الجهة أو المجتمع أو الشعب الفلاني، صافي العرق خلفا عن سلف منذ قابيل و هابيل. فهذا هو الأمر المستحيل وقوعه علميا وعمليا وشرعيا، وخاصة في الأمة الإسلامية، حيث يصبح المسلم أخا المسلم، بمجرد أن ينطق الشهادتين عن إرادة واقتناع دون إكراه في الدين.. ولا فرق بينه وبين المسلم الأخر من أي جنس أو عرق أو لون كان، إلا بالتقوى وهذا ما سطره قادة الثورة في البيان الخالد...!؟ .
وبناء على الحديث النبوي الشريف "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير"، . فمن هذا المسلم الجزائري أو المغاربي عموما الذي يدعي الاسلام والوطنية، في أي ولاية من ولايات الوطن يخطبه مسلم آخر تقي نقي صالح، أيا كان أصله من الجزائر أو أي قطر من أقطار الأمة الإسلامية، فمن هذا الذي يرفض مصاهرته، بحجة أنه لا يتكلم لهجته المحلية في غياب المدرسة وتفشي الأمية..!؟
علما أن تعلم أية لهجة أو لغة هي مسألة تتم بالاكتساب حسب الحاجة وليست مسألة فطرية حتمية لدى الفرد العاقل بدليل أن بعض متعلمينا أصبحوا كتابا كبارا وأساتذة في السوربون والأزهر والزيتونة وبجاية وغرناطة وقرطبة وفاس..
إذا كان الجواب بالنفي المطلق، أي أن المسلم لا يرفض مصاهرة المسلم وهو الواقع العلمي والعملي الاجتماعي المعمول به حتى الآن، فعلى أي أساس يصنف السكان عرقيا بما في ذلك سكان بلاد القبائل الجزائرية بالذات التي أزعم أنني أعرفها جيدا، مقيما ودارسا وأنا منها جغرافيا بالولادة وليس ثقافيا بالارادة، لأن الإنسان غير مخير في مكان ميلاده ولكنه حر في انتمائه وتقرير مصيره واختيار دينه وطريقة جهاده واستشهاده.
ومعظم سكان بلاد القبائل خارج المدن الساحلية الفنيقية والرومانية والإسلامية حتى الغزو الفرنسي، جلهم نازحون في القرون المتأخرة من الداخل والخارج كما هم مثبتون بأسماء القبائل والعروش المحلية في المجلة الإفريقية سنة 1847 قبل أن تبدأ فرنسا سياسة (فرق تسد) بعد ذلك كما سنفرد لهذا الموضوع منشورا خاصا بذاته بوثائق فرنسية خالصة !!
وهذه الحقيقة العلمية التاريخية يؤكدها العلامة الجزائري القبايلي (الفضيل الورثلاني) رفيق الإمام عبد الحميد بن باديس (القبائلي الصنهاجي) في النص التالي المأخوذ من كتابه (الجزائر الثائرة) حيث يقول حرفيا: "كان سكان المغرب العربي قبل دخول الرسالة الإسلامية العربية، بربرا لا خلاف في ذلك، ولا يهمني ما يذهب إليه بعض المؤرخين، من أن هؤلاء البربر أنفسهم، إنما هم من أصل عربي، وإنما الذي يهمني والذي لا شك فيه، أن أولئك البربر قد تعربوا جميعا بعد الهجرات العربية المتوالية على ديارهم...
إذا كان الجواب بالنفي المطلق، أي أن المسلم لا يرفض مصاهرة المسلم وهو الواقع العلمي والعملي الاجتماعي المعمول به حتى الآن، فعلى أي أساس يصنف السكان عرقيا بما في ذلك سكان بلاد القبائل الجزائرية بالذات التي أزعم أنني أعرفها جيدا، مقيما ودارسا وأنا منها جغرافيا بالولادة وليس ثقافيا بالارادة، لأن الإنسان غير مخير في مكان ميلاده ولكنه حر في انتمائه وتقرير مصيره واختيار دينه وطريقة جهاده واستشهاده.أما أهم أسباب هذا التعريب فثلاثة: الدين، واللغة، والتزواج وكان الدين أسبق الثلاثة إلى التحكم في مصير البربر، فلقد اعتنقوا الإسلام عن شوق وقناعة، وأحبوه من أعماق قلوبهم، وأخلصوا لتعاليمه أشد الإخلاص، ثم أحبوا معه، ومن أجله كل ما صحبه من مقومات، أحبوا أهله العرب حبا لم يكن يخلو من الغلو، حتى كان البربري يرى أن الانصهار إلى العربي والتقرب منه، إنما هو شرف كبير له، بل هو في نظره ضرب من العبادة، والتقرب إلى الله، لأن هذا العربي في نظره، إنما هو رسول الله إليه، وإنه مجاهد في سبيل تبليغ رسالة الحق المقدسة، وإنه مرابط في الثغور، بعيدا عن أهله وعن وطنه، وإنه يفعل كل ذلك، في سبيل إعزاز كلمة الدين والحق، وفي سبيل نشر مبادئه السمحة الخالدة، وساعد على تسهيل التزواج والاختلاط، إن حملة رسالة الإسلام الأول من العرب كانوا بدورهم يؤمنون بأن دينهم لا يفرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى، من هناك، شاع التزاوج بين العرب والبربر، وابتدأ منذ الفتح، وظل يتسع نطاقه حتى يوم الناس هذا، وقد مضى أربعة عشر قرنا على هذا التلقيح".
