الشق والطق في استقلال السودان
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
الشق والطق في استقلال السودان
رشا عوض
* أكبر شق في استقلال السودان هو الجيش! لانه مؤسسة مختلة هيكليا ، وعقلها مصمم على حماية قصر الحاكم من المحكومين وحدود الوطن في مخيلته هي حدود قصر الحاكم العام لا حدود السودان! حجر الاساس في بناء هذا الجيش كان الاورطات المصنوعة على اعين الاستعمار المصري الخديوي ، اذ ان قوة دفاع السودان التي تطورت لاحقا الى الجيش السوداني كونها الاستعمار البريطاني من تلك الاورطات المستلبة لمصر ، ولذلك ظل الجيش السوداني حتى هذه اللحظة ” اداة لاستتباع السودان سياسيا واقتصاديا لمصر” !!
*أكبر طق في استقلال السودان هو ان النخبة السياسية التي قادت البلاد نحو الاستقلال لم تمتلك بصيرة وطنية نافذة تجعلها تكتشف ذلك ” الشق” وتضع له المعالجة الناجعة عبر قرار استراتيجي وتأسيسي بحله وبناء جيش جديد على اسس قومية ومهنية تجعله جيش السودان بحق لا جيش مصر في السودان! تجعله جيشا مؤهلا لينوب عن الدولة في احتكار العنف ويحمي حدودها ويلتزم بنظامها الدستوري والقانوني! جيش يحرس الشعب ولا يفرض وصايته عليه بالانقلابات ويحرمه من فرصة التطور السياسي الطبيعي وانضاج تجربته الديمقراطية بالتدريج.
* تطربني كلمات النشيد المجيد” اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا” بصوت الراحل المقيم الفنان محمد وردي وكل الاصوات الجميلة التي صدحت بهذا النشيد ، فالفن الرفيع يشحذ الارادة الى الوطن كما هو هو منحوت في جدارية الروح وكما هو لوحة مرسومة في الوجدان، اما الفكر السياسي فوظيفته تجسير المسافة بين الوطن الحلم والوطن في ارض الواقع ، وانطلاقا من ذلك فان نشيد المفكرين والسياسيين يجب ان يكون تحت عنوان ” متى نرفع راية استقلالنا” ؟ ومن هنا نبدأ ! من الواقع كما هو !
* شبه اول رئيس وزراء للسودان المستقل اسماعيل الازهري استقلال السودان بالصحن الصيني الذي ليس فيه ” لا شق ولا طق”، بمعنى انه استقلال كامل ونظيف بدون شوائب ، كانت تلك لحظات فرح الوهلة الاولى، ولكن بعد مضي سبعين عاما وما حدث فيها من حروب اهلية طاحنة وفشل تنموي وانقسام الوطن الى دولتين وانحداره الان الى حرب تنذر بتفككه ، كل ذلك يستوجب مراجعات شاملة وجذرية للمنهج الفكري والسياسي والاقتصادي الذي اديرت به دولة ما بعد الاستقلال، مراجعات نقدية يجب ان لا تستثني نظاما او حزبا او تيارا او مؤسسة من الفاعلين المؤثرين في مفاصل الشأن الوطني العام، ويجب توزيع المسؤولية التاريخية عن الخراب الوطني الذي نحن في دركات حضيضه الان حسب المساحة الزمنية التي انفرد بها كل نظام وحجم السلطة وادوات السيطرة التي حاز عليها، فهذا أهم معيار موضوعي لاستكشاف مكامن الخلل بعيدا عن التعميمات الماكرة والغوغائية المصنوعة على اعين الدكتاتوريات العسكرية التي تريد ان تفرق دم الازمة الوطنية بالتساوي بين الجميع! ومن ثم يتساوى من انفرد بسلطة استبدادية مدججة بالسلاح لعقدين او ثلاثة عقود بمن كانت سلطته لعامين او ثلاثة وفي سياق ديمقراطي وفي ظل مؤسسة عسكرية مستعلية تماما على سلطة المدنيين ومهيمنة عليها!
ليس هذا فقط بل وصل الجنون خلال حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣ لدرجة تعليق المسؤولية عن احراق البلاد على رقبة الاحزاب السياسية والشخصيات المدنية وتبرئة المؤسسة العسكرية والاحزاب المسلحة التي تتقاتل وسط الاحياء السكنية بالاسلحة الثقيلة والطيران! تبرئتها بالكامل وتعليق وزر الحرب على القوى التي سعت لتفاديها قبل ان تندلع وبعد اندلاعها ظلت ساعية لايقافها!
