ليست «أرض الصومال» تفصيلاً جغرافيًا هامشيًا، ولا كيانًا معزولًا عن السياق العربي والإقليمي، بل تمثل إحدى أخطر نقاط التماس في معركة إعادة تشكيل جنوب الأمن القومي العربي، حيث تضيق المسافات بين الجغرافيا والسياسة، ويتحول الفراغ إلى لاعب أساسي يعيد رسم الخرائط بهدوء ودون ضجيج.

فما يجري هناك ليس صدفة تاريخية، ولا نزاعًا محليًا على هوية أو حدود، بل حلقة متقدمة في لعبة أمم تُدار على مهل، مستفيدة من غياب عربي مزمن، وتفكك داخلي، وتراجع في مفهوم الردع الاستراتيجي.

تشكلت الدولة الصومالية الحديثة فوق أرض ممزقة قبل أن تتوحد، إذ تقاسمتها القوى الاستعمارية بين إيطاليا في الجنوب، وبريطانيا في الشمال، وفرنسا في جيبوتي.

وعندما نال «الصومال البريطاني» استقلاله في يونيو 1960، ثم اندمج بعد أيام قليلة مع الصومال الإيطالي، بدأ المشهد وكأنه ولادة طبيعية لدولة قومية، غير أن هذا الاندماج حمل في داخله تناقضات بنيوية عميقة: «اختلافات إدارية، تباينات قبلية، وإرثًا استعماريًا متناقضًا»، ما جعل الدولة الوليدة هشة أمام الانقلابات والصراعات، وقابلة للاختراق منذ لحظة ميلادها.

مع وصول الرئيس محمد سياد بري إلى الحكم عام 1969، دخل الصومال قلب الحرب الباردة، واختار المعسكر الاشتراكي، فاتحًا الباب واسعًا أمام الاتحاد السوفيتي الذي حصل على قاعدة عسكرية قرب باب المندب، أحد أخطر الممرات البحرية في العالم.

لم يكن هذا الخيار أيديولوجيًا خالصًا بقدر ما كان رهانًا استراتيجيًا على التسليح والدعم السياسي، مقابل تموضع سوفيتي يراقب البحر الأحمر والخليج العربي، ويجعل الصومال جزءًا من توازنات دولية أكبر من قدرته على الاحتمال.

انفجرت التناقضات الإقليمية في حرب الأوجادين مع إثيوبيا حول إقليم ذي أغلبية صومالية، لكنها كشفت سريعًا هشاشة التحالفات، إذ انقلبت موسكو على حليفها الصومالي وفضّلت دعم أديس أبابا، ما دفع سياد بري إلى البحث عن سند بديل.

هنا برز الدور العربي، حيث لعبت مصر في عهد أنور السادات، والسعودية بقيادة الملك فيصل، دورًا محوريًا في إقناع القيادة الصومالية بطرد السوفييت واستبدالهم بالأمريكان، في سياق التحول الاستراتيجي بعد تقارب القاهرة وواشنطن.

وقد بلغ الغضب الإثيوبي ذروته حين خرج رئيس وزرائها في مؤتمر صحفي ممسكًا بزجاجة، قائلًا: «هذا دم الإثيوبيين، قتَلهم السادات والملك فيصل»، في اعتراف صريح بتأثير التحالف العربي في موازين الصراع.

لكن الدولة الصومالية لم تصمد طويلًا أمام تراكم الضغوط، إنهاك اقتصادي وعسكري، صراعات قبلية، تراجع الدعم الخارجي، وسقوط المعسكر الاشتراكي.

وفي عام 1991 سقط نظام سياد بري، ودخلت البلاد في حرب أهلية طويلة مزّقت مؤسسات الدولة، وحوّلت الجغرافيا إلى فراغ أمني وسياسي مفتوح.

في هذا السياق أعلنت «أرض الصومال» انفصالها، مستفيدة من انهيار المركز، وغياب أي حضور عربي فاعل، وتركيبة قبلية أكثر تماسكًا نسبيًا في الشمال، غير أن الأخطر أن هذا الفراغ تحوّل سريعًا إلى بيئة رخوة استخباراتيًا وجغرافيًا.

هنا تحديدًا دخل العامل الإسرائيلي إلى المشهد بوضوح أكبر، فالوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي ليس جديدًا، لكنه في حالة «أرض الصومال» يكتسب دلالة أخطر: «كيان غير معترف به دوليًا يتموضع قرب باب المندب، مقابل اليمن والسودان والبحر الأحمر»، أي في خاصرة الأمن القومي العربي.

إعلان الاستقلال، واعتراف دولة واحدة فقط به، ثم التهاني الإسرائيلية العلنية التي خرجت في يوم سبت تتوقف فيه الحياة داخل إسرائيل، ليست تفاصيل بروتوكولية، بل رسالة سياسية وأمنية مباشرة مفادها أن العمل يتم حيث يغيب الآخرون، وأن الفراغ العربي يُملأ بسرعة ودقة.

