نظم المجلس القومي للمرأة وبالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ملتقى القاضيات تحت عنوان "تجارب مصرية رائدة نحو التمكين والمساواة والقيادة في ضوء منهاج عمل بكين"، بمشاركه قاضيات وقضاه المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف والمحكمة الاقتصادية.

القومي للمرأة يشارك في افتتاح وحدتي المرأة الآمنة ومناهضة العنف ضد المرأة بجامعة بورسعيد القومي للمرأة يواصل متابعة مشاركة السيدات بمرحلة الإعادة للدوائر الملغاة بانتخابات النواب

وافتتحت المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس القومي للمرأة، والمستشارة سوزان عبد الرحمن مساعد وزير العدل قطاع لحقوق الانسان المرأة والطفل بوزاره العدل ومروة علم الدين القائم بأعمال هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر فعاليات الملتقي الذي استمرّ علي مدار ٣ ايام.

وفي كلمتها خلال الافتتاح أعربت المستشارة أمل عمار عن سعادتها بالمشاركة في هذا المحفل القضائي الرفيع ، الذي يجسد مكانة   القضاء المصري، ودوره الأصيل في ترسيخ قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون، موضحة أننا نشهد مرحلة فارقة في تاريخ القضاء المصري، مرحلة انتقلت فيها المرأة القاضية من حدود المشاركة الجزئية إلى الحضور الكامل والعمل في جميع فروع القضاء، وفي مختلف درجاته، بدءًا من أول السلم القضائي، وصولًا إلى توليها عددًا متزايدًا من المناصب القيادية، على أساس الكفاءة والجدارة .

وقالت عمار، إن المرأة المصرية أصبحت اليوم قاضية بالمحاكم الابتدائية والاستئنافية، وتؤدي دورها المهني في دوائر التقاضي المختلفة جنبًا إلى جنب مع زملائها من القضاة، في صورة تعكس عدالة التمثيل ونضج التجربة القضائية، كما شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملموسًا في إسناد مواقع قيادية للمرأة داخل المنظومة القضائية، بما يؤكد أن التمكين بات تمكينًا حقيقيًا في مواقع التأثير وصنع القرار.

وأشارت المستشارة أمل عمار إلى أن هذا التحول الجوهري جاء تتويجًا لمسار وطني واعٍ، يستند إلى الدستور المصري، وإلى رؤية تؤمن بأن العدالة لا تُجزّأ، وأن القضاء القوي لا يُبنى إلا بمشاركة كاملة من الرجال والنساء دون تمييز، مؤكدة أن هذا المسار الوطني وجد دعمًا راسخًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، الذي أولى ملف تمكين المرأة في القضاء اهتمامًا خاصًا، وأكد من خلال السياسات والقرارات أن المساواة في تولي الوظائف القضائية والمناصب القيادية حق دستوري، ومعيارها الوحيد هو الكفاءة.

وأضافت أن هذا الدعم قد أسهم في إحداث نقلة نوعية داخل منظومة العدالة، وترسيخ الثقة في قدرات المرأة القاضية، وفتح آفاق جديدة أمام مشاركتها الكاملة، موضحة أنه بالتوازي مع هذا التمكين للمرأة القاضية، اضطلعت وزارة العدل بقيادة معالي وزير العدل عدنان فنجري بدور محوري في تهيئة بيئة قضائية داعمة، والعمل على تيسير وصول المرأة إلى العدالة، فقد تضمنت البيانات الرسمية للوزارة تنفيذ إجراءات نوعية، من بينها إنشاء مناطق صديقة للمرأة داخل عدد من المحاكم، لا سيما في القضايا المتعلقة بالعنف، بما يوفر بيئة آمنة تحفظ كرامة المرأة، وتدعم قدرتها على الإدلاء بأقوالها .

كما عملت الوزارة على تطوير مكاتب تسوية المنازعات الأسرية، وتوسيع نطاق المساعدة القانونية، بالتعاون مع شركاء وطنيين ودوليين، بهدف تمكين المرأة من معرفة حقوقها، وتيسير سبل حصولها عليها، وتقليل الأعباء الإجرائية التي قد تعوق وصولها للعدالة.

وفي إطار تحقيق العدالة الناجزة، تبنّت الوزارة مشروعات التحول الرقمي التي أسهمت في تبسيط الإجراءات وإتاحة عدد من الخدمات الإلكترونية، بما يخدم جميع المواطنين، ويعود بالنفع بشكل خاص على النساء.

