المسؤولية الأولى حكومية بامتياز
تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT
د. عبدالله باحجاج
كشف معالي الدكتور سعيد بن محمد الصقري وزير الاقتصاد، عن أولويات خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026- 2030)، ومن بينها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي كخيار استراتيجي؛ بمعنى أنَّ سنوات الخطة الخمسية ينبغي اعتبارها استثنائية منذ الأول من يناير 2026، أي يوم انطلاقة الخطة الخمسية الجيدة؛ فهناك سباق عالمي محموم في هذا الجانب، ويزداد أكثر في منطقة الخليج، ليس كخيار تنموي، وانما استراتيجي كما اعتبرته الخطة نفسها، وهو وصف يُحمِّل آليات التنفيذ مسؤولية الدخول في سباق مع الزمن خلال سنوات الخطة؛ إذ إن عنصر الزمن هو الحاسم.
فكيف ستعمل بلادنا على تحقيق هذه الأولوية مع اعتبار الخمس سنوات المقبلة من أخطر السنوات التي تُؤسِّس مستقبل البلاد؟
القضية هنا لا تدور حول امتلاك التقنية فحسب؛ بل في امتلاك الكفاءات البشرية العُمانية، وتوطين المعرفة، عوضًا عن استيرادها. وقد وضعت رؤية "عُمان 2040" الاقتصاد الرقمي والابتكار في سياقاتها الاستشرافية الصحيحة، وترجمت الخطة الخمسية العاشرة هذه الرؤية إلى برامج مثل: التحول الرقمي الحكومي، والاقتصاد المعرفي، ورفع كفاءة رأسمال البشري، وأي تحول رقمي بلا كوادر بشرية وطنية، يجعل بلادنا رهينة الاعتماد على الخارج، مما تفتقر لعامل الاستدامة.
وهنا التساؤل الاستراتيجي الأول: من تقع عليه مسؤولية توجيه شبابنا للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؟ نصيحة الخطة للشباب تقول "سلِّح نفسك بمهارات المستقبل من برمجة وتحليل بيانات وذكاء اصطناعي، لتكون في الطليعة". وقد تابعتُ بعض الكتابات الصحفية التي ترمى بالكرة في ملعب المجتمع، وتنصحه بتوجيه بوصلة أبنائه نحوها. وهنا يظهر لنا كمن يضع العربة قبل الحصان، فلن ينطلق.. هذه قضية دولة بامتياز، والمسؤولة عنها الحكومة؛ فتوجيه الشباب- الذين هم جيل مستقبل البلاد التقني- ينبغي أن يكون ضمن التخطيط الوطني العاجل، ومادة إرشادية وتوجيهية للإعلام الحكومي لبناء الوعي المجتمعي؛ لأن المجتمع غرق في مسيرته الراهنة بأولوياته المعيشية، وعجزه عن رفع رأسه لتوجيه أبنائه لمستقبلهم، بخلاف التباين الثقافي والتعليمي بين المواطنين. وهي مسؤولية الحكومة كذلك، لضمانة النوعية والعددية في الأوقات المناسبة، ولأن التخصصات المطلوبة نوعية في مجالات، وعددية في مجالات أخرى.
والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي من القضايا المستقبلية التي ينبغي صناعة الوعي بها من المراحل الدراسية والجامعية، ويكون الدور الإعلامي قائدًا توجيهيًا للمجتمع في ظرفيته الراهنة، والمناهج الدراسية صانعة الوعي، وهذه أدوار للأسف غير موجودة أو في أفضل تقدير ليست بالطموحات الوطنية التي يُعوَّل عليها في تأسيس ثقافة جديدة لدواعي قوة مستقبلنا الجديدة.
وتُشير التوقعات إلى أن حصة الاقتصاد الرقمي ستنمو لتصل إلى 20% من القيمة المضافة الاجمالية بحلول (2029- 2030) أي بنهاية خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة لبلادنا، وهذا النمو يتجاوز قطاعي الزراعة والتصنيع، ويشمل العوامل الرئيسية المُحرِّكة لهذا النمو، ومنها: التبني السريع للذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية، وظهور القدرات العالمية. وتستضيف الهند 55% من هذه المراكز حول العالم، من هنا تعد نيودلهي جاهزة لمستقبل الاقتصاد الرقمي الذي سيساهم بخُمس الناتج الإجمالي المحلي، وبفضل مكانتها الصاعدة كقاطرة للتكنولوجيا يجعلها في وضع مواتٍ لتصبح البلد الأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي.