” القوى المدنية من احزاب ومنظمات مجتمع مدني ومثقفين” لا يجب ان تكون استثناء من النقد الصارم والمساءلة التاريخية عن الاخطاء التي ارتكبتها بالفعل، وعن الازمات التي صنعتها بالفعل ، وعن اي قصور او عدم كفاءة وسم اداءها في اي مرحلة تولت فيها السلطة او كانت في المعارضة ، ولكن المرفوض هو التدليس في كتابة التاريخ وترسيخ شهادات الزور التي صاغتها الانظمة الدكتاتورية الفاسدة وفرضتها كحقائق! هذا مرفوض لان تزييف الوعي بالتاريخ يمهد الطريق لتكرار اخطاء وخطايا الماضي في المستقبل ، فعندما تركز الابواق الاعلامية على ان المتسبب الاوحد او الاكبر في ازمة السودان هو الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكل من يرفع رايات الحكم المدني الديمقراطي فانها تريد ضبط بوصلة البلاد في اتجاه استبداد عسكري جديد وتريد تزييف وعي الشعب بصورة تجعله يلتمس الخلاص في الحكم العسكري بعد ان يكون نسي بفعل عمليات غسيل الدماغ الممنهجة حقيقة ان الحكم العسكري في السودان امتد لستة وخمسين عاما من سنوات الاستقلال السبعين ونتيجته هي هذه الدولة الفاشلة المهددة بالتشظي الى دويلات كل واحدة افشل من اختها!
* في عيد الاستقلال السبعين يجب ضبط البوصلة الفكرية والسياسية والاخلاقية باتجاه الحكم المدني الديمقراطي الرشيد ، تجربتنا تقول بوضوح ان المرافعة التقليدية لصالح الحكم العسكري على اساس انه يحقق الامن والاستقرار ويحفظ النظام هذه المرافعة سقطت في السودان سقوطا مدويا فالمؤسسة العسكرية ممثلة في الجيش فشلت في احتكار العنف، والنظام الاسلاموي التي يريد العودة الى الحكم بواسطة هذه الحرب كان سببا في ولادة عدد كبير من المليشيات وعلى اعينه صنع ال.دعم السريع كمليشيا ضخمة ومن برلمانه اجاز القانون الذي جعلها جيشا موازيا، ذلك النظام جعل البندقية هي الرافعة الوحيدة لحيازة السلطة وخلق واقع تعدد الجيوش وتبعا لذلك تعدد البنادق المتنافسة على السلطة من جيش تحول الى حزب سياسي مسلح ود.عم سريع وجد نفسه صاحب بندقية كبيرة فتطلع قائده لان يحكم ، ومليشيات الاسلامويين المتحالفة مع الجيش ترغب في االحكم من وراء الجيش، نتيجة ذلك كله هو انفجار نواة الاستبداد العسكري ممثلة في المؤسسة العسكرية باجنحتها المتصارعة على السلطة والمال في حرب وسط المدن والقرى المأهولة بالسكان فاستقبل المواطن الرصاص في اجساد اطفاله والدانات في سقف منزله! المحظوظ في هذه الحرب ناله التشرد والجوع
والمذلة ، اما المتعوس فوجد القتل او الاعاقة بالسلاح المدفوع ثمنه خصما من ميزانية طعامه ودوائه وتعليم ابنائه! او وجد التعذيب في معتقلات الد.عم السريع بتهمة التعاون مع الجيش او التعذيب في معتقلات الجيش بتهمة التعاون مع الد.عم السريع وهناك من تم تعذيبه مرتين في المناطق التي تبادل الطرفان السيطرة عليها! فهل مؤسسة عسكرية كهذه يمكن تبرير احقيتها بالحكم تحت شعار حفظ الامن والاستقرار ! اين الامن والاستقرار الذي حققته على مدة ستة وخمسين عاما وما عساها ان تحقق من امن واستقرار بعض ان انقسمت الى اجنحة متقاتلة على رؤوس المواطنين وتحولت الى مفرخة للمليشيات!
* في سبعينية الاستقلال يجب ان لا نساوم حول ضبط البوصلة الوطنية صوب السلام والحكم المدني الديمقراطي. الوسوماستقلال السودان الجيش الشق الطق رشا عوض قصر الحاكم العام مؤسسة مختلة هيكلياً
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: استقلال السودان الجيش الشق الطق رشا عوض
إقرأ أيضاً:
ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
حذر حمد محمد حامد حاكم إقليم كردفان ما يعرف بـ«حكومة السلام» من التحركات المكثفة التى تقودها الحركة الإسلامية «جماعة الإخوان المسلمين» وفلول النظام السابق، الرامية إلى الزج بالقبائل فى الصراع المسلح الدائر فى السودان وتحويله إلى حرب أهلية شاملة.
وأدان حامد، فى بيان صحفى أمس المحاولات اليائسة التى تنفذها جماعة الإخوان المسلمين وأذناب النظام السابق عبر التحريض القبلى الرخيص، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى لاستنفار وتجييش أبناء قبيلة «دار حامد» ودفعهم لقتال الدعم السريع نيابة عن جيش الحركة الإسلامية وميليشياتها، معتبراً هذه التحركات جريمة مكتملة الأركان تستهدف تفتيت النسيج الاجتماعى.