وأكدت المستشارة أمل عمار، أن دور المجلس القومي للمرأة في هذا السياق يأتي باعتباره الآلية الوطنية المعنية بتمكين المرأة وحماية حقوقها، حيث يعمل المجلس، بالتنسيق المستمر مع وزارة العدل والجهات المعنية، على دعم السياسات العامة، ورصد التقدم المحرز، وبناء الوعي القانوني، وتعزيز مبدأ المساواة وعدم التمييز، بما يضمن استدامة ما تحقق من إنجازات وترسيخها على أرض الواقع.

وأشارت المستشارة أمل عمار إلى أن هذا اللقاء يكتسب أهمية خاصة، إذ يتزامن مع احتفال المجلس القومي للمرأة بمرور خمسةٍ وعشرين عامًا على نشأته، وهي مسيرة وطنية حافلة بالعمل الدؤوب والشراكة مع مؤسسات الدولة، من أجل تمكين المرأة المصرية وصون حقوقها.

كما يأتي في إطار الاحتفال بمرور ثلاثين عامًا على إعلان ومنهاج عمل بيكين، الذي شكّل علامة فارقة في مسار حقوق المرأة عالميًا، وتُعد التجربة المصرية اليوم إحدى أبرز تجلياته العملية على المستوى الوطني.

كما أشارت المستشارة أمل عمار إلى أن التجربة المصرية في تمكين المرأة في القضاء تمثل اليوم تجسيدًا عمليًا لمبادئ منهاج عمل بيكين، ليس عبر الشعارات، بل من خلال سياسات وتشريعات وإجراءات ملموسة، أعادت صياغة الواقع، وأثبتت أن العدالة تزداد قوة حين تكون شاملة، ومنصفة، ومعبرة عن المجتمع بكل أطيافه.

وفي ختام كلمتها أكدت المستشارة أمل عمار على  أن تمكين المرأة القاضية هو ضمانة لتعزيز دولة القانون، وترسيخ الثقة في منظومة العدالة، وبناء مجتمع أكثر توازنًا واستقرارًا، كما قدمت التحية للحاضرين جميعًا على دورهم الوطني الجليل، متحملين رسالة العدالة بكل ما تحمله من شرف ومسؤولية، وأن القضاء المصري الشامخ سيظل دائمًا عنوانًا للإنصاف، وحصنًا للحقوق، وركيزة أساسية للمساواة وعدم التمييز، كما توجهت بالشكر إلى شركاء النجاح وشركاء التنمية وزارة العدل( قطاع حقوق الإنسان والمرأة والطفل - قطاع التفتيش القضائي - المحاكم الاقتصادية- محاكم الاستئناف ) ، كما توجهت بالشكر إلى هيئة الأمم المتحدة للمرأة و قضاة وقاضيات مصر الأجلاء.

فيما نقلت المستشارة سوزان عبد الرحمن تحيات المستشار عدنان الفنجري، وزير العدل، مؤكدة أن هذا المؤتمر يناقش عددًا من التجارب المصرية المتميزة في منظومة القضاء المصري، مشيرة إلى أن الدستور المصري رسّخ مبدأ المساواة أمام القانون، حيث شكّل دستور عام 1956 محطة تاريخية فارقة في مسيرة المرأة المصرية، بإقراره حقها في الترشح، بينما جاء دستور 1971 ليعزّز مشاركة المرأة في الحياة العامة، مع التأكيد على تحقيق التوازن بين دورها الأسري ومسؤولياتها المهنية، وأكدت على أن الدساتير ليست مجرد نصوص جامدة، بل تمثل إطارًا حاكمًا وموجّهًا للسياسات العامة، لافتة إلى أن الدستور كفل للمرأة تولي المناصب العامة، بما في ذلك المناصب القضائية، وهو ما برهنت المرأة المصرية من خلاله على كفاءتها المهنية وقدرتها على تحمّل مختلف المسؤوليات. كما أشارت إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، ودورها في دعم وتعزيز مكانة المرأة على المستويات كافة.

