أدانت المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب جريمة كشوف العذرية القسرية التي تعرّضت لها متظاهرات على يد القوات المسلحة المصرية خلال أحداث ثورة 2011، معتبرةً ما جرى انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية، وتعذيبًا ومعاملةً قاسية ومهينة، وذلك بعد مرور نحو ثلاثة عشر عامًا على الواقعة.

وحمّل الحكم الدولة المصرية المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات، سواء من حيث ارتكابها عبر مؤسساتها الرسمية، أو من خلال الفشل في التحقيق والمحاسبة، بما كرّس سياسة الإفلات من العقاب.



كما أكدت المحكمة أن كشوف العذرية تمثل عنفًا قائمًا على النوع الاجتماعي، وانتهاكًا واضحًا للحق في السلامة الجسدية والخصوصية والكرامة، وفقًا للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وبروتوكول مابوتو.

من جانبها، عبّرت رشا عبد الرحمن، إحدى الضحايا اللاتي صدر الحكم لصالحهن، عن مشاعر متناقضة بين الألم والارتياح، قائلة لـ"عربي21": "أشعر بالفرحة رغم مرور كل هذه السنين. كان ألمًا عميقًا وجرحًا كبيرًا، لكنني أعتبر هذا الحكم بمثابة ردّ اعتبار لي ولكل بنات ونساء مصر اللواتي تعرّضن للإهانة والتحقير بسبب هذه الجريمة".

وعن توقعها لتحقيق عدالة كاملة أو محاسبة مباشرة للمسؤولين وتعويض منصف للضحايا، قالت عبد الرحمن: "علينا أن نكون واقعيين، لا مكان للعدالة في هذه الظروف البائسة. يكفي إثبات الحق وردّ الاعتبار، ولو كان مؤقتًا".

وشددت عبد الرحمن على أن أهمية الحكم تكمن أساسًا في رمزيته السياسية والحقوقية، رغم تأخره ثلاثة عشر عامًا، ورغم ما وصفته بـ"التعويض الهزيل" الذي قُضي به لصالحها وبقية الضحايا، مؤكدةً أن: "هذه إدانة واضحة للسلطة. والعبرة ليست فقط في الممارسات التي جرت، بل في القوانين ذاتها التي تحمي مثل هذه الانتهاكات وتسمح باستمرارها".

وكانت قضية كشوف العذرية قد شهدت، في وقت سابق، تطورًا قضائيًا مهمًا على المستوى المحلي، حين حصلت سميرة إبراهيم، إحدى ضحايا الانتهاكات، على حكم من المحكمة الإدارية العليا في مصر يُلزم الحكومة بوقف إجراء كشوف العذرية، ويقرّ بعدم مشروعيتها ومخالفتها للدستور والقانون. ورغم أهمية هذا الحكم، فإنه لم يُترجم إلى محاسبة جنائية للمسؤولين عن الانتهاكات، ما عزّز مناخ الإفلات من العقاب.


في المقابل، سبق أن دافع الرئيس المصري بعد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، حين كان يشغل منصب مدير المخابرات الحربية، علنًا عن إجراء كشوف العذرية، معتبرًا في تصريحات إعلامية أن الهدف منها كان "حماية الجيش" من اتهامات الاغتصاب.

وهي تصريحات أثارت حينها موجة واسعة من الغضب الحقوقي، واعتُبرت تبريرًا رسميًا لانتهاك جسد النساء وتحويله إلى أداة للضبط الأمني والسياسي.

ويُنظر إلى الحكم الأفريقي الأخير بوصفه إدانة مزدوجة: للانتهاكات نفسها، وللمنطق السياسي والقانوني الذي شرعنها أو دافع عنها.

كما يعيد فتح ملف الجرائم المرتكبة بحق النساء خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير، في وقت لا تزال فيه العدالة المحلية غائبة، وتبقى الإدانة الإقليمية بمثابة توثيق تاريخي وحقوقي لجريمة لم تُنسَ.

وفي تعليق على الحكم، قال حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن القرار يمثل ردّ اعتبار متأخرًا لكنه بالغ الأهمية، موجهًا التهنئة للشاكيات على شجاعتهن. وأضاف: "مبروك للشاكيات وتحية لشجاعتهن. هذا رد اعتبار بعد 12 سنة من التقاضي، وإثبات قانوني لجريمة كشوف العذرية التي ارتُكبت في السجن الحربي في مارس 2011، وهي جريمة لم تعترف بها الدولة حتى الآن".

وأوضح بهجت أن الحكم الصادر في وثيقة رسمية من أكثر من 60 صفحة، والمعتمدة من مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأفريقي، لا يكتفي بإدانة الممارسة، بل يحدد الجريمة والمسؤوليات والمسؤولين عنها بدقة.

وأضاف: "قد لا يعني التعويض، وقدره 100 ألف جنيه لكل ضحية، الكثير من الناحية المادية، لكن لعل في هذه النتيجة ردًا للاعتبار وجبرًا للضرر، وتوثيقًا قانونيًا للتاريخ".

وفي بيان لها، رحّبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بقرار اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في الشكوى رقم 424/12، التي تقدّمت بها المبادرة بالشراكة مع منظمتي “إنترايتس” و“ريدريس” منذ عام 2012، نيابة عن اثنتين من السجينات السياسيات اللتين تعرّضتا لكشوف العذرية أثناء احتجازهما في السجن الحربي عقب فض اعتصام ميدان التحرير في آذار/ مارس 2011.