وحمل الحاكم قادة الجيش السودانى وما وصفه بـ«الميليشيات الإيديولوجية للإخوان» المسئولية الكاملة عن عواقب هذا التحريض، مشيداً فى الوقت ذاته بوعى قيادات وشباب القبائل الذين تفطنوا للمخطط ورفضوا الاستجابة لدعوات التجييش العبثى، مجدداً التزام حكومته بالوقوف سداً منيعاً أمام خطط الفلول التدميرية لحماية أمن واستقرار الإقليم من أجندات التنظيم.
وكان الجيش السودانى قد هاجم بعشرات الطلعات الجوية آليات وسيارات قتالية لميليشيا الدعم السريع فى منطقة عيال بخيت بولاية غرب كردفان. كما استهدف موقعاً داخل مدينة النهود خلال اجتماع ضم قيادات للدعم السريع برفقة خبراء لتشغيل المسيرات من جنسيات كولومبية وسورية وليبية، وأعلن المجلس الرئاسى للحكومة التى أعلنها تحالف «تأسيس» فى مدينة نيالا غرب السودان، قرارات تتعلق بالأمن والدفاع، من بينها خطة لتأسيس جيش وطنى موحد، فى خطوة قال إنها تهدف إلى تنظيم إدارة ملفات الأمن القومى والدفاع خلال المرحلة الانتقالية.
ووفقاً لبيان وقعه قائد الدعم السريع رئيس المجلس الرئاسى للحكومة التى أعلنها تحالف «تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتى»، تضمنت القرارات إجازة خطة عامة لتأسيس جيش وطنى جديد بعقيدة قتالية جديدة، تكون نواته ميليشيا الدعم السريع والجيش الشعبى لتحرير السودان والحركات المسلحة الموقعة على ميثاق السودان التأسيسى.
وشن رئيس التحالف المدنى الديمقراطى لقوى الثورة فى السودان «صمود» عبدالله حمدوك، هجوماً عنيفاً وغير مسبوق على تنظيم «الإخوان المسلمين» والإسلام يين، واصفاً إياهم بـ«الفصيل الذى خرب الحياة السياسية السودانية» وتسبب فى تجريف البنية المؤسسية لبلاده على مدار ثلاثة عقود من الحكم.
وتأتى هذه التصريحات المدوية لحمدوك فى توقيت حساس، لتشكل زلزالاً سياسياً يضع النقاط على الحروف بشأن مسببات الأزمة السودانية، وتزامناً مع إطلاق تحالف «صمود» لخريطة طريق مفصلية تهدف إلى إنهاء الحرب وإرساء السلام.
ووضع حمدوك «الإسلاميين» فى قفص الاتهام المباشر عن الانهيار الذى يعيشه السودان مؤكداً أن ثلاثة عقود من حكم التنظيم أسفرت عن تدمير كامل وممنهج لمؤسسات الدولة السودانية وتجريف أدواره، وأكد تحالف «صمود» أن مبادرة رئيس مجلس السيادة السودانى عبدالفتاح البرهان بالدعوة إلى حوار سياسى لن تقود إلى تحقيق السلام المنشود، واعتبرها محاولة للحصول على شرعية مفقودة.
وكشفت منظمة الهجرة الدولية، عن نزوح أكثر من 60 ألف شخص فى ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان خلال ثلاثة أسابيع من شهر مايو الماضى، فى ظل تصاعد الهجمات العسكرية بالمناطق التى كانت خاضعة سابقاً لسيطرة الدعم السريع. ووفقاً لتقرير صادر عن المنظمة، بلغ إجمالى عدد النازحين فى الولاية 59 ألفاً و742 شخصاً، يمثلون 11 ألفاً و956 أسرة، خلال الفترة الممتدة من 11 يناير إلى 21 مايو الماضى.
وكشفت تقارير منظمات الأمم المتحدة عن أزمة مركبة تضرب ركائز الأمن الغذائى والرعاية الصحية والحماية القانونية وتفاقم أزمة اللجوء هناك ووفقاً لأحدث تحليل للتصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى فإن 19.5 مليون شخص أى ما يعادل شخصين من كل خمسة سودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائى.
وحذر برنامج الأغذية العالمى من أن موسم الأمطار السودان قد يؤدى إلى عزل مناطق جديدة كما حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان فى تقريره من التدهور المتواصل فى أوضاع النساء والفتيات واصفاً الأزمة بأنها واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية فى العالم ويوضح التقرير أن النساء والفتيات فى السودان يواجهن مخاطر متزايدة مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعى والعنف الجنسى فى ظل تراجع فرص الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية وخدمات الحماية القانونية والاجتماعية.