وأضافت المستشارة سوزان عبد الرحمن أنه تم تعيين أول دفعة من القاضيات في مصر عام 2007، في خطوة محورية نحو ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص داخل السلطة القضائية، حيث فُتحت آفاق العمل أمام المرأة في كل من النيابة العامة ومجلس الدولة، كما استعرضت منهاج عمل بيجين وما أسهم به في دعم قضايا المرأة، مشيرة الى جهود وزارة العدل في تمكين المرأة وحمايتها، ومن بينها إنشاء غرف آمنة لتقديم الدعم والرعاية اللازمة للمرأة المعنفة ومكاتب دعم للمرأه بخلاف مكاتب المساعده القانونيه ومكاتب تسويه المنازعات الاسريه وعيادات الطب الشرعي للسيدات ضحايا العنف

فيما أكدت مروة علم الدين أهمية هذا الملتقى، باعتباره تجسيدًا لمسيرة ممتدة لدور المرأة في دعم منظومة العدالة وترسيخ سيادة القانون، وأشارت إلى أن منهاج عمل بكين يُعد محطة مفصلية في مسار دعم وتمكين المرأة على المستوى الدولي، لافتة إلى أن الدولة المصرية حرصت على ترجمة هذا المنهاج إلى سياسات وجهود عملية ملموسة، عكست المكانة المتنامية للمرأة المصرية وإسهاماتها الفاعلة في مختلف المجالات، مضيفة أن وجود المرأة على منصة القضاء يمثل خطوة كبرى ونقلة نوعية في مسار تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، مستعرضة التجربة المصرية الرائدة في دعم القاضيات وتمكينهن، بما يعزز من دورهن في تحقيق العدالة وترسيخ الثقة في المنظومة القضائية.

وتضمن الملتقى جلستى عمل حول افضل الممارسات الدوليه في عمل المرأة بالقضاء عرضتها الاستاذه  رنا كريم مديرة برامج تمكين المرأة بهيئة الأمم المتحدة للمرأة

واستعرضت المهندسة جيهان توفيق  رئيسة الاداره المركزيه لشئون مكتب رئاسة المجلس دور المجلس القومي للمرأة في ظل الاتفاقيات الدولية ، وعرضت اختصاصاته ، ودور لجانه وفروعه بالمحافظات ، مشيرة إلى الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية ٢٠٣٠  التي اعتمدها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي عام ٢٠١٧ والتي تتماشى مع رؤية مصر ٢٠٣٠ وأهداف التنمية المستدامة ، كما عرضت عددا من النماذج المشرفة لوصول المرأة إلى المناصب القيادية، كما استعرضت جهود المجلس وانجازاته في جميع محاور الاستراتيجية ، مشيرة الى فوز مصر بعضوية لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة للفترة. ٢٠٢٣-٢٠٢٦، وهوما يعكس ثقة المجتمع الدولي في الدور المصري بمجال حقوق المرأة.

فيما استعرضت الأستاذة رنا كريم أفضل الممارسات الدولية في ملف المرأة والقضاء  في ضوء منهاج عمل بيجين ، كما أبرزت العلاقة بين المساواة بين الجنسين واستقلال القضاء وجودة العدالة، مستعرضة المعايير والممارسات الدولية المتعلقة بالقضاء النسائي، وأشارت إلى أثر مشاركة المرأة في القضاء على جودة العدالة واستقلالها، كما استعرضت العديد من الأمثلة الدولية المستلهمة من منهاج بكين من العديد من الدول منها المملكة المتحدة و السويد وغيرها من الدول.

فيما أكدت القاضية رشا محفوظ خلال جلسة "مجالات التركيز "  ،  على أهمية تبادل الخبرات بين الأجيال في مجال القضاء،  وناقشت القيادة القضائية وبرامج التوجيه وسياسات وصول المرأة إلى العدالة، فضلا عن مناقشة الاستراتيجيات العملية ؛ والتي تشمل التدريب المراعي لتمكين المرأة والمساواة لموظفي الدعم القضائي، واستخدام التكنولوجيا لتحسين وصول المتقاضيات للمعلومات.

وفي بدايه فعاليات  الملتقي استعرض المستشار وديع حنا  وكيل المكتب الفني لوزير العدل رؤية الوزارة في تمكين المرأة  ودعمها  بما وفقاً لاستراتيجية تمكين المرأة و  يحقق رؤية مصر ٢٠٣٠، حيث أشار  إلى قانون العمل الجديد رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ ، وما تضمنه من مد اجازة الوضع إلى ٤ أشهر ، كما أشار إلى تعيين العديد من النساء في النيابة العامة ، ما يعكس رؤية الدولة المصرية لتمكين المرأة القاضية المصرية .