وهنا التساؤل الاستراتيجي الثاني: هل ربطنا الاتفاقية الاقتصادية الشاملة مع الهند ببناء قدراتنا التكنولوجية الوطنية وتأسيس جيلنا التقني؟ هنا بديهية مفترضة، وهي تُسلِّم بحدوث هذا الربط ما دام التفكير في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي مُبرمَج في رؤية "عُمان 2040"، وإذا لم يكن كذلك، فهنا علينا البحث عن الخلل. والبديهية المفترضة تُحتِّم النَصَّ في الاتفاقية مع نيودلهي على وجود عُماني مقابل لكل وظيفية أجنبية مُتخصِّصة، ويكون هناك برنامج تدريب مُعتمَد بزمن ومؤشرات أداء، وهذه من أهم الوسائل وأنجعها في تكوين جيل تقني وتكنولوجي عُماني كمًّا ونوعًا.
والتساؤل الاستراتيجي الثالث: هل الميزانية المالية الجديدة رفعت حصة التعليم في بلادنا لتستوعب- كميًا- تخصصات أساسية في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؟
يفتح هذا التساؤل أبواب رفع استيعاب الجامعات والكليات لتخصُّصات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتحفيز الجامعات على فتح تخصصات جديدة، وكذلك الابتعاث الخارجي، وجذب شركات التقنية العالمية بشروط وطنية، من بينها صناعة جيلنا التقني والتكنولوجي. والإجابة على مثل تلكم التساؤلات الاستراتيجية ستضعنا حول المدى الزمني وسرعته في بناء جيل مستقبل اقتصادنا الرقمي بقيادة الذكاء الاصطناعي، وهو مستقبل تتوقف عليه ديمومة سيادتنا الوطنية الشاملة.
وبما أن الاتفاقية الاقتصادية مع الهند تمنح الحق في مراجعتها بعد كل فترة زمنية، فإن ربطها بمقترحنا سالف الذكر من الأهمية الوطنية المُلحَّة، وحتى قبل أوانها، بحكم العلاقات المعاصرة والتاريخية مع الهند، وحجم مصالحها الاستراتيجية في بلادنا، وبما أن بلادنا قد وضعت الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن أولويات خطتها الخمسية الجديدة، وقد كان قبل ذلك ضمن نقاشات عاهل البلاد- حفظه الله- مع رئيس مجلس الدولة قبل أيام، فإننا هنا نقترح إنشاء لجنة وطنية دائمة تضم وزارات العمل والاقتصاد والتعليم ومجلسي الدولة والشورى وكفاءات تكنوقراطية مُستقلة، تكون مهمتها وضع الخطط وتنفيذ متابعة مستمرة للإنجازات السنوية في مجال صناعة الاقتصاد الرقمي وصناعة جيلنا التقني والتكنولوجي.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
إجراءات حكومية لتبسيط وتسهيل التخليص الجمركي .. تعرف عليها
قال أحمد أموي، رئيس مصلحة الجمارك المصرية، إن الإجراء الذي اتخذه وزير المالية مؤخرًا يأتي في إطار سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تسهيل وتبسيط عملية التخليص الجمركي، بما يُسهم في خفض زمن الإفراج وتقليل التكلفة على المنتجين والمستوردين المصريين.
أضاف خلال مداخلة مع برنامج "مال وأعمال"، المذاع على قناة "إكسترا نيوز"، وتقدمه الإعلامية إنجي طاهر، أن الإجراء الذي تم تنفيذه يعتمد على تعديل آلية العمل؛ فبدلًا من تنفيذ الإجراءات بشكل متتابع، مثل استخراج إذن التسليم ثم استكمال الإجراءات الجمركية، تم التغيير ليُصبح تنفيذ هذه الإجراءات بشكل متوازٍ.
أوضح أنه يقوم المستورد المصري باستكمال إجراءات استخراج إذن التسليم من التوكيل الملاحي وفقًا لمتطلباته، سواء ما يتعلق بالتعاقد المالي مع المُصدر في دولة المنشأ، أو الإجراءات البنكية، أو غيرها من المتطلبات، وفي الوقت نفسه يُسمح له ببدء إجراءات التخليص الجمركي.
أكد أن الجمارك تواصل أداء مهامها والتنسيق مع الجهات المعنية بعملية التخليص، سواء عند الحاجة إلى سحب عينات للفحص والتأكد من مطابقة المنتجات للمواصفات القياسية المصرية وخلوّها من المواد الضارة أو المحظورة، وهذا من شأنه في النهاية أن يُسهم في خفض زمن الإفراج بشكل ملحوظ، بما يسهّل دخول مستلزمات الإنتاج إلى السوق المصري ويخفض تكلفتها.\