وصدر الحكم عنن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وليس المحكمة الأفريقية مباشرة، حيث أن اللجنة هي الجهة التي تنظر في الشكاوى ضد الدول الموقعة على الميثاق الأفريقي. 


وأكدت المبادرة أن الحكم يشكّل سابقة أفريقية مهمة، بعدما انتهى إلى إدانة الحكومة المصرية بانتهاك ثمانية من مواد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، واعتبار كشوف العذرية شكلًا من أشكال التعذيب والعنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي، لا يستند إلى أي تبرير قانوني أو مشروع.

كما شدد القرار على فشل السلطات في إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة، وعلى أن إحالة مدنيين إلى القضاء العسكري في قضايا تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمثل في حد ذاتها انتهاكًا للحق في المحاكمة العادلة والمساواة أمام القانون.

وأشارت المبادرة إلى أن اللجنة الأفريقية ألزمت الدولة المصرية باتخاذ تدابير واضحة لجبر الضرر وضمان عدم التكرار، من بينها وقف هذه الممارسة نهائيًا، وملاحقة المسؤولين عنها أمام جهات قضائية مختصة، وتعويض الضحايا، وتعديل اللوائح المنظمة للسجون الحربية، مع تقديم تقرير رسمي خلال مهلة زمنية محددة حول تنفيذ الحكم.

واختتمت المبادرة بيانها بالتأكيد على أن هذا القرار يواجه سياسة الإفلات من العقاب في جرائم التعذيب والعنف الجنسي، ويعيد الاعتبار لضحايا صمدن في مسار تقاضٍ طويل امتد لأكثر من عقد، داعية السلطات المصرية إلى التنفيذ الكامل والفوري لتوصيات الحكم، واحترام الحق في الاحتجاج السلمي، ووضع حد نهائي للممارسات التي تنتهك الكرامة الإنسانية تحت أي مسمى.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية حقوق وحريات العذرية المصرية السيسي ثورة يناير مصر السيسي ثورة يناير العذرية المزيد في سياسة حقوق وحريات حقوق وحريات حقوق وحريات حقوق وحريات حقوق وحريات حقوق وحريات سياسة سياسة تغطيات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة لحقوق الإنسان والشعوب

إقرأ أيضاً:

وزير البترول يشارك في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان ممثلاً لمصر

شارك المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، ممثلاً لجمهورية مصر العربية في افتتاح  أسبوع باكو للطاقة، وذلك تلبيةً لدعوة رسمية من جمهورية أذربيجان، حيث افتتح فخامة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف فعاليات الحدث الذي تستضيفه العاصمة باكو خلال الفترة من 1 إلى 3 يونيو.

البترول : بدء عمليات حفر بئر جديدة بحقل نرجس للغاز الطبيعي بالبحر المتوسطوزارة البترول: نتائج إنتاجية مبشرة لبئر غاز مينا غرب-1 بالبحر المتوسطوزير البترول يؤكد أهمية الارتقاء بمكانة مصر في المؤشرات العالمية للاستثمار التعدينيمصر تُصفر فاتورة البترول للشركاء الأجانب وتفتح كنز الصحراء الغربية .. اكتشاف ضخم

ومن المقرر أن يشارك الوزير كمتحدث رئيسي في الجلسة الوزارية الرئيسية رفيعة المستوى ظهر اليوم بمنتدي باكو.

ويُعد أسبوع باكو للطاقة أحد أبرز التجمعات الدولية المتخصصة في قطاع الطاقة، إذ يجمع ممثلين من 44 دولة، من بينها مصر، بهدف تعزيز التعاون الدولي وإقامة شراكات إستراتيجية في مجالات الطاقة المختلفة، بمشاركة وزراء ومسؤولين حكوميين والاتحاد الأوروبي وكبرى شركات الطاقة العالمية والمستثمرين وخبراء الصناعة. ويتضمن الحدث منتدى باكو للطاقة، إلى جانب معرض قزوين الدولي للبترول والغاز ومعرض قزوين للطاقة النظيفة، بما يعكس مكانته كمنصة دولية رائدة للحوار وبناء الشراكات واستشراف مستقبل الطاقة.

طباعة شارك البترول وزير البترول وزارة البترول الطاقة الوقود النفط

مقالات مشابهة

  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • تربية: هام بخصوص كشوف نقاط الفصل الثالث
  • بث مباشر| أحمد موسى: مخطط لإسقاط الدولة منذ 2011 والقوات المسلحة تصدت
  • ثورة في عالم الإعلانات.. منصة AI تنشئ عشرات الفيديوهات التسويقية بضغطة زر
  • إدانة عربية وإسلامية لاقتحامات الأقصى المتكررة
  • منتخب تونس يستعد لكأس العالم 2026 بطموحات تاريخية.. النسور تبحث عن إنجاز غير مسبوق
  • ريال مدريد يجهز ثورة ما بعد الانتخابات.. بيريز يقترب من حسم أولى صفقات المشروع الجديد .. إيه الحكاية؟
  • حقوقي: إطلاق مشاورات الاستراتيجية الجديدة لحقوق الإنسان خطوة مهمة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • وزير البترول يشارك في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان ممثلاً لمصر