وأشار إلى جهود وزارة العدل، في دعم المرأه من خلال منظومة الغرف المؤمنة المخصصة لسماع شهادة المجنى عليهن من النساء المعنفات، بالتعاون مع UNODC، الى جانب إطلاق منظومة تقنية قائمة على استخدام الذكاء الاصطناعي، تعمل على طباعة محررات وزارة العدل بطريقة برايل، على نحو يعمل على دمج المرأة من ذوات الإعاقة.

كما شهد الملتقى أيضًا مناقشة عدد من التوصيات منها ضرورة  نشر الثقافة القانونية وتغليظ العقوبة في قضايا العنف ضد المرأة و تغيير نظرة المجتمع للقاضيات  إلى جانب توفير الدورات التدريبية للقاضيات ، و ادخال المنظومة الرقمية في مختلف فروع القانون. وخلال مده الملتقي  تم عرض خبرات وتجارب القاضيات في مجال القضاء.

جدير بالذكر أنه مع بداية اليوم الثالث للملتقي طلبت المستشارة امل عمار رئيسة المجلس القومي للمرأة  من الحضور الوقوف حدادا للروح المستشاره سهام الأنصاري شهيده الواجب الوطنى التي نعتها ايضا المستشاره سوزان فهمي مساعد وزير العدل، والتي وافتها المنية إثر حادث أليم، عقب انتهائها من أداء واجبها الوطني في الإشراف على جولة الإعادة بالدوائر الـ19 الملغاة بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب  ٢٠٢٥بالأمس.

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: القومي للمرأة تجارب مصرية محاكم الاستئناف الأمم المتحدة للمرأة المحاكم الابتدائية المحكمة الاقتصادية قاضيات الأمم المتحدة للمرأة المجلس القومی للمرأة المستشارة أمل عمار التجربة المصریة فی تمکین المرأة المرأة المصریة تمکین المرأة القضاء المصری وزارة العدل وزیر العدل المرأة فی ضد المرأة منهاج عمل من خلال فی دعم أن هذا وصول ا إلى أن

إقرأ أيضاً:

التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح

23 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

محمد الكعبي

حين تُذكر التجارب التنموية الناجحة في آسيا، تتصدر ماليزيا قائمة الدول التي استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تتحول من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد متنوع يقوم على الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وقيادة امتلكت الإرادة السياسية، واستثمرت في الإنسان قبل الاستثمار في الحجر، فكان التعليم، وبناء المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، ومحاربة الفساد، ركائز أساسية في مشروع النهضة الماليزية.

وفي المقابل، يقف العراق اليوم أمام تحديات كبيرة، رغم ما يمتلكه من ثروات نفطية وغازية، وأراضٍ زراعية واسعة، وموقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية واعدة، إلا أن هذه الإمكانات لم تتحول بعد إلى تنمية مستدامة بسبب تراكم المشكلات الإدارية والاقتصادية، وضعف التخطيط،
وتعدد القيادات والاحزاب بشكلها السلبي واعتماد الاقتصاد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، فضلاً عن الفساد الإداري والمالي، وعدم استقرار السياسات العامة والمحسوبية والمحاصصة،  نعم اليوم نلمس خطوات لتغيير الواقع  وهي ايجابية وتبشر بالأفضل.

إن المقارنة بين العراق وماليزيا لا تهدف إلى إغفال اختلاف الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية،

فلكل دولة خصوصيتها، لكنها تؤكد حقيقة مهمة، وهي أن الموارد وحدها لا تصنع الدول، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والمؤسسات الكفوءة، وسيادة القانون، والاستثمار في الإنسان، فالتاريخ يثبت أن دولا فقيرة بالموارد حققت قفزات تنموية كبيرة، بينما بقيت دول غنية
بالثروات تعاني من التعثر بسبب سوء الإدارة وضعف الحوكمة.

لقد نجحت ماليزيا في تنويع اقتصادها، وربط التعليم بحاجات سوق العمل، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وبناء بيئة اقتصادية مستقرة، والعراق قادر على الاستفادة من هذه الدروس من خلال تبني إصلاحات حقيقية تشمل تطوير التعليم، ودعم القطاع الخاص، وتنشيط الصناعة والزراعة والسياحة، وتحديث البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وترسيخ مبدأ الكفاءة في إدارة الدولة وتسييد القانون.

