وجدت قلمى يخط كلمات دون إرادة منى فضلاً وعرفاناً بمن علمنى الحروف؛ كيف أنطقها وأكتبها وكذلك كيف أمسك بالقلم لأشكل من تلك الحروف كلمات، فعبارات ذات معنى، ومن ثم غرس فى نفسى حب القراءة والكتابة والمطالعة.. فتبادر إلى ذهنى العديد من هؤلاء، أعنى مدرسىَّ الأعزاء، فها هى «أبلة نجوى»– أعتقد أن كلمة أبلة قد انقرضت الآن- معلمتى فى الحضانة يطالعنى وجهها البشوش بكل صبر وأناة فى تعليمى كيفية تهجئة الحروف ورسمها بالقلم، وها هو «الشيخ طه» بهيئته المهيبة، أول من علمنى قراءة القرآن فى الكُتاب، وأتذكر أنه أعطانى «بريزة»– بالطبع انقرضت كما انقرض الكثير من العملات- مكافأة لحفظى جزء «عم»، ومنافستى مع زملائى الصغار فى حفظ القرآن، ثم لا ألبث أن أجد وجه أستاذ «عبدالفتاح» بمدرسة أم المؤمنين الابتدائية بنظراته الثاقبة وحديثه الهادئ ولغته العربية الرصينة التى لا تفارق أذنى نبراتها إلى الآن، وقراءته للنصوص العربية وكيف غرس فى نفسى حب المطالعة منذ الصغر، وحثه لى على الذهاب إلى مكتبة المدرسة ومطالعة درر أدب الطفل لكامل الكيلانى ويعقوب الشارونى.
ثم يتراءى لى وجه كالبدر كاسمه وهو «أستاذ بدر»، بمدرسة «الترعة الإعدادية» برشاقته المعهودة ونشاطه الدؤوب ورحلاته المدرسية لمعرض الكتاب كل عام، وبين جنبات المعرض؛ أشترى بمصروفى، الذى أمكث أدخره طوال العام لمثل هذا الوقت، القصص والكتب لا سيما «روايات مصرية للجيب» التى كانت حديثة عهد فى ذلك الوقت لألتهم سطورها التهاماً والتى كانت تخص المعرض بعدة أعداد حديثة لم تنشر بالمكتبات بعد وكذلك تنظيم مسابقات المكتبة حول المعارف التى كان يدأب على تنظيمها وكانت تشهد تسابقاً محموماً بيننا كتلاميذ للفوز بجوائزها التى رغم قيمتها الرمزية كانت بالنسبة لنا ذات قيمة عظيمة.
ثم يطوف بمخيلتى وجه صارم ذو شخصية قيادية، صوته ينضح بالحزم والصرامة وهو الأستاذ على إسماعيل، ناظر مدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا، الذى تعلمنا على يديه قيمة احترام المعلم والالتزام والسلوكيات الحسنة، فصارت «التوفيقية» آنذاك هى الأولى فى تخريج أوائل الثانوية كل عام وكانت تضم بين جنباتها لفيف من المعلمين الأفاضل أذكر منهم «مستر على» مدرس اللغة الإنجليزية، خفيف الظل، الذى كان يلقب كل تلميذ فى الفصل بلقب مميز وإن كان مضحكاً وكنا آنذاك ننتظر الحصة لما يملؤها من دفء ومودة وكذلك مسيو أحمد نصر، بأناقته المعهودة ولكنته فى نطق الفرنسية، والكثير غيرهما، كل منهم غرس فينا كتلاميذ قيمة من أخلاق أو علم أو أدب. وحفر ملمحاً فى شخصيتنا بقى طوال العمر.
