بوابة الوفد:
2026-06-02@21:46:50 GMT

فتنة الكرسي

تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT

الكرسى فتنة كل زمن وسلطة، فإذا وصل إليه الصالح أحدث فراقا بينه وبين الله، ويتجّلى ذلك فى أغلب الحقب التاريخية وعبر التحولات الممتدة على مر السنين، فهو مفسدةُ وهلاكُ، تُنتهك به الشرائع، وتُسفك الدماء ويُحلّ الحرام، ويُخلط الحابل بالنابل، والحقُّ بالباطل، وتُبيَّض السمعة، ويُوأد الحريات والشرف، تمحى أخطاء الماضى.


الكرسى يُحول من بيده السلطة من خادمٍ للناس إلى غاية تُبرر أي تصرف، وأي موقف، وأي قرار، وأي سياسة، وأي توجّه.
فقد ساق الكرسى فرعون إلى الكِبر وجنون العظمة، حتى قال:﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فادّعى الربوبية والألوهية فى أبلغ صورة للجرأة على الله تعالى فى التاريخ الإنساني. 
كانت هذه الغطرسة والزهو والاستخفاف ثمرة الملك والعرش: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

وامتدت فتنة الكرسى عبر عهود التاريخ منذ أن خلق الله بنى آدم وأنزلهم إلى الأرض بعد أن توعدهم الشيطان حتى يومنا هذا. 
ففى العصر الأموى، شكّل قرار معاوية بن أبى سفيان توريث الحكم لابنه يزيد ذروة فتنة الكرسى، فانقسم الناس بين مؤيّد ومعارض، ورفض الحسين بن عليّ بن أبى طالب التوريث، لا طمعًا فى الحكم، بل رفضا للتوريث ولأن الكرسى فقد شرعيته، هنا دُفعت الدماء ثمنًا لحماية الكرسى، وانتهت الفتنة بمذبحة كربلاء.
ونال العباسيون كرسيَّ الخلافة تحت شعار «الرضا من آل البيت»، فى ممارسةٍ واضحة للتملّق السياسى، ذلك التملّق الذى ظلّ لعبةَ الذكاء السياسى الرابحة عبر العصور، مع إخفاء مواضع الضعف عمدًا، وإضافة روح من الغموض السياسى، الذى يُمكن من الوصول إلى الكرسى، لكنه يورث القلق والخوف.
وانتهج الخلفاء العباسيون الأوائل، مثل أبى العباس وأبى جعفر المنصور، سياسة قتل الخصوم ومطاردة الأمويين، وسحق أي منافس، سواء من رجال الدولة أو من العامة ممّن يتمتعون بشعبية بين الناس، ثم جاءت فتنة توريث الكرسى، فتصارع الأبناء، وكان ذلك أكبر جرح فى جسد الدولة العباسية، تحوّل الصراع بين الإخوة إلى ساحة حرب، ومع مرور الوقت غدا الخليفة بلا سلطة حقيقية، مجرد رمز دينى بلا قرار سياسى، وسقطت الدولة حين تقدم القمع على الشرعية، والتوريث على الكفاءة، والكرسى على الدولة.
وفى الأندلس، ضاعت الأرض والهوية والدين والكرسى معًا، بعدما قدَّم ملوك الطوائف كراسيهم الصغيرة على مصلحة الدولة، وتحالف كلُّ ملك مع عدو اخيه، وكانت الرسالة واضحة: إن الحفاظ على منصب لشخص بعينه قد يُضيع وطنًا، أو دولة، أو كيانًا، أو مؤسسة، وربما أسرة.
وفي الدولة العثمانية كان المشهد أكثر دموية وأشدّ قهرا؛ إذ شُرّع قتل الإخوة حماية للكرسى، بقانون رسمى معلن، تحت ذريعة منع الفتنة وحماية الدولة، لترسيخ فكرة أن الكرسى أغلى من الدم، فصار الدم عنفًا وقائيًا، أو قتلًا وقائيًا، من أجل الكرسى.
وفى القرن التاسع عشر، أصبح الاحتلال بوابة الحكم والجلوس على الكرسى، فتواطأ حكّام مع المستعمر للبقاء فى السلطة، وفقد أغلبهم شرعيتهم فى الداخل، فسقطوا كما سقط من قبلهم.
أما في عصر الجمهوريات الجديدة ما بعد الاستقلال، فقد وُلدت الجمهوريات على وعود التحرّر والتقدّم والديمقراطية، ثم تصدّر المشهد رؤساء تحوّلوا إلى زعماء أبديين، سُنت الدساتير، وعُدلت على المقاس، وأُنشئ إعلام خاص يروج للسلطة وإنجازاتها وأجنداتها وأيديولوجياتها، وكُمّمت الأفواه، وتوسعت السجون، وكُسرت الأقلام باسم الاستقرار، طال عمر الكرسى، فهرِم الوطن دون أن يدرى الحاكم.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