ولا يعني ذلك استنساخ التجربة الماليزية بحذافيرها، فلكل بلد واقعه الخاص، لكن المبادئ العامة للنجاح واحدة: وضوح الرؤية، واستقرار السياسات، والشفافية، والمساءلة، وحسن إدارة الموارد، والاعتماد على التخطيط العلمي والجدية في العمل بعيدا عن الارتجال والحلول المؤقتة.

إن العراق لا يعاني من أزمة موارد، بل من تحدي تحويل هذه الموارد إلى فرص تنموية حقيقية، وما يحتاجه اليوم هو مشروع وطني طويل الأمد تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، ويؤسس لاقتصاد منتج قادر على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.

إن التجربة الماليزية، إلى جانب تجارب تنموية أخرى، تؤكد أن النهضة ليست حلما مستحيلاً، بل مشروعا يبدأ بفكرة، ويتحول إلى رؤية، ثم إلى سياسات، فبرامج عملية، حتى ينعكس أثرها على حياة المواطن، فنجاح الدول لا يُقاس بكثرة الخطط والوعود، وإنما بقدرتها على تنفيذها، وبما
تحققه من رفاه واستقرار وعدالة لمواطنيها، وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يستوعبها العراق وهو يرسم طريقه نحو المستقبل خصوصا اليوم ونحن نعيش التحولات الإقليمية والعالمية وتسارع الأحداث وتداخل المصالح.

تشير المؤشرات الاقتصادية إلى حجم الفجوة في مسار التنمية بين البلدين، إلا أن الفارق الجوهري لا يكمن في حجم الاقتصاد فقط، بل في
بنيته؛ إذ يعتمد العراق بصورة كبيرة على النفط الذي يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية ومعظم الصادرات، في حين نجحت ماليزيا في بناء اقتصاد متنوع تقوده الصناعات التحويلية والإلكترونيات والخدمات والسياحة، وتعد الآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونية من أبرز صادراتها.

ان الناتج المحلي الإجمالي (2024):  لماليزيا نحو 445 مليار دولار، بينما بلغ في العراق نحو 260–270 مليار دولار (بحسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، إلا أن الاقتصاد الماليزي يتميز بتنوع مصادر دخله، بخلاف الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط.

تنوع الصادرات: تشكل الإلكترونيات والرقائق الإلكترونية والآلات والمعدات الطبية والمنتجات الكيميائية وزيت النخيل جانبا كبيرا من صادرات ماليزيا، في حين تمثل الصادرات النفطية أكثر من 95% من صادرات العراق، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية.

الاستثمار الأجنبي المباشر: استطاعت ماليزيا استقطاب مليارات الدولارات سنويا من الاستثمارات الأجنبية بفضل الاستقرار التشريعي
وسهولة ممارسة الأعمال، بينما ما يزال العراق يواجه تحديات مرتبطة بالبيئة الاستثمارية والإجراءات الإدارية والبنية التحتية والأوضاع الأمنية وتحكم بعض الشخصيات والاحزاب مما يعيق التنمية والتطور.

التحول الرقمي: قطعت ماليزيا شوطا متقدما في الحكومة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي، وأصبح القطاع الرقمي أحد أهم محركات النمو،
بينما لا يزال العراق في مرحلة تطوير البنية الرقمية وتوسيع الخدمات الحكومية الإلكترونية.

البطالة ورأس المال البشري: تبلغ البطالة في ماليزيا مستويات منخفضة نسبيا (نحو 3–4%)، بينما تواجه العراق معدلات أعلى، ولا سيما بين الشباب، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب المهني وريادة
الأعمال ضرورة استراتيجية، وهو ما يبرز أهمية بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الشفافية، وترسيخ سيادة القانون بوصفها متطلبات أساسية

لجذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة.

أما في مجال التعليم، فقد جعلت ماليزيا الاستثمار في رأس المال البشري محورا رئيسا لخططها التنموية، وربطت مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل والصناعة والتكنولوجيا، وهو ما أسهم في رفع تنافسية الاقتصاد وزيادة الإنتاجية، وفي المقابل، يمتلك العراق قاعدة بشرية شابة وطاقات علمية كبيرة، إلا أن تحويلها إلى قوة اقتصادية يتطلب إصلاحا شاملا لمنظومة التعليم، وتطوير التعليم التقني والمهني، ودعم البحث العلمي والابتكار، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد
الحديث، ولعل أهم ما تعلمنا إياه التجربة الماليزية، إلى جانب التجارب التنموية الأخرى، أن النهضة تبدأ عندما تتحول الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالتنمية الحقيقية ليست في كثرة الخطط، وإنما في جودة التنفيذ واستدامة الإنجاز.