تلك كانت المدرسة، التى كانت تعد بمثابة بيتنا الثانى وهؤلاء كانوا معلمين بحق، كانوا مثل آباء لنا يقومون شخصياتنا ويربون فينا الفضيلة والثقافة وحب العلم والأدب، لذا أجد نفسى الآن أحزن لما وصلت إليه حال مدارسنا، التى خلت من أى قيمة، فلم تعد تؤدى رسالتها المنوطة بها، مع تغول السناتر وحيتان الدروس الخصوصية، فأصبحت بالنسبة للتلميذ مجرد تسجيل حضور وانصراف دون أن يستفيد شيئاً من حضوره المدرسة، وكذلك الأمر بالنسبة للمعلمين الذين أصبحوا مثل موظفى الحكومة بصورتهم النمطية، فما يهم هذا أو ذاك أن يسجل اسمه فى الحضور والانصراف ثم يزوغ لكى يذهب إلى دروسه الخصوصية!! ليغدو الأمر مجرد تجارة، فالتلميذ أصبح رقماً فى الحساب البنكى للمدرس، والمعلم أصبح مجرد رقم فى مجموع التلميذ بلا أى رسالة أو مضمون وتحول الأمر إلى معادلة تجارية مجردة.
ورغم الجهود المبذولة لوضع المعلم فى مكانته اللائقة، من منطلق اليقين بأن دوره- وكذلك المدرسة- يمثل نواة مهمة لتنشئة جيل تتقدم به الدولة- أى دولة- وأن شخصيته ذات تأثير محورى فى تكوين فكر ووجدان الناشئة، ورغم الاهتمام بالبنية التحتية للمدارس والمحاولات الدؤوب للقضاء على آفات التعليم من تغول السناتر وحيتان الدروس الخصوصية، فلا بد من وضع حلول ناجعة لعودة المدرسة لدورها الفعال وألا تكون كل تلك الإجراءات مجرد حبر على ورق مفرغة من مضمونها، فتذهب إلى المدرسة لتفاجأ بالفصول خاوية على عروشها وتجد الطلبة خارج فصولهم «على السلالم وفى الحوش» دون أى تطوير فعلى.
وبعد.. تلك كلمات بسيطة تمثل دعوة لعودة زمن المدرسة الجميل وهى عرفان بالجميل لكل أساتذتى الأفاضل، رحم الله منهم من فارق الحياة وجزى خيراً من ظل منهم حياً لقاء كل حرف علمنى إياه وكل قيمة عظيمة اكتسبتها فى الحياة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سامح توفيق خارج السرب عبدالفتاح
إقرأ أيضاً:
التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
قال باحثون إن التوابل الشائعة في المطبخ، بدءا من القرفة والكركم وصولا إلى الفلفل الأسود والزعتر، قد تُقدّم فوائد تتجاوز مجرد إضافة النكهة، إذ يُمكن أن تؤثر على مستوى السكر في الدم، والالتهابات، ووظائف الدماغ، وحتى ميكروبيوم الأمعاء.
استعرض الباحثون الدراسات المنشورة، بحسب موقع "نيوز ميديكال" ولا سيما تلك التي أُجريت في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، لدراسة تأثير التوابل والأعشاب على صحة الإنسان.
الأعشاب والتوابل
استُخدمت الأعشاب والتوابل في جميع أنحاء العالم لقرون، ومعظمها من دول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وآسيا، ويعود تاريخها إلى مصر وروما القديمتين. تشمل استخداماتها الأساسية تحسين نكهة الطعام، والعمل كمواد حافظة، وتوفير فوائد طبية.
تُستخرج الأعشاب من الأوراق والزهور الطازجة، بينما تُستخرج التوابل من الجذور أو البذور أو اللحاء أو السيقان أو الثمار أو البراعم، وعادة ما تكون مجففة. تُضفي الأعشاب نكهاتٍ رقيقة ومنعشة، وغالبا ما تُضاف في نهاية الطهي أو تُستخدم نيئة. أما التوابل، فتتميز بنكهاتٍ أقوى وأكثر تركيزا، وتُستخدم في جميع مراحل الطهي، بالإضافة إلى استخدامها في التتبيلات والصلصات.