إقرأ أيضاً:

صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي

بلغراد (الاتحاد)

استقبل فخامة ألكسندر فوتشيتش، رئيس جمهورية صربيا، معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، والوفد المرافق له، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها معاليه لجمهورية صربيا.
ونقل معالي صقر غباش إلى فخامة الرئيس الصربي تحيات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتمنيات سموهم لجمهورية صربيا وشعبها الصديق دوام التقدم والازدهار.
من جانبه، حمّل فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش معالي صقر غباش تحياته إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتمنياته لدولة الإمارات حكومة وشعباً مزيداً من التقدم والرخاء.
ورحب فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش، في مستهل اللقاء، بمعالي صقر غباش والوفد المرافق، معرباً عن تقديره الكبير للعلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين الصديقين، والتي تشهد نمواً وتطوراً مستمراً في مختلف المجالات.
وأكد فخامته أن العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية صربيا، تعد نموذجاً ناجحا للتعاون البنّاء القائم على الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشيراً إلى حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دولة الإمارات في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية.
تم خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية صربيا في مختلف المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الأوضاع والتطورات في المنطقة.
حضر اللقاء أحمد برغش المنهالي، سفير الدولة لدى جمهورية صربيا، وكل من: سعيد راشد العابدي، وحميد أحمد الطاير، وخالد عمر الخريجي، وشيخة سعيد الكعبي، وعائشة إبراهيم المري، وهلال محمد الكعبي، أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، والدكتور عمر عبد الرحمن النعيمي، الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي.

أسس راسخة

أخبار ذات صلة الإمارات: نهج ثابت في محاربة التطرف والإرهاب الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول

من جانبه، قال معالي صقر غباش، إن دولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تحرص دائماً على أن تكون علاقاتها بالدول قائمة على أسس راسخة من التعاون المشترك والصداقة والاحترام المتبادل، وتوطيد مبادئ الأخوة والتعاون، وترسيخ أسس السلام والتعايش.
وأكد معالي صقر غباش عمق العلاقات الإماراتية - الصربية، وما تشهده من تطور متواصل بفضل الرؤية المشتركة والحرص المتبادل من قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والشراكة في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الثقة المتبادلة بين القيادتين أسهمت في فتح آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي، والاستثماري، والتنموي، والتكنولوجي. ونوه معاليه بأن دولة الإمارات تنظر إلى صربيا، باعتبارها شريكاً مهماً في جنوب شرق أوروبا، ودولة تتمتع بموقع استراتيجي وقدرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار والتنمية والتواصل الاقتصادي في المنطقة، مؤكداً أهمية مواصلة البناء على ما تحقق من إنجازات لتعزيز الشراكة بين البلدين.
 وقال معاليه: «تثمن دولة الإمارات المواقف الصربية الداعمة، لا سيما زيارة فخامة الرئيس الصربي إلى دولة الإمارات في مارس الماضي، وإدانته الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي استهدفت دولة الإمارات، ووقوف صربيا إلى جانب الدولة في مرحلة دقيقة، مؤكداً أن المواقف الصادقة تبقى راسخة في ذاكرة الدول والشعوب».  وأضاف معاليه أن أمن منطقة الخليج العربي لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الدولي، في ظل الترابط الوثيق بين استقرار الخليج وأمن الطاقة العالمي وسلامة سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، مشدداً على أن أي تهديد لأمن الخليج أو للممرات البحرية الحيوية أو للبنى التحتية للطاقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق الأوروبية والاقتصاد العالمي.
 وأكد معاليه أن العلاقات الإماراتية - الصربية تقوم على الثقة المشتركة والاحترام المتبادل بين الدولتين، وتمثل نموذجاً لشراكة وثيقة تسهم في دعم الاستقرار والتنمية، مشيراً إلى أن دولة الإمارات وجمهورية صربيا تتشاركان نهجاً يقوم على بناء الجسور، وتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني والسيادي. وأكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون البرلماني والاقتصادي والاستثماري، وتوسيع مجالات الشراكة لتشمل قطاعات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين.
وشددا على أهمية الحوار والتعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة، وترسيخ قيم التفاهم والتعايش بين الشعوب.

مقالات مشابهة

  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
  • واشنطن: ندعم حصر السلاح بيد الدولة في العراق
  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • المسكوت عنه فى قوانين التصالح
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • رصف طريق سيد بحر بالبحيرة لدعم شبكة الطرق
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • منطقة «مكة المكرمة» تحذر من وضع اليد على عقارات الدولة: تجاوز يوجب العقوبة
  • الاستشاري: بناء الدولة على طاولة تكالة واللافي