إن نجاح التجربة الماليزية لم يكن معجزة اقتصادية، بل ثمرة إرادة سياسية، واستقرار في السياسات، وإدارة كفوءة، واستثمار متواصل في الإنسان، والعراق، بما يمتلكه من ثروات طبيعية وموقع جغرافي متميز ورأس  مال بشري واعد، لا تنقصه الإمكانات، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني جامع يقوم على التخطيط العلمي، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، وتحويل الثروة النفطية من مورد للاستهلاك إلى رافعة للإنتاج والاستثمار، ولا يمكن إغفال أن نجاح التجربة الماليزية لم يكن نتيجة السياسات الاقتصادية وحدها، بل جاء ثمرة توافق سياسي نسبي، واستقرار مؤسسات الدولة، واستمرار الخطط التنموية عبر الحكومات المتعاقبة، وهو ما وفر بيئة مناسبة للاستثمار والإنتاج، أما العراق، فإن من أكبر تحدياته يتمثل في عدم استقرار السياسات العامة وتغير الأولويات، الأمر الذي ينعكس سلبا على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، لذلك فإن نجاح أي مشروع تنموي عراقي يتطلب
بناء توافق وطني حول الأولويات الاقتصادية، وإبعاد الملفات التنموية عن التجاذبات
السياسية، لضمان استمرارية الإصلاحات وتحقيق أهدافها.
العراق اليوم يقف أمام فرصة تاريخية؛ فموارده
المالية، وموقعه الجغرافي، وطاقاته البشرية، تؤهله ليكون من الاقتصادات الصاعدة في المنطقة إذا ما توافرت الإدارة الرشيدة، وسيادة القانون، والاستقرار التشريعي، والاستثمار الحقيقي في الإنسان وتحديد الأولويات والابتعاد عن الصراعات والتنافس الصفري ويحتاج العراق إلى قيادة موحدة وليس متعددة لكي يملك قراره، لا ان يعيش البلد تحت سلطة الاحزاب والبيوتات.

إن المستقبل لا تصنعه الأمنيات، وإنما تصنعه القرارات الجريئة، والتخطيط العلمي، والتنفيذ المتقن، وحين ينجح العراق في تحويل ثروته النفطية إلى قاعدة للإنتاج والصناعة والمعرفة، سيكون قادرا على تقديم تجربته التنموية الخاصة، المستلهمة من نجاح الآخرين والمنطلقة من خصوصيته الوطنية، ليصبح نموذجا يُحتذى كما أصبحت ماليزيا اليوم، عندئذٍ لن تكون التجربة الماليزية مجرد قصة نجاح تُروى، بل نموذجا يُستلهم في بناء تجربة عراقية أصيلة، تنطلق من خصوصية العراق، وتستفيد من خبرات الأمم، لتصنع مستقبلًا أكثر استقرارا وازدهارا للأجيال القادمة.

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author زين

See author's posts

مقالات مشابهة

  • في احتفالية بالفن الهادف.. طاقم مسرحية دهب يكرم الدكتورة سحر السنباطي لدور القومي للطفولة في بناء الوعي
  • تعزيز أمن وخصوصية البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي بالمجلس القومي للمرأة
  • وزير الخارجية يشهد توقيع مذكرة تفاهم بين اتحاد الغرف التجارية المصرية والفلبينية
  • القومي لحقوق الإنسان يدين الاعتداء على نزيل من ذوي الإعاقة الذهنية بالمقطم
  • وزير الخارجية يناقش مع نظيره بسلطنة بروناي تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري
  • نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)
  • المهرجان القومي للمسرح يناقش إعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور في العصر الرقمي
  • بحضور السفير.. قيادات الجالية المصرية بالنرويج تشارك احتفالات السفارة بالعيد القومي لثورة 23 يوليو
  • التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح
  • وزير العدل يشرف على تخرج 481 طالبًا قاضيًا السبت المقبل