هذا المشهد لا يمثل فقط صفعة للأجهزة الأمنية العربية، بل يكشف حقيقة أعمق: «المنطقة تُدار اليوم بمنطق الفراغ لا بمنطق الردع».

حين تغيب الدولة يحضر جهاز الاستخبارات، وحين يتراجع العرب تتقدم إسرائيل بخطوات محسوبة، مستفيدة من هشاشة الجغرافيا وتشظي السياسة.

أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الملف ببراجماتية باردة، فهي لا تعترف رسميًا بـ«أرض الصومال»، لكنها لا تعارض وجود كيان وظيفي يخدم أهدافًا واضحة:

مراقبة باب المندب.

تطويق جنوب الأمن القومي العربي.

الحد من النفوذ الصيني والروسي.

هذا بالإضافة إلى ضبط القرن الأفريقي أمنيًا، في نموذج يذكّر بحالات كيان غير معترف به أمميًا لكنه حاضر وفاعل في المعادلات الدولية.

في المحصلة، ما يحدث في «أرض الصومال» ليس قضية صومالية فحسب، بل معركة وعي واستراتيجية تمس جوهر الأمن القومي العربي من بوابته الجنوبية، فإما أن يدرك العرب أن المسافات لم تعد تحمي الغائبين، وأن الجغرافيا حين تُترك بلا سياسة تتحول إلى منصة خصوم، أو يستمر الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، وفي عالم الجيوسياسة، لا يُعاقَب المتآمر وحده، بل يُعاقَب الغائب أولًا.

(محمد سعد عبد اللطيف - كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًاليوم.. مجلس الأمن يناقش تداعيات قرار إسرائيل بشأن ما يعرف بإقليم أرض الصومال

أرض الصومال.. سيناريو آخر من المخطط ضد مصر

رئيس وزراء الصومال يشيد بدور مصر الداعم لبلاده وسيادتها ووحدة أراضيها

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: مصر السعودية أمريكا الصومال السادات الأمن القومي المصري الأمن القومي العربي الاتحاد السوفييتي الأمن القومی العربی أرض الصومال

إقرأ أيضاً:

بنك عُمان العربي يُدرج بنجاح سندات بـ400 مليون دولار في بورصة لندن

 

 

 

 

 

الرؤية- سارة العبرية

تصوير/ راشد الكندي

أعلن بنك عُمان العربي، أمس الثلاثاء، عن نجاحه لإدراج سندات رأس المال من الفئة الأولى الإضافية (AT1) بقيمة 400 مليون دولار أمريكي في بورصة لندن، وتأتي هذه الخطوة كمحطة فارقة ومحورية في مسيرة البنك لإدارة رأس المال، وتأكيدًا على مكانته المرموقة والراسخة في الأسواق المالية الإقليمية والدولية.

جاء ذلك في لقاء إعلامي بحضور سليمان بن حمد الحارثي الرئيس التنفيذي لبنك عُمان العربي، وعدد من ممثلي البنك، ومجموعة من الإعلاميين والصحفيين من مختلف وسائل الإعلام المحلية والجهات ذات العلاقة؛ حيث تم استعراض تفاصيل هذه الصفقة وأبعادها الاستراتيجية، إلى جانب الثقة الكبيرة التي أولاها المستثمرون للبنك طوال فترة عملية الإصدار.

الحارثي: حجم الطلب تجاوز 1.1 مليار دولار.. و40% منها استثمار أجنبي

وقال سليمان بن حمد الحارثي الرئيس التنفيذي لبنك عُمان العربي، إن البنك كان لديه إصدار سندات دائمة من الشريحة الأولى (AT1) بقيمة 250 مليون دولار أمريكي، مضيفا أنه تم سدادها وإعادة طرحها للمستثمرين العُمانيين والدوليين.

وأضاف الحارثي -في تصريحات خاصة لـ"الرؤية"- أن البنك طرح سندات بقيمة 400 مليون دولار أمريكي، فيما تجاوز حجم الطلبات مليارًا و100 مليون دولار أمريكي، لافتًا إلى أن نحو 40% من هذه الطلبات جاءت من مستثمرين أجانب، الأمر الذي يعكس ثقتهم في الاستثمار بسلطنة عُمان.

الطرح حقق نجاحًا كبيرًا رغم الظروف الاستثنائية في المنطقة

وذكر أن ما يميز هذا الطرح هو أنه جاء في ظل ظروف استثنائية تمر بها المنطقة، مشيرًا إلى أن بنوكًا أخرى سبقت البنك في هذا النوع من الإصدارات وحققت نجاحًا كبيرًا. وأضاف أن البنك تمكن من تسعير الإصدار بعائد يبلغ 6.75%، وهو معدل يعد جيدًا جدًا في ظل الأوضاع الراهنة.