وهو ما يتفق تماما مع قول ابن باديس السابق عصره حول اختلاط الأنساب والأعراق في الجزائر داخل بوتقة الإسلام وثقافته الربانية إيمانا وإنسانا ولسانا، حيث يقول في مقال له بعنوان (كيف صارت الجزائر عربية؟) في مجلة الشهاب سنة 1938؛ "إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ وحّد بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في الشدة والرخاء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام".
ويقول عن فرنسا ذاتها، متخذا الحجة من واقعها الحالي على أرضها وشعبها المكون من شتى الأصول السلالية والثقافية، وخاصة من أقطارنا المغاربية المسلمة العربية (الوطنية منها والحرْكية (بتسكين الراء)؛ "إن اختلاط الدماء في فرنسا والدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما نجد على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل ـ نظرا للأكثرية ـ لم يمنع من أن تكون فرنسا أمة واحدة، وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا، يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات، وجودا محليا، وجهل عدد قليل بالعربية، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال".
وهذا التحليل الوارد على لسان العلامة الفضيل الورتيلاني سنة 1955 الذي أكد كلام ابن باديس في سنة 1938 يقرهما عليه باحث اصيل من المغرب الشقيق سنة 1996 ، هو الأستاذ الحسن بلحسن حيث يقول: "لا يمكن القيام بعملية بتر وفصل وتقسيم الجسد الواحد لكون العربي امتزج وتزوج بالأمازيغية كما أن الأمازيغية تناسلت من عربي بل أكثر من هذا أنها تتحدى من يستطيع أن يتميز من بين السكان الحاليين من هو العربي ومن هو الأمازيغي ذلك أن مجموعة من الناطقين بالأمازيغية هم عرب والعكس صحيح".
والرأي ذاته يتبناه محمد أويذير آيت عمران (الرئيس السابق للمحافظة السامية للأمازيغية بالجزائر)، حيث قال في حوار له مطول نقتبس منه هذا الرأي والموقف الوطني الوحدوي (غير العنصري وغير الانفصالي) ولا الاستئصالي الذي يفرز فيه الأصلاء من الدخلاء داخل شعب الشهداء حيث قال :"إجابة عن سؤالك قلنا في الجزائر، منذ فترة طويلة، أن هناك جزائريين فقط!! وذلك تجنبا وابتعادا عن المشاكل والصراعات البيزنطية: من بإمكانه اليوم أن يؤكد أنه عربي 100 بالمائة، أو بربري مائة بالمائة؟ ولهذا نفضل أن نقول إننا جزائريون وكفى والجغرافيا هي التي تتحكم في التاريخ. وإذا أخذت مثال الولايات المتحدة، فتوجد هناك جنسيات متعددة استطاعت على مر السنين أن تنسجم وتتوحد في ما بينها بما فيها إدماجهم للزنوج القادمين من إفريقيا. وهم اليوم أمريكيون لا غير. فكيف إذا، لا نستطيع أن نجد حلا في الجزائر لهذا المشكل الصغير؟".
ويضيف زيادة في التوضيح والتأكيد قوله: "ليس هناك اليوم في الجزائر من يجزم أنه عربي مائة بالمائة أو بربري مائة بالمائة"، ولهذا خلص إلى القول إن "معضلة الهوية طرحت بصفة خاطئة، إذ هي مزيج من اللغات والأديان والثقافات، التي شكلت على مر العصور شخصية جزائريي اليوم".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير الجزائري الرأي الهوية الجزائر رأي هوية أطروحات أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی الجزائر
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.