وتوصي العديد من الإرشادات الغذائية الوطنية باستخدام التوابل لتقليل استهلاك الصوديوم. فعلى سبيل المثال، يقترح نظام داش الغذائي، التابع للمعاهد الوطنية للصحة، استبدال الملح بالتوابل والأعشاب للمساعدة في خفض ضغط الدم.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يستمتعون بالأطعمة الحارة يميلون إلى استهلاك كميات أقل من الملح، كما أن ضغط دمهم يكون أقل.
وقد تُساعد المركبات البوليفينولية الموجودة في الأعشاب والتوابل على تقليل الإجهاد التأكسدي، الذي ينتج عن زيادة الجذور الحرة، ويُساهم في الشيخوخة وأمراض مثل السرطان واضطرابات التمثيل الغذائي. فيما تعمل مضادات الأكسدة الموجودة في التوابل، مثل الأحماض الفينولية والفلافونويدات وغيرها من المستقلبات الثانوية، على معادلة الجذور الحرة، وقد تُساعد في الحماية من التلف التأكسدي المرتبط بالأمراض المزمنة.
وبين عامي 2010 و2024، أُجريت ثماني تجارب سريرية على البشر و12 تجربة مخبرية في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. شملت هذه الدراسات تدخلات باستخدام أعشاب وتوابل منفردة، بالإضافة إلى خلطات التوابل. تم تحديد جميع المقالات ذات الصلة من خلال مراجعة يدوية للمراجع والبحث في قاعدة بيانات PubMed حول التأثيرات الصحية لكل واحد من الأعشاب أو التوابل.
وفيما يلي الفوائد الصحية للتوابل الشائعة وآليات عملها:
القرفة
أظهرت تجربتان سريريتان في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن تناول مكملات القرفة يُقلل من مستويات الأنسولين والجلوكاجون بعد تناول الطعام لدى المشاركين ذوي الوزن الطبيعي والمشاركين الذين يعانون من زيادة الوزن/السمنة. كما ارتبط تناول القرفة بانخفاض متوسط مستويات الجلوكوز وتغيرات ملحوظة في تكوين الميكروبيوم المعوي مقارنة بالدواء الوهمي. مع ذلك، عانى بعض المشاركين أيضا من ارتفاعات عابرة في نسبة الجلوكوز في الدم في أوقات معينة، مما يُسلط الضوء على تعقيد التأثيرات الأيضية للقرفة. تُضيف هذه النتائج إلى أدلة أوسع نطاقا تُشير إلى أن القرفة قد تُساعد في الحفاظ على تنظيم سكر الدم بشكل صحي لدى كلٍ من الأفراد الأصحاء ومرضى السكري من النوع الثاني.
إضافة إلى تأثيراتها على سكر الدم، قد تُوفر القرفة حماية ضد التهابات الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي. كما أنها تُظهر خصائص مضادة للالتهابات، ومضادة للأكسدة، وواقية للكبد، وواقية للأعصاب. تشمل الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الفوائد تعديل التعبير الجيني الالتهابي، وتثبيط الإنزيمات الالتهابية، وتعديل مسارات الإشارات الخلوية المختلفة المتعلقة بالتمثيل الغذائي، وحساسية الأنسولين، والدفاع الخلوي. يُعتقد أن سينامالدهيد، وهو مُركب نشط رئيسي في القرفة، يلعب دورا محوريا في هذه التأثيرات الوقائية.
الفلفل الأحمر
يحفز الكابسيسين الموجود في الفلفل الحار عملية توليد الحرارة، ولكنه قد يُسبب آثارا جانبية خطيرة في الجهاز الهضمي عند تناوله بجرعات فعالة. يحتوي الفلفل الأحمر الحلو CH-19 غير الحار على كابسيويدات مثل ثنائي هيدروكابسيات (DCT)، والتي قد تُوفر فوائد أيضية مماثلة دون هذه الآثار الجانبية. يُنشط ثنائي هيدروكابسيات مستقبلات TRPV1 في الأمعاء، مما يُحفز الجهاز العصبي الودي، ويُحتمل أن يزيد من توليد الحرارة واستقلاب الدهون. قد تُساعد مستخلصات الفلفل الحلو CH-19 على زيادة توليد الحرارة، واستهلاك الأكسجين، ونشاط الجهاز العصبي الودي، ودعم فقدان الوزن.