تسعير الإصدار بعائد 6.75% معدل "جيد جدًا" في ظل الأوضاع الراهنة

الأداء المالي القوي للاقتصاد العُماني وراء نجاح الطرح الدولي

وأشار إلى أن نجاح الطرح يعود في المقام الأول إلى الأداء المالي القوي لسلطنة عُمان، مُبينًا أن المستثمرين العُمانيين يتمتعون بثقة كبيرة في الاقتصاد الوطني، بينما كان لدى المستثمرين الدوليين العديد من الاستفسارات حول الأداء المالي للسلطنة وموقعها ضمن التطورات الإقليمية الحالية. وأكد الحارثي أن هذا الإصدار سيُسهم في تعزيز القاعدة الرأسمالية للبنك، بما يمكنه من الدخول في مشاريع أكبر، وتمويل مبالغ أكبر، ودعم خطط النمو خلال المرحلة المُقبلة.

عوائد الطرح تدعم جهود بنك عُمان العربي للدخول في مشاريع كبرى

وذكر أن بنك عُمان العربي عمل على هيكلة هذه السندات باعتبارها أدوات مالية دائمة غير قابلة للاستدعاء لمدة 5.5 سنوات، وبمعدل عائد ثابت قابل لإعادة الحساب بنسبة 6.75%. يأتي نجاح هذا الإصدار في ظل ظروف وتحديات استثنائية شهدتها أسواق رأس المال العالمية وتصاعد التوترات الجيوسياسية. ورغم هذه التقلبات السائدة في الأسواق، حظيت الصفقة بإقبال واسع ونوعي من قِبل المستثمرين؛ حيث تجاوز سجل أوامر الاكتتاب حاجز 1.1 مليار دولار أمريكي، وبمعدل تغطية تخطى القيمة المستهدفة بحوالي 2.75 ضعفًا.

وخلال المؤتمر الصحفي، سلط بنك عُمان العربي الضوء على الدور الاستراتيجي لهذه الصفقة في دعم خطط تحسين هيكل رأس المال على المدى الطويل، فضلًا عن تعزيز المركز المالي ومنح مرونة أعلى لدعم أهداف النمو المستقبلي.

وأشار البنك إلى أن الإصدار قد حقق نجاحًا في عملية التسعير عند معدل عائد قدره 6.75%، وهو ما يقل بنحو 50 نقطة أساس عن نطاق التسعير الاسترشادي الأولي. ويعكس هذا التميز الثقة الراسخة للمستثمرين الإقليميين والدوليين في المقومات الائتمانية الأساسية لبنك عُمان العربي، ومرونته المالية وتوجهاته الإستراتيجية، إلى جانب القوة الكلية التي يتمتع بها الاقتصاد العُماني. كما يسهم الإدراج اللاحق في بورصة لندن في تعزيز حضور البنك وتوسيع نطاق تواجده في أسواق رأس المال العالمية، ويمكّنه من الوصول إلى مصادر تمويل متنوعة مع الالتزام بأفضل الممارسات الحصيفة في إدارة رأس المال.

واستقطبت الصفقة مشاركة واسعة من قاعدة مستثمرين متنوعة في الأسواق الإقليمية والدولية؛ مما يؤكد الثقة المستمرة في الآفاق المستقبلية الواعدة للبنك، وقدرته العالية على التعامل مع متغيرات السوق بكفاءة واقتدار. ومن خلال مثل هذه المبادرات الاستراتيجية، يواصل بنك عُمان العربي ترسيخ مكانته كمؤسسة مالية رائدة في سلطنة عُمان، ملتزمة بدعم مسيرة النمو المستدام، وصياغة قيمة طويلة الأجل للمساهمين والشركاء، والمساهمة بفاعلية في تطوير القطاع المالي الوطني.

مقالات مشابهة

  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • طرابلس.. اجتماع سيادي رفيعُ لبحثِ «ملف الهجرة ومخاطرِ التوطين»
  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • وزير الشباب: الأردن وضع الشباب في قلب مسارات الإصلاح
  • السفير علاء يوسف: "الاستعلامات" تكثف جهودها بالمحافظات حول ترشيد الطاقة وبناء الإنسان
  • بنك عُمان العربي يُدرج بنجاح سندات بـ400 مليون دولار في بورصة لندن
  • ممر تجاري جديد بين تركيا والخليج العربي
  • الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج
  • بعيو: ليبيا أمام نموذجين وعلى المواطنين اختيار مسار الأمن ووحدة الدولة
  • قاد تطوير الصاروخ «آرو 3».. نتنياهو يعلن اسم رئيس مجلس الأمن القومي القادم