وجدت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2010 أنه بينما فقد جميع المشاركين الذين يعانون من زيادة الوزن والسمنة والذين اتبعوا نظاما غذائيا منخفض السعرات الحرارية وزنا، إلا أن المجموعة التي تناولت 9 ملغ من ثنائي هيدروكابسيات فقط هي التي أظهرت زيادة ملحوظة في استهلاك الطاقة بعد الوجبات. قد يُعزز ثنائي هيدروكابسيات توليد الحرارة وأكسدة الدهون. ومع ذلك، وجدت دراسات أحدث أن ثنائي هيدروكابسيات لم يُؤثر بشكل كبير على استهلاك الطاقة أو أكسدة الدهون أثناء التمرين أو في حالة الراحة، على الرغم من ملاحظة تأثير حراري طفيف عند دمج المجموعات.
الكركم
أظهرت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2014 أن الجمع بين الأركتيجينين، وإيبيغالوكاتشين غالات(EGCG)، والكركمين يعزز التأثيرات المضادة للسرطان في خلايا سرطان البروستاتا والثدي مقارنة بأي مركب منفرد. وقد أدى هذا المزيج إلى زيادة موت الخلايا السرطانية وكبح أكبر للمسارات المحفزة للسرطان. وفي دراسة أخرى أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2018، أدى تناول مكملات الكركمين يوميا على مدى 18 شهرا، بصيغة متاحة بيولوجيا، إلى تحسين الذاكرة والانتباه والمزاج لدى كبار السن، مع إظهار تغيرات في التصوير قد تكون مرتبطة بتراكم الأميلويد والتاو.
وتشير أبحاث إضافية إلى أن الكركمين يخفف آلام الركبة لدى مرضى التهاب المفاصل، ويحسن مستويات الكوليسترول لدى مرضى متلازمة التمثيل الغذائي عن طريق زيادة مستويات البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL) وخفض مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL). وعلى المستوى الآلي، يعمل الكركمين كمضاد أكسدة قوي، حيث يُعادل الجذور الحرة ويعزز إنزيمات مضادات الأكسدة في الجسم. كما أنه يثبط مسارات الالتهاب الرئيسية ويعزز موت الخلايا السرطانية عن طريق تحفيز توقف دورة الخلية والاستماتة الخلوية.
خلطات التوابل
أظهرت الدراسات المخبرية والسريرية أن خلطات التوابل، بما في ذلك الفلفل الأسود، والفلفل الحار، والقرفة، والزنجبيل، والزعتر، وإكليل الجبل، والكركم، غنية بالبوليفينولات التي تعزز نمو بكتيريا الأمعاء المفيدة، مثل بكتيريا اللاكتوباسيلس والبيفيدوباكتيريا، بينما تثبط نمو بعض البكتيريا الممرضة المحتملة.
وتؤكد الأبحاث التي أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس هذه النتائج، حيث أظهرت أن إضافة التوابل الغنية بالبوليفينولات إلى اللحوم قبل الطهي يقلل بشكل ملحوظ من مؤشرات بيروكسيد الدهون، كما يتضح من انخفاض تركيزات مالونديالدهيد (MDA). كما تساعد بوليفينولات التوابل على تقليل مؤشرات الإجهاد التأكسدي وتحسين وظيفة البطانة الوعائية.
ومن الجدير بالذكر أن النشاط المضاد للأكسدة يختلف باختلاف التوابل وطرق التحضير؛ فعلى سبيل المثال، يُظهر الزعتر أعلى قدرة مضادة للأكسدة. ويحتفظ الكركمين الموجود في الكركم بفعاليته بعد الطهي، وعند مزجه بالفلفل الأسود، وتتعزز فعاليته في الحد من بيروكسدة الدهون أثناء الطهي، على الرغم من أن البيبيرين وحده لا يمتلك خصائص مضادة